من لا يستطيع تحمل نفقات الإيجار بأحد الأحياء العشوائية بمدينة القاهرة، يتبقى له خيار العيش في المقابر- أو كما يسميها أهلها “القرافة”. فطبقا لإحصاءات غير رسمية، يعيش في العاصمة المصرية حوالي مليون شخص ونصف داخل المدافن.

من الطريق السريع تبدو المدافن منظمة وشبه مهجورة. أما من الداخل فيكتظ رصيف الشارع الرئيسي لحي المقابر بالسيارات. على جنبات المقابر التاريخية يوجد بعض الأكشاك وورش عمل ومحلات ومقاهٍ شعبية، يدخن مرتادوها الشيشة ويلعبون “الدومينو” أثناء شرب الشاي.على أرصفة الطريق تأكل الطيور التي تربيها ساكنات المقابر من الأرض، وتتجول الكلاب الضالة بحرية. من خلال أبواب المقابر المفتوحة يرى المرء نساء يتجاذبن أطراف الحديث ويتناولن الطعام، في حين يلعب الأطفال حفاة الأقدام في الشوارع الخلفية بين المباني القصيرة، ذات الطراز البسيط.

منذ مئات السنين تم بناء حي المقابر خارج أطراف مدينة القاهرة ليكون مدفنا للأموات. يعيش اليوم بالحي أكثر سكان القاهرة فقرًا والذين وجدوا في ساحات المدافن وطنا ثانيا لهم.

 

أمام إحدى المقابر الكبيرة، وتحت لهيب الشمس الحارقة يجلس بعض أفراد عائلة نفيسة: امرأة عوراء، تتحدث بابتسامة ودود وترتدي جلابية مشمرة الأكمام وإيشاربًا معقودًا للخلف يظهر خصلات شعرها البيضاء. المقبرة عبارة عن ممر، تقضي فيه نفيسة معظم وقتها، يفضي إلى حوش صغير، به بعض النباتات وضريح يقع مباشرة أمام غرفة نومها.

تعاني أسرة نفيسة من انعدام المرافق الأساسية كالصرف الصحي والكهرباء والغاز. فالمطبخ غرفة صغيرة معتمة، لا يوجد بها سوى موقد غاز على الأرض. أما المياه فتأتي عبر خرطوم مياه يتدلى من السقف يستعمله أفراد العائلة للاستحمام، نظرا لضيق مساحة الحمام، الذي لا يستع سوى لمرحاض “بلدي”. ورغم وجود غرفة أخرى بالحوش، إلا أن أصحاب المدفن يستعملونها كمخزن خاص لهم. بجانب باب المقبرة يوجد باب مغلق تتجنب نفيسة الحديث عنه، وعند سؤالها قالت باستحياء “ده حمام أفرنجي بس مش لينا، ده بتاع أصحاب الحوش، هما بس اللي بيستعملوه لما بييجوا هنا”.

بعيون حزينة تحكي نفيسة قصتها، فهي تعيش “بالقرافة” منذ ولادتها ولا تعرف سنها بالتحديد. بعد وفاة والديها تزوجت من عربجي يسكن أيضا بالمقابر وأنجبت منه ثلاثة أبناء. زوّجت نفسية ابنتها وابنها الأصغر، أما الابن الأكبر فهو محبوس على ذمة التحقيق في قضية قتل. “هو كان شقي شوية، عمل مشكلة كدة من سنتين وفيه واحد مات”. تهز نفيسة رأسها بأسى وتقول أن ذلك أضر بسمعتها في الحي.

 

تحلم نفيسة أن تغادر القرافة وأن تسكن في شقة، إلا أن ذلك يبدو مستحيلا، فهي تعيش مع زوجها العجوز – الذي لا يقوى على العمل – بلا معاش أو تأمين، و تحصل على دخل غير منتظم من خلال بيع القصب على باب المقبرة، وعلى بعض المساعدات المالية من أبنائها وأصحاب المدفن. ورغم صعوبة تحقيق حلمها، إلا أن نفيسة تحكي قصتها للجميع على أمل أن تتغير في يوم من الأيام.

وطبقا لإحصاءات غير رسمية فقد وصل العدد المستمر في التزايد لسكان المقابر إلى مليون ونصف. فالمدافن تحولت إلى مأوى للمهاجرين من المناطق الريفية المحيطة بالقاهرة وسكان العاصمة الذين لا يستطيعون تحمل نفقات الإيجار بأحد الأحياء العشوائية.

أريد شقة، أي شقة

“أنا عايشة هنا غصبًا عني”، بهذه الكلمات استهلت حليمة كلامها. تتحرك العجوز، الهزيلة بنشاط وهي تغسل ملابسها في “طشت” كبير أمام المدفن الصغير الذي تعيش به. بعد انتهائها تفرغ مياه الغسيل على الشوارع الرملية لتجف وتعلق الملابس على حبل معلق على الجانب الثاني من الشارع.

وتضطر حليمة لغسل أوانيها وملابسها في الشارع، لعدم وجود نظام صرف صحي داخل المدفن. فبدلا من “التواليت” لديها “ترانش” وهو عبارة عن صندوق مغلق به فتحة من الأعلى وتقوم حليمة بإفراغه باستمرار. “احنا بندفن كل حاجة بعيد عن هنا”. ورغم صعوبة ذلك، إلا أنها تعتبر نفسها محظوظة لأن لديها كهرباء، فقد قام صاحب المدفن بإمداد المكان بها منذ سنوات عديدة. “أنا اللي بدفع الفاتورة. مدفعتش آخر كام شهر، يارب ميقطعوش الكهرباء عليا”.

 

وعلى عكس أجواء مدينة القاهرة الصاخبة، المبلدة بالغيوم، فالحياة في “القرافة” تتمتع بالهدوء والهواء النقي ووجود الأشجار. تعلق حليمة على ذلك قائلة “الشجر ده واحد زرعه هنا، بس عشان ابنه مات. والشجرة الكبيرة كمان اتسرقت”.

تزوجت حليمة منذ ثلاثين عامًا في إحدى القرى الفقيرة وهي بعمر الخامسة عشرة. انتقلت بعدها مع زوجها، الذي يملك كشكًا، إلى العيش في “القرافة” بمدينة القاهرة. بعد تسعة عشر عامًا من الزواج توفي زوجها. فجأة وجدت حليمة نفسها تقف وحيدة مع ثلاثة أطفال. تضع حليمة يدها على خدها وتقول “كان لازم أشتغل بقى عشان أكلهم”. تتجنب حليمة الحديث عن طبيعة عملها، إلا أن العديد من النساء في “القرافة” يعملن خادمات في البيوت لإعالة عائلاتهن.

 

بجانب دخلها غير الثابت من عملها، تحصل حليمة على مساعدات بين الحين والآخر من مؤسسة الأزهر ومعاش قدره ثلاثمائة وعشرون جنيهًا. أثناء حديثها رفعت حليمة عينيها لتنظر إلى المساكن العشوائية، المبنية وسط المدافن، وقالت: “أنا مش مقتدرة زي الناس دول عشان أدفع إيجار”. وتضيف أنها حتى وإن كانت تملك ثمن الإيجار، فسكان هذا الحي لا يسمحون لغريب أن يسكن بينهم. “أنا عايزة شقة، أي شقة. حتى مش عشاني، عشان ابني الكبير. أنا ست كبيرة وخلاص مش مهمة”.

 

مأوى للمجرمين وتجار المخدرات

عاشور، صانع أقفاص، يسكن مع عائلته في شقة صغيرة بحي الدويقة “أنا معنديش أي اختيارات تانية، غير إني أعيش هناك”. لا يمتلك عاشور ورشة ليعمل بها، لذا فهو يستأجر مقبرة مقابل ثمانين جنيها شهريًا، كمخزن ليضع فيه أدواته. ويزاول عمله أمامها مفترشًا الأرض الرملية تحت ما يشبه الخيمة، وتجلس بجانبه زوجته وابنهم الرضيع.

 

وتقع المدافن على بعد عشرين دقيقة من مسكن عاشور الذي اعتاد أن يأتي إلى هنا سيرًا على الأقدام. “لما بنشتغل غير وبنتعب أوي بنروح بالميكروباص باثنين جنيه، عشان ابننا صغير وبيتعب بسرعة”.

 

غالبا ما تصطحبه زوجته لتحضر له الشاي والطعام. أثناء حديثه ينظر إليها عاشور بحب ويقول أنهم يقلقون على بعضهم البعض، فالمدافن تحولت أيضا إلى مأوى للمجرمين وتجار المخدرات. يحكي عاشور أنه منذ عام ونصف قام أحد مدمني المخدرات بقتل شخص ما أثناء شجارهم. ويضيف، أنه مهما شهد من جرائم فهو لا يستطيع أن يبلغ الشرطة. “لو أي حد هنا اتكلم، الناس كلها بتعرف وده هيعملي مشاكل بعدين”.

 

يتمني عاشور أن يمتلك ورشة ومسكنًا آدميا، على حد تعبيره. ويقول بأسف أنه لا يأمل في تحقيق ذلك الحلم “كل حاجة عمالة بتغلى. جريد النخل اللي كنت بجيبه ب ٣٠٠ جنيه، بجيبه دلوقتي ب ١٣٠٠”. يحلم عاشور بمستقبل أفضل لابنه الرضيع ويقول “نفسي ميطلعش زيي ويتعلم ويتوظف في شغلانة ثابتة فيها تأمين صحي.” يستطرد كلامه قائلا بإحباط أنه إذا مرض فهو لن يحصل على أي رعاية صحية “الحكومة مش بتعملنا حاجة”. أرسل عاشور كل أبنائه الخمسة إلى المدرسة إلا أنهم تركوها باختيارهم لاحقا عدا ابنته الصغيرة، ذات الثماني سنوات.

 

حي المدافن هو واحد من عشرات أخرى بالقاهرة، يزورها ذوو المتوفين بين الحين والآخر تاركين خلفهم وجوهًا شابهت المقابر؛ ترك الزمن آثاره عليها وطواها النسيان عن الأذهان. أما أحلامهم وآمالهم فقد دفنت بصمتٍ مع أصحابها جنبًا إلى جنب مع الأموات.

 

نشر هذا الموضوع بالالمانية في موقع zenith online

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد