تبدو لنا المراكز التجارية الكبرى كمجتمعات متكاملة مستقلة بذاتها منفصلة عما يحوطها، ولكن ما هي سمات هذا المجتمع؟ سنحاول في هذا المقال التطرق لبعض هذه السمات من خلال أحد أشهر النماذج في مصر وهو سيتي ستارز الموجود في مدينة نصر.

 

وهم المساواة:
يبدو “مجتمع المول” لأول وهلة مجتمعًا تسوده المساواة المتناهية، يوتوبيا مساواتية رائعة، فالجميع له كل حقوق الآخرين، ولا فضل لأحد على أحد، تجلس كما تحب وترتدي ما تحب، وتشاهد ما تريد مشاهدته، وتبتاع ما تريد أن تشتريه. إلا أن وراء هذه المساواة المزوقة ترتسم ملامح طبقية عنيفة، فالمكان بأكمله هو مخصص لطبقة واحدة، أو لو أردنا الدقة فهو محظور لمن هم طبقة بعينها، لن تجد في المول شحاذين، لن تجد فيه من يبيع الترمس أو الفريسكا، بل لن تجد فيه موظفًا حكوميًا ممن يتسولون بقية شهرهم لأن مرتبهم لا يكفيهم. فقط ستجد هؤلاء الذين يملكون الهواتف الذكية ويرتدون الملابس الأنيقة ويملكون السيارات الجميلة.

 

والأهم من كل هذا أن حتى داخل هذه الطبقات ستجد فروقات جديدة، فليس كل من يدخل المول سيشترى من بضاعته، بعضهم جاء ليدخل السينما، والآخر ليتناول وجبة، والثالث لكي يتفرج وفقط، فليس كل هؤلاء لديه القدرة المالية على دخول محلات المول، أو على الأقل معظمها.

 

وهم التنوع:
“مجتمع المول” مجتمع متنوع، ستجد به المتبرجة والمحجبة والمنتقبة، ستجد رجالًا بذقون وشبابًا بضفائر، ستجد المصري وغير المصري، يبدو الجميع مختلفين ومتنوعين، إلا أن المتأمل يلحظ في النهاية هذه الوحدة الكامنة داخل التنوع، فالجميع وإن اختلفت ملابسهم فهي في النهاية ملابس طبقة بعينها، وإن اختلفت أطعمتهم فهي في النهاية من محلات الأكل السريع، وهم وإن تعددت أغراض دخولهم للمول، فهم في النهاية داخل إطار السوق، حيث المال هو المحور الحقيقي لكل الأغراض، فيتزين تارة في صورة الأكل، وتارة في صورة الترفيه، وتارة في صورة التسوق، ولكنه في النهاية مال يتحكم في الجميع ويحكم على الجميع، فنحن في السوق أولا وأخيرا.

 

ويمتد هذا الوهم ليشمل المحال والبضائع بداخلها، فبالرغم من أن لديك مطاعم مختلفة تقدم لك أطعمة مختلفة، إلا أن الاختلاف بينهم في النهاية هو اختلاف في الشكل واللون، ولكنه في النهاية هو طعام سريع مثله مثل بعضه، سوف تأكله على هذه المنضدة المتشابهة مع بقية المناضد، أو إذا كنت وحيدا فإن الحائط هو مصيرك الوحيد مثل الأطفال الذين يعاقبون لسوء تصرفهم.

 

وهم الحرية:
تعطيك الكميات المهولة من البضائع والمحال، وهما جميلا هو وهم الحرية، فتشعر بأنك حر في اختيار ما تريد، فأنت الذي ستختار من أين تأكل وفي أي المحال ستشتري وإلى أين ستذهب، ولكن الحقيقة التي تدركها إن دققت النظر أنك في النهاية مجرد عبد لهذا الوحش الاستهلاكي، فالوحدة الكامنة خلف هذا التنوع تسلبك حريتك، فأنت تختار – فعليا – ما تريده لك الشركات الكبرى والعالمية، وأحيانا المحلية، تأكل ما يريدون هم أن يقدموه لك، وترتدي ما يرون هم أنه الموضة الأنسب لهذا الوقت، وتشاهد ما يعتبرونه هم أفلاما عالمية، وفوق كل هذا فالأسوأ هو أن كل هذا لا يعبر عنك، بل لقد أجبرت عليه إجبارا كونك قد دخلت دوامة السوق.

 

إله الاستهلاك:
بعد كل هذه الأوهام وغيرها، فلقد أصبحت مستعدا لدخول دين الاستهلاك، فأنت لم تعد إنسانا له هوية وخصوصية، وإنما مجرد مستهلك، تعرض جميع الأشياء لك في صورة استهلاكية محضة، حتى ما قد يبدو لأول وهلة أمرا بعيدا عن الاستهلاك والسوق، فالطعام الذي يعبر عن خصوصية وهوية أصبح مجرد اختيار في قائمة غير محدودة تشمل الأطعمة الصينية والأمريكية بل وحتى المصرية الشعبية، ولكنها – كلها – تقدم لك في شكل أنيق جذاب معقم في علب بلاستيكية صماء، لذا فإن تواجد محل مثل زوبا في سيتي ستارز أمر طبيعي، فالمحل وإن كان يقدم الأطعمة المصرية التقليدية (الفول والبصارة وغيرها) إلا أنه يقدمها لك في ثوب جديد، ثوب استهلاكي، فأنت تأكل لديه لا لكي تأكل ولا لكي تعبر عن هوية ما وإنما لكي “تجرب” لونا ثقافيا لطيفا مثل ما تأكل لدى المطعم الصيني كي “تجرب” لونا ثقافيا آخر، فأنت في النهاية مجرد مستهلك ولست إنسانًا.

 

حتى في ما يتعلق بالكتب حاملة الفكر والثقافة، فالأمر أيضا يعرض بشكل تسويقي جذاب، فرواية الفيل الأزرق يتم طبعها بغلاف هو نفسه “أفيش” الفيلم الذي أنتج بناءً على نفس الرواية، كما أنه قد تمت الطباعة في قطع جديد يتناسب مع الروايات والكتب الأجنبية، ولا تجد له شبيها في طبعات الكتب العربية، فقط لكي يكون أفضل تسويقيا لفئة من المستهلكين اعتادوا على الكتب الأجنبية وقطع طباعتها.

 

SITY

أما عن آليات الدين الاستهلاكي فحدث ولا حرج ، فعلى سبيل المثال دار الشروق الموجودة في المستوى الأول، هل ترى كيف يتم وضع كتب بعينها في أماكن بعينها لتظهر لك بشكل أكبر وأوضح؟ ترى ما الذي جعل لهذه الكتب قيمة تفوق بقية الكتب؟ فقط كونها أكثر قدرة على البيع من غيرها، ولكن كيف يمكن أن يتحكم حجم المبيعات في أهمية الكتاب؟ أنه الاستهلاك يا عزيزي. يمكنك أن تقيس على هذا كل سلعة أخرى. ثم تأتي الإعلانات، فأنت في المول محاط دائما بعدد مهول من الإعلانات التي تخاطب لا وعيك مباشرة وتخترقه اختراقا دون أن تستطيع أن ترفض أو تتمهل حتى في تلقى هذه الرسائل التسويقية، فأنت قد دخلت معبد الاستهلاك ولا تستطيع الفكاك.

 

العلمانية الشاملة:
إذا استطعنا تجريد نموذج لهذه المراكز التجارية فسوف يكون نموذجا علمانيا شاملا – بمصطلح المسيري -، فأنت أمام مجال عام تحكمه اللامعيارية (مرحلة ما بعد الحداثة في المتتالية العلمانية)، حيث لا معيار لأي شيء، فكل شيء له معياره الخاص، فالأكل الصيني بجوار المصري بجوار الغربي كله يتجاور وكأنه مطعم كبير. كما سنجد أن العلاقات المهيمنة هي علاقات تعاقدية/صراعية بالأساس، فأنت كمستهلك لا تربطك أي علاقة إنسانية بأي مستهلك آخر، فقط تمرون بجوار بعضكم البعض وتجلسون بجوار بعضكم البعض وتقفون بجوار بعضكم البعض، ولكنكم لا تلتفتون ولا تنظرون ولا تلقون السلام، ذرات منفصلة لا يربطها رابط، منجذبون جميعا لدوامة الاستهلاك.

 

بل إنك لا يربطك شيء بمن يعملون بالمكان، فعمال النظافة – مثلا – الذين يزيلون بقايا طعامك من المائدة، أنت لا تنظر لهم، بله أن تشكرهم، فضلا عن أن تقيم علاقة إنسانية معهم، حتى ولو عابرة. أما إذا نظرنا لعلاقة المحال بعضها ببعض، فسنجد أنها علاقة صراعية صرفة، فالجميع يتصارع من أجل أن يفترس أكبر قدر من ذرات المستهلكين المعروضين أمامه (والمعروضة بضاعته لهم في الوقت ذاته). يمكننا أيضا أن نلحظ بقوة هذا النموذج متبديا في طريقة تعامله مع الدين، فالدين في مجتمع سيتي ستارز وغيره من المولات هو “خدمة” يتم تقديمها مثل أي خدمة أخرى، كالسلالم المتحركة ودورات المياه وماكينات سحب النقود وغيرها.

 

SITY1

إن هذا النموذج كامن في مجتمع المول، ولا يتعلق الأمر هنا بمساحة الفرد في الاختلاف، بل إنه نموذج يفرض نفسه على الجميع، بغض النظر عن أفكار كل فرد ومعتقداته، فالكل قد دخل في النموذج، لأنه متغلغل في بنية هذا المجتمع، في كل تفصيلة من تفاصيله، في كل زاوية وفي كل ركن. والأمر أيضا لا يتعلق بالشكل الموجود، فلا يتعلق الطعام – مثلا – بكونه حلالا أم حراما، ولا تتعلق بالملابس – مثلا – بكونها مباحة أم لا، بل إنه حتى ولو كان كل ما يباع في مجتمع المول حلال شراؤه وبيعه، سيبقى المول مجتمعًا علمانيًا شاملًا بامتياز، فقط لأن الأمر يتعلق ببنية المجتمع وليس في شكله.

 

أستطيع أن أذكر مثلا شخصيًا بسيطًا تدليلا على هذه النقطة، فحينما ذهبت هناك مرة، كانت اللحظة الوحيدة التي شعرت فيها بأنني إنسان يتشارك مع غيره من بني البشر حياة ما، كانت عندما كنت بأحد المساجد في المول، ليس عندما كنا نصلي ولكن عندما كنت أجلس فورد إلى المسجد رجل وابنه الصغير الذي ظل يقلد أباه في الصلاة حتى فرغ، وكنت أنظر إليه – أي للطفل – متأملا، فلما فرغ الرجل من صلاته وهمَّ خارجا لوح لي مسلما من بعيد، إنه لم يفعل ذلك لكونه مسلما أو لكوننا نشترك في صفة الصلاة، ولكنه نموذج المسجد الذي يبعث على علاقة إنسانية بين مرتاديه، فيحميهم لمدة قليلة من وطأة نموذج المول، لكي يعودوا له مرة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد