هنا الرباط، وأنا الجالس في مقهى الأندلس بالقمرة، أحضر للنادل النورمال وأخذت مكانًا منزويًا متسمرًا على الطريق كأني لا أحد، الرباطيون للتو أنهوا مباراة فريق مدينتهم الفتح، وهم يترنحون بقبسات من هنا وهناك، كأنهم جزء أصيل لهذه المدينة، من يعرف مدينة الرباط فسيعرف الجزء الثاني فيها، جزء الفارهين من سمان الليمون والرياض والفيلات وصناع القرار. أما القمرة فإنها مكان يعج بماسح الأحذية وطريق المسافرين ممن لا يضعون «كرابتة» في أعناقهم، ببساطة إنها طبقة الأراذل والأسمال وعابر السبل، من مغرب الهامش ومغرب المغرب العميق.

هنا قد ترى عربة يجرها حمار سياسي وقد ترى عربة يجرها آدمي فقير، لكن الغريب أنه يصرخ بالوطنية ويدعي حب الوطن، وهو لا يدري أن أولئك الذين جعلوه في مكان الدابة هم أيضًا يقولون قوله عن الوطن والوطنية، فالرباط وعلى غرار باقي المدن المغربية تبدو فيها نكهة الأعلام المغربية أكثر شيوعًا وذات تجلٍّ واقعي، على عكس باقي المدن التي تبدو تمغرابيت بعيدة كل البعد، ولعل هذا ما يجعل الرباطيين أقرب المغاربة للتمغرابيت وبما أن الرباط هي العاصمة فثقافتها الجهوية هي ثقافة كل المغرب، ما دام النظام الإداري المغربي لم يخرج بعد من خندق المركزية والتركيز الإداري، فلكي تكون مغربيًا يجب أن تقف آثار العاصمة وحب العاصمة.

على كل حال مقهى الأندلس، الذي استضافني ساعات بدون أن ألاحظ أي ورقة تحدد وقت الجلوس كما يفعل النصف الآخر من مدينة البرلمان في الشارع الرئيسي، أسعدني شيء ما، لأني كنت أملك حقائب كثيرة والحافلة لن تنطلق إلا بعد ساعات انتظار كثيرة. دائمًا عندما كنت أزور الرباط كنت أحس بإحساس أن كل الأشياء هنا تشترى بالمال وأن من لا يملك المال لا يملك شيئًا، أما الإحساس الأكثر فظاعة، فهو الإحساس الذي كان يشعرني بأني غريب عن هذا المكان وأني لست ابن هذا الوطن، فكل شيء بالنسبة لي مختلف وأنا ابن منطقة نائية من المغرب الآخر، لم أكن لأعرف الكثير عن بلدي لو لم أزُر هذه المدينة، وكم أنا سعيد لأني زرت الرباط بجزأيها، البروليتاري والبورجوازي، وأنا النائي من مدينة لا تخرج منها إلا وتراب كثير قد انتعلته.

في السابق عندما كنت في بلدتي فقط، كنت أعرف إلى مدى كنا لا نعرف المغرب سوى بالاسم فقط، فحلم كل شباب بلدتي لم يكن مرتبطًا بالرباط أكثر ما ارتبط بأوروبا، الرباط لم تكن شغلهم الشاغل، ولم تكن معرفتهم بها سوى شيء ضئيل، كانت معرفتهم بأوروبا أكثر تجليًا وعمقًا. ولهذا اعتبر الرباط شيئًا آخر، عنوانًا للرسالة لم يستوعبها بعد، لقد كانوا ينتمون للفراغ، لاسم لا يتجلى إلا في الطوابع والوثائق الإدارية. ولهذا كانت ثقافتهم السياسية جد محدودة لم تترك لهم مجالًا إلا لينظروا وراء البحر، للشقراوات مايروكا ودين هاخ وميونيخ . هكذا صنعت لي النورمال التي احتسيت في مقهى الأندلس هذه الخواطر، على رصيف مطل عل طريق المارين من هنا على أشكالهم وألوانهم وأنواعهم، نساء على مقاصهن لباس هجين، مارات وخارجات وسائقات، رجال جالسون يحملقون إليهن والسيارات، فالنساء كالسيارات هنا، فيهن الفارهات والرائعات الطويلات ذوات السيقان الأمريكية والأعناق الزجاجية البيضاء الملساء، تراهن يحملن رأسهن كأنه لن يزج التراب ولن ينحني ويترهل، وحدهم عشاق لأي أم جي وفولكس فاجن، من يعقلون هذه المقارنة، فما يجمع الأشياء هنا أنها فقدت قيمتها الإنسانية وأصبحت شطوط الليبرالية من تسوس، فسلطة المال من تحدد سعرك هنا وسيارتك ومقهاك وزوجتك حتى.

الأندلس هذه التي تسمرت فيها عيون الشباب أمثالي إلى أفق فارغ، أما شباب الرباط، فقصاصات شعرهم كانت تعرفك بسهولة بهم، كانت معقولة ومزركشة، نصف تل وسهل وهضبة. كان النادل يحوم علي بين فينة وأخرى، كأنه يقول لي: غادر أيها الحاذق أو احتسِ نورمالًا أخرى، إذ لم أكُن قادرًا على أن أحتسي مجددًا، فجيبي يكاد يفلس تمامًا وواد مليل، أرض التوازا، ما زالت بعيدة لأحصل على سعرات حرارية، كما لن يكون مداد الثاني لنورمال أخرى، سوى حديث عن واد مليل أرض التوازا وغياتة والبرانص.

وبهذا غادرت الأندلس، التي لن تكف نورمال واحدة لتصف وتسرد كل ما يحدث في الرباط، فما رأيته سوى مدينة النهار، الذي كان ينسدل شيئًا فشيئًا تاركًا بقية الحكاية لمدينة الليل، حيث مدينة أخرى تستفيق وعالم ثان ينهض وكعب عالٍ يسير وأرقام سيارات سوداء تتحرك، وبين هذا وذاك كنت أغادر في حافلة مونتي كارلو ورائحة الحمص المسلوق تملأ أنفي، فيما رائحة مومس كانت الجزء الأخير لمغادرة مدينة المجون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد