استغرق الأمر ثلاث سنوات حتى يصبح بإمكاني استيعاب أنكِ لم تعودي على قيد الحياة، إنه الإيجو أنتِ تعرفين ذلك. رغم ذلك قررت أن أحكي لكِ ما فاتك، حظر التجوال بدأ سريانه منذ أربعة أيام وعلى بعد خمسة شوارع منا هناك العسكر يتمركزون ويحاصرون المنطقة بأكملها، ليس لدي في المنزل شيء يؤكل باستثناء ثلاث علب من التونة ورغيفين من الخبز، سأحاول التقتير على نفسي في الأيام القادمة لأنه ليس بإمكاني الخروج لأشتري شيئًا آخر.

حاول أحد الجيران بالأمس أن يخرج لشراء طعام لابنته الصغيرة التي لم تتوقف عن البكاء من الجوع لكن النهاية كانت موته مقتولًا بالرصاص، لخرقه حظر التجوال، فقد مضى ذلك الزمن الذي تكون عقوبة خرق حظر التجوال هي السجن، تغيرت تلك الأشياء، اليوم صباحًا ماتت الطفلة، توقف صراخها فاعتقدت أنها قد أكلت لكنني كنت مخطئًا!

المدفأة خاصتنا، بالطبع تذكرينها حجرها العتيق والخشب الذي يعلوها من الجوانب، السوار الحديد المحيط بها على شكل زهرة يمتد غصنها ملتفًا ثم يعرج قبل أن يلتقي الذيل بالرأس، تشوهت بالأمس حينما أصابها رصاص طائش.

الصورة الآن من نافذة منزلنا مخيفة، الشمس ما عادت تشرق على تلك المدينة الملعونة والسحب تغطي الأرجاء ليل نهار والشارع صار شبه فارغ بعدما هجره الناس، كان اتفاقنا أننا لن نرحل من هنا، ذلك البيت الذي بناه جدي، أخبرني أنني حينما كنت صغيرًا كان يجلس بجوار تلك المدفأة يقرأ ما يحلو له، هذه أشياء جديرة بالتذكر.

بعد استشهادكِ ببضع ساعات عرفت أنهم حينما اقتحموا الميدان وأعملوا القتل فيمن فيه كانت أسماء من بين الضحايا وكان أحمد أيضًا، أنتِ تدركين ذلك لأنهم يرقدون جواركِ الآن. عرفت أنهم قبل أن يسلموا الروح ظلوا وقتًا يصارعون النزيف وكأن الدماء كانت تأخذ معها الذنوب وتسقط على الأرض قبل لقاء الله، لست كربلائيًا ولا أحب قصائدهم الكاذبة لكن هذا ما شعرت به حينها.

ستندهشين إذا عرفتِ أنه قد مضى 1000 يوم على ذلك، 1000 يوم وما زال باب القبر مفتوحًا، أتدرين أين الكارثة؟ لم يعد بإمكاني أن أصرخ حزنًا على رحيلكِ فهذه الآن تهمة تستوجب القتل، لطالما كنت أتمنى أن أرحل عن هذه الدنيا في هدوء دون تعذيب، بضع رصاصات قد تنهي القصة. ثمة فرصة كي أظل أدعو لكِ بالرحمة.

هناك صوت شديد منبعث من هناك، الصوت يعلو! إنها طائرة عسكرية، هناك قذيفة انفجرت بالقرب من هنا، تعجبت كثيرًا من تكرار ذلك الأمر حوالي خمس مرات في اليومين الماضيين رغم أن المنطقة بأكملها تحت السيطرة. أضحك كلما رأيت الطائرة توجه قذيفتها إلى منزل ليس به أحد، ألا يعرفون أنني أقطن هنا، أمر مضحك!

سأغلق الستائر حتى لا أرى أعمدة الدخان المتصاعدة، أنا لم أعد أخاف من الغارات، القبور في المدينة مبعثرة ولا شاهد عليها بعضها داخل المنازل وبعضها على أطراف المدينة، لست مطمئنًا إن كان قبري سيكون بالقرب منكم لكن هذا ليس مهمًا، تلك محض مرحلة انتقالية إلى دار الجمع.

أتذكرين حنظلة! ذلك الاسم الذي كان ناجي العلي دومًا ما يتغنى به، يذكرني ذلك بقوافل التهجير القسري، يذكرني بذلك الطفل الضئيل معدوم الشعر مكبل اليدين خلف ظهره، لو أن ناجي العلي حي لأخبرته أن قوافل التهجير ليست في بلاده وحدها، قذائف الهاون على حالها واجتماعات الحزب أيضًا على حالها، تلك التي لا تسمن ولا تغني من جوع باستثناء موائد العراك والتنازع والحماقة التي تزكم الأنوف وتملأ البطون تخمة. سألتني ذات يوم كيف كان شعور حنظلة حينما يشاهد قافلة التهجير، ربما بإمكاني وصف تلك الكوابيس الآن وأن أمسح تلك الورقة لأكتب عليها تلك الرسالة، أحفاد حنظلة البائس صاروا كثرًا.

اشتريتِ لي في ذلك اليوم كتاب «هروبي إلى الحرية» لذلك المبدع علي عزت بيجوفيتش، حينما قرأتِ ما على غلاف الكتاب شعرتِ أنني أشبهه حينما قال «كانت تلك أيامًا ينتظرني فيها ما يقرب من ثلاثة عشر عامًا من السجن وعندما كان الموت هو الأمل الوحيد أخفيت هذا الأمل بداخلي مثل سر كبير لا يعرفه أحد غيري ولا يستطيعون هم تجريدي منه، فإذا كان الأدب هو هروبي الثقافي من ذلك السجن إلى الحرية فإن هروبي العاطفي كان في تلك الرسائل. لست متأكدًا بأن أولادي يعرفون أو أنهم سيعرفون يومًا ماذا عنت تلك الرسائل بالنسبة لي؟ كنت أشعر في تلك اللحظات التي أقرؤها فيها أنني لست إنسانًا حرًا وحسب بل إنسانًا أهداه الله كل خيرات هذه الدنيا».

أوصيتكِ يومها أن تقرئي ذلك الكتاب، تحديدًا ذلك الفصل الأخير الممتلئ برسائل الأبناء لأبيهم في السجن وشعورهم وهم أسرة معتقل سياسي، رفضتِ ذلك. ربما ثلاثة وأربعون يومًا قضيتها في السجن كانت تجربة كافية لك، أنا لا أعلم إن كنتِ قرأتِ الكتاب في تلك الفترة أم لا، لكنني قضيت عامًا ونصف عام في قراءة «الإسلام بين الشرق والغرب».

هناك انفجار آخر دوى بالخارج، هناك اهتزاز شديد يعتريني ويعتري الجدار. أتمنى أن يكف هؤلاء بعض الوقت حتى يتسنى لي المتابعة.

قرأت أنا الفصل الأخير برسائله وعايشت مشاعره، استوقفتني رسالة سأخبرك بها، أخبرتني ذات يوم أنكِ ربما تشبهين سابينا ابنة بيجوفيتش لكن هذه الرسالة أشعرتني أنكِ تشبهين ليلى رغم أننا لم نر أيًّا منهما! قالت في تلك الرسالة «ربما لاحظت أنني غالبًا ما أحيا هذه اللحظة عندما تنشأ في الزمن الماضي حالة مرضية من النوستالجيا، لزمن غير معيش وخوف كأني أدخل في فضاءات ممنوعة، ويوجد هنا حقيقة ممتعة، الإنسان يكون أقوى كثيرًا في تلك الساعة التي تتواصل أكثر منه في الساعات الماضية أو القادمة، وكأنه لا يعي ماذا سيحتمل في أي موقف ولذلك أعتقد لا أحد يرغب في الرجوع إلى الطفولة وأن يعيش حياته مرة أخرى، جميعًا نخاف من الحياة وفي أدق مناطق الروح خفاءً ننتظر أن تمضي، وأن ينتهي ذلك، وكأن في مكان ما هناك ينتظرنا وطننا العزيز الحقيقي».

كان ذلك في 10/9/1985.

ما قالته في تلك الرسالة ذكرني بحديثنا، إذا تمنى المرء أن يعود طفلًا من جديد فتلك حماقة، الخوف من الحياة وآلامها قد عشناه ودفعنا تكلفته من قلوبنا وأعمارنا فلماذا قد يضطر أحدنا إلى تضييع ذلك كله من أجل بضع سنوات من الراحة يقضيها من جديد طفلًا، ثم متى كانت الطفولة في حد ذاتها شيئًا مريحًا بشكل دائم؟ لابد وأن ليلى في تلك الرسالة تسترجع طفولتها العصيبة الممتلئة بالخوف، أظن أننا في انتظار ذلك الوطن الحقيقي. لحظة واحدة هناك طرق شديد على الباب، طرقات عنيفة غاضبة، يبدو أن هذا هو السطر الأخير…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المدينة
عرض التعليقات
تحميل المزيد