«الأولوية للحق وحده: يجب ألا نأخذ رأينا كقضية مسلمة، ولا أن نقبل كلام غيرنا، دون مناقشة وتدبر، بل يجب أن نبحث عن الحق، ونجتهد في الوصول إليه، فإذا عرفناه عرفنا الرجال على ضوئه، وصادقناهم أو خاصمناهم على أساسه». الإمام محمد الغزالي.

«يجب أن نتبين حقيقة مركزنا العلمي بين الأمم، وأولى الخطوات إلى ذلك تقييم جهود قادتنا التنويرين؛ فهم مصابيح الماضي التي تنبعث منها أنوار الهداية الساطعة؛ فتكشف للأمة طريقها إلى الأمام في ظلمات الاستقبال». أحمد لطفي السيد.

ــ لماذا تخلف العرب؟ ولم يستطيعوا الركوب في قطار التقدم والحداثة؟ بينما نجح اليابانيون والصينيون والفرس والهنود في إعادة بناء الهوية والثقافة التي قادتهم إلى التجديد والتنمية والتقدم واللحاق بالقطار الأوروبي الذي كان سباقًا في هذا؟

ــ وما هي أسباب إخفاق الخطاب العربي؟ هل هذا الإخفاق بسبب انعدام الوعي والتجديد؟ أما الانخراط في الصراعات والحروب بدلًا من العمل والاجتهاد؟

ـ العديد من الكتابات التي ظهرت في الفكر العربي المعاصر التي تحاول الوصل إلى أسباب الضعف، ومغزى الانحدار الثقافي والتردي الأخلاقي وغياب العدالة والحرية والمساواة في مجتمعاتنا، بالإضافة إلى تدهور الحياة السياسية، وزيادة حدة الاستبداد والقمع، وتردى الأوضاع الاقتصادية، وزيادة حدة الفجوة بين الطبقات، (ثراء فاحش للطبقة العليا، فقر مدقع للطبقة الدنيا)، وتلاشي الطبقة الوسطى في بادرة خطيرة لم يسبق له مثيل؛ فالطبقة الوسطى دائمًا كانت رمانة الميزان التي تعمل كضابط للمجتمع ما بين الأعلى والادنى، وانحدار أخلاق أبنائها، وتتمحور هذه الكتابات في عدة اتجاهات بحسب خلفية أصحابها، في مجملها تعبر عن اتجاهين رئيسين:

ــ الأول: وهي الفكرة التي تتمحور حول فكرة المؤامرة الغربية، والتي تفيد أن الغرب لن يسمح للدول الإسلامية والعربية أن تتقدم؛ فالغرب يرى ان الإسلام هو الخطر الأول على المدنية الأوروبية، ودعم الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي والإسلامي، وخلق الصراعات السياسية والطائفية، وتشجيع الحركات الانفصالية؛ مما تسبب في تنامى ظاهرة الإرهاب والتطرف وتفتيت الدول القومية إلى كيانات مقسمة ومتصارعة فيما بينها، والسيطرة على ثروات تلك الدول الغنية بالموارد الأولية التي قامت عليها حضارة الغرب الصناعية.

ــ ثانيها: هي رغبة الغرب صاحب الحضارة والتقدم أن يحافظ على موقعه العالمي ونفوذه وبقائه على القمة وإبقاء هذه الدول كسوق مفتوحة لمنتجاته وتوكيلات لمصانعه في إفريقيا والشرق الأوسط، وهذه النظرية أو التوجه الذي دعمه الكثير من الشرق الأقصى، بالإضافة إلى العديد من النظريات العلمية التي تؤيد هذه الفكرة، وأن الدول الرأسمالية مدفوعة دفعًا للبحث عن موارد وتلمس أسواق لتصريف منتجاتها، وهي الفكرة التي أوجزه هتلر في صيحته «التصدير أو الموت».

ــ أما بعض الكتابات المعتدلة التي حاولت نقد الذات العربية، فأرجعت أسباب الفشل إلى العقلية العربية والتراث الذي يكبل كل برامج ومساعي التطور والحداثة، بالإضافة إلى تماسك العرب بالتفسير التراثي للدين الذي يحوى بين نصوصه الإرهاب والتطرف والعصبية، وعدم تقبل الآخر، والخلط بين الحركة الإسلامية، وصحيح الدين، وعجز العقلية العربية عن الانتقال من التحصيل إلى النقد والإبداع والابتكار.

ــ محاولات الإصلاح وحركة التنوير العربية «لا غرور في أن المفكر هو المرآة الصافية التي تعكس واقع مجتمعها بايجابياته وسلبياته من جهة والعين الواعية التي تسعى لتغيير أو تبرير هذا الواقع، بل الطاقة الدافعة التي تعمل على تطويره ودفعه قدمًا إلى الأمام من جهة أخرى». أد. عصمت نصار

ــ لقد شغلت قضايا التنوير والتطور حيزًا كبيرًا بين المفكرين العرب الذين أخذوا على عاتقهم بناء مشروع تنويري يحمل مبادئ إسلامية، وعلى سياق القومية العربية والاستقلال الوطني دون محاكاة لمشروع الغرب في النهضة والتنوير، وهنا لا ننفي مدى التشابه بين المشروعين، بحسب قاعدة «التأثير والتأثر» فالحركة التنويرية العربية بدأت في القرن الثامن عشر، والذى بدأ مع «حسن العطار» و«رفاعة الطهطاوي» و«على مبروك» و«الإمام محمد عبده»… والذين تأثروا بحركة التنوير في أوروبا وبقادتها، أمثال «فولتير» و«ديدرو» و«هولباخ» و«جاك روسو» و«آدم سميث» و«ألكسندر بوب»، والكثير من قادة التنوير في أوروبا، وقد حملوا رسالة إعادة التطوير، والنظر في العديد من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعلى الفكر العربي عمومًا، الذي فيما بعد تأثر بها القرن العشرون تأثرًا كبيرًا.

ــ استطاع قادة الحركة التنويرية في العالم العربي ومصر على وجه الخصوص أن يرسموا الخطوط العريضة لنقل وتطور الثقافة العربية، ومن ذلك موقفهم تجاه بعض القضايا التي كانت تمثل آنذاك جدلًا واسعًا بين الأوساط الفكرية والدينية «قضايا الهوية – وقضايا الوعى والإصلاح – والتراث والتجديد – والحرية والعدالة – والمساواة والتمدن – والتقدم – والسلام العالمي…» كل هذه الأمور التي استطاعوا أن يفصلوا فيها بإسهامات منهجية وعقلية حول سبل تطوير وتقييم الثقافة العربية، وسبل الاقتباس من الثقافة الغربية، وموقف الدين من بعض المذاهب والنزاعات، وكذلك قضايا «الاستقلال – والقومية العربية – والرابطة الإسلامية – والوحدة العربية – والحكومة المدنية – ونظام الخلافة – وحرية الصحافة – والمرأة – وسبل اصلاح التعليم والتربية والأخلاق».

ــ أوجه التشابه والاختلاف: كما ذكرت سابقًا، فإن حركة التنوير الأوروبية بدأت في القرن السادس والسابع عشر، بينما حركة التنوير العربية الحديثة قد بدأت في مطلع القرن التاسع عشر، وعلى الرغم من أوجه التشابه الكبرى بين الحركة العربية ونظيرتها الأوروبية، إلا أنها ليست محاكاة لها، أو نسخًا أو تقليدًا، كما زعم البعض، وإنما أوجه التشابه بين المشروعين من مبدأ تشابه الغايات الإنسانية والطبيعة البشرية والدوافع المتشابهة في طلب الحرية والعدالة والمساواة والسعادة، فقد التقى الفكر العربي وحركة التنوير الأوروبية في أوجه التشابه في مسائل العدالة وإخضاع القوانين والأحكام إلى مرآة العقل، وتلمس طريق حاجات الإنسان أكثر من التنظير.

ــ لفد بدأت أولى إرهاصات التنوير الأوروبي في القرن السادس عشر، وبحسب بعض المؤرخين الذين يرون أن له جذور تمتد إلى عصر أرسطو وأفلاطون، لكن العديد يرى أن القرن السادس هو البداية الحقيقية لعصر النهضة الأوروبية، والتي ظهرت فيه معظم النزعات «العقلانية – الإنسانية – التحرر – العقد الاجتماعي – والموروث الثقافي – السلطة الدينية – والكهنوت …» وفلاسفة التنوير الذين دعوا إلى الحرية والعدالة وسيادة العقل ونقد السلطات التي تحول بين الإنسان وبين الحياة، والتي تجلت في:

ــ الاعتزاز بالهوية الأوروبية وإخضاع كل المعارف الإنسانية إلى النقد العقلاني والاحتكام إلى المنطق العلمي في الحكم على الآراء والعادات والتقاليد، بالإضافة إلى الإيمان بوجود إله واحد مع رفض كل أشكال السلطة والكهنوت والتعاليم المقدسة، وهو ما أطلق عليه فولتير «الدين الطبيعي»، والتأكيد على أن انحراف سلوك الإنسان يرجع إلى فساد مجتمعه، والأخلاق والتربية، وعليه يجب تأسيس الأخلاق على أسس علمية، لا على أسس دينية، وهم بهذا يدحضون الفكرة الأبدية لدى البشر في أن الشيطان هو كمصدر كل الأفعال السيئة في العالم، كما ذهب «هولباخ» إلى أن الأخلاق يجب أن تكون مناسبة مع طبيعة الإنسان، وأن الإنسان الكامل هو الذى لا يخالف طبيعته بكل ما فيها «إذا ما أرادت الأخلاق الإنسانية أن تصبح عالمية، فإنه يتعين عليها أن توافق طبيعة الإنسان، وليس الحيوان، أو الكائنات الروحية المزعومة»، جريني بنتام (1748 – 1832 ) فيلسوف إنجليزي.

ــ أما الكهنوت ورجال الدين الذين ظهر عجزهم أمام عاصفة فلاسفة التنوير، فكانوا يردون على حركة  التنوير ببعض الخطابات الدينية «استريحي أيتها الروح، وخلصي نفسك من القلق، وسجن الشكوك، وتطهري من سلطان الشيطان، فلن تستطيع العلوم هدايتك، ولن تفلح أقوال الفلاسفة في إرشادك، فالإيمان وحده هو القادر على تحقيق سعادتك ونعيمك وبهجتك، فحذار من الصعود إلى الجسر، فالأخطار حليفة المغامرة، والعذاب من نصيب الحمقى».

ــ وقد تأثر قادة الفكر العربي، أمثال: رفاعة الطهطاوي – وقاسم أمين – والإمام محمد عبده – وفارس الشرياق …  وغيرهم ممن تأثروا بهذا المنحنى والعمل من أجل التقدم والارتقاء الحضاري والاهتمام بأحوال الإنسان وأوضاعه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهذا ما اتضح لنا من أوجه التشابه الذي ظهر في الكتابات العربية والمثقفين العرب، أمثال: أحمد لطفي السيد، ومحمد عبده، حيث يقول: أ.د.عصمت نصار «ان الأفكار والقيم التي شكلت الخطاب التنويري في الثقافة العربية، لم تكن غربية أو مستحدثة على بنية الفكر الإسلامي، ولكنها كانت غريبة على العقل الجمعي السائد الذي أعياه الجهل، وقيده التخلف، وزيف وعيه استبداد الساسة، وتقليد الغرباء».

ــ اما الاختلافات والتباين الشديد فهو تجل في أوجه النقد الذى وجه للكتاب المقدس من قبل قادة الفكر والفلاسفة في حركة التنوير الأوروبية وبين النقد الذي وجه للقرآن وصحيح السنة، فالفلاسفة الغربيون استطاعوا أن يهدموا الأسس التي قام عليها الكتاب المقدس، وإنكارهم للمعجزات والكهنوت وميلاد السيد المسيح وموته، أضف إلى ذلك العداء الشديد للكنيسة على عكس الحركة العربية التي كان أغلب مفكريه من الأزهر الشريف، بالإضافة إلى قوة النص القرآني، وضعف الادعاءات التي وجهت له على عكس الكتاب المقدس.

ــ بالإضافة إلى أن الخطاب التنويري في بعض العالم العربي، وخصوصًا في مصر، كان يحظى بتأييد القوى السياسية الحاكمة: «محمد علي وأسرته»؛ الأمر الذي ساعد على تنامى الأفكار، وإمكانية تحقيقها على أرض الواقع، وهو ما تجلى في سلوك محمد علي في الحكم، وتأثره بالحركة التنويرية «التعليم – البعثات – النهضة الصناعية والزراعية …» التي قادها محمد علي، بالإضافة إلى ازدهار «الحياة السياسية – وإقامة مجلس شورى – وهيئة برلمانية – وظهور الصحافة – وتعاليم المرأة…»؛ وذلك إثر الخطابات الإصلاحية لهؤلاء المفكرون.

رؤية مستقبلية

ــ في ظل واقع عربي مخز ومحزن، وفى ظل المآسي والأزمات الفكرية والثقافية التي تنتج صراعًا طائفيًا مروعًا، يموت فيه الأطفال كل يوم تحت الأنقاض، فإن الملاذ الحقيقي والأخير للعرب هو الاحتماء خلف سور الفكر والثقافة المبنية على أسس التنوير والتقدم وغايات الإنسان واحتياجاته وآماله السياسية والاقتصادية والاجتماعية وثقافة مبنية على أسس العدالة والحرية والمساواة؛ لكى تنهض هذه الأمة من نكبتها وعجزها وفقرها المحدق والسبيل الوحيد لها هو إحياء مشروع التنوير العربي وتبنيه وتطبيقه في الواقع الحالي ومعالجته؛ ليتناسب مع تطورات القرن الواحد والعشرين، وفى ظل ثورة التكنولوجيا، والمعلومات التي يعيشها عالمنا والغزو الثقافي، الذي دمر مجتمعاتنا، فساء فهمنا، ومدركاتنا لكل القيم الإنسانية والإخاء والحرية والعدالة، وإنكار الذات والمسئولية المجتمعية تجاه الآخرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المدنية
عرض التعليقات
تحميل المزيد