كَثُرَ الجدل عنه، ويهاجم بشكل عنيف من منظور الأديان السماوية، لكنه فرض نفسه، واتبعه الكثير حول العالم، وبدأ يدخل الدول العربية، وبعض الدول العربية طبقته، وأخرى طبقته لكن في سياق محدود، وغيرها حرمته ومنعته، وغيرها ما زال يحتار فيه، ويحتار في شروط تطبيقه.

إنه الزواج المدني، وأحيانًا يُطلق عليه الزواج العلماني، وهو زواج يتم توثيقه وتسجيله في المحكمة، التي تطبق الدستور والقانون بين شخصين مسجلين في السجلات المدنية لدى الدولة، أو من المقيمين فيها.

ويعتبر أساس هذا الزواج، هو إلغاء الفروقات الدينية، والمذهبية، والعرقية بين طرفي الزواج، فلا مانع من ارتباط الدين الإسلامي بأتباع الدين المسيحي أو اليهودي أو العكس، ويتم بقبول الطرفين؛ الزوج والزوجة، وبحضور الشهود، وكاتب العقد، ويحصل المتزوجون مدنيًا على كامل حقوقهم المدنية والاجتماعية والسياسية والخدمية، ولا يجوز لأحد مخالفة ذلك؛ لأنه يعتبر مخالفة لقانون الدولة التي أتاحت هذا النوع من الزواج.

انتشاره في أوروبا وأمريكا واضح، وغالبًا أصبح هو الشائع في قرار الزواج عند الطرفين، سواء من ذات الديانة أو كان أحد الأطراف من ديانة أخرى، ولكن اختلاف الطائفة المسيحية التي ينتمي إليها كل فرد، فغالبًا يكون الزواج المدني مفصولًا عن الكنيسة؛ لتسهيل الزواج، وتوثيقه في المحكمة، ويكون الطرفان متزوجين أمام الدولة والمجتمع.

أما عن العالم العربي، فقضية الزواج المدني فيه ليست محبذة، وتثير الجدل والشكوك في شرعيتها في الإسلام والمسيحية؛ لأننا في الوطن العربي شعب متدين بطبعه، وأدياننا السماوية هي التي تحكم قراراتنا المصيرية، وتتدخل في شتى شئون حياتنا وكيفية التعامل معها؛ إذن الزواج المدني في منظور الأديان السماوية يخالف شرعيتها، وما هو ممنوع في الأديان السماوية الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلامية، هو مشروع في الزواج المدني؛ إذن من الطبيعي أن نجد كل ذلك الجدل والانتهاكات حول قانون الزواج المدني، والهجوم على كل من تزوجوا على نهجه في الوطن العربي.

الزواج المدني تحكمه كل دولة حسب قوانينها الخاصة، فالزواج المدني في كل دولة عربية له طبيعة مختلفة عن البلد الأخرى؛ من حيث التنفيذ والشروط والأحكام، ففي مصر طبيعة الزواج المدني مرتبطة بالأقباط في مصر؛ إذ أنها تصدر بشكل أساسي عن الأقباط الذين يعانون فيما يخص الطلاق والزواج مرة ثانية، وكانت وزارة العدالة الانتقالية قد وضعت مسودة لمشروع قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين، تضمن فقرة تتعلق بالزواج المدني؛ وهذا ما أثار جدلًا كبيًرا بين الكنائس، توصلت بموجبه إلى إجماع على رفضه، علمًا بأن الكنيسة الإنجيلية لم تعترض عليه في السابق، وترفض الجمعيات والحركات الوصاية التي تمارسها الكنيسة على الأقباط، مصادرة بذلك حريتهم في تقرير مصائرهم، فلقد دعت إحدى الحركات رابطة «صرخة» إلى تفويض الرئيس «عبد الفتاح السيسي» للعمل على وضع قانون مدني للأحوال الشخصية خاص بالأقباط، وإبعادهم عن سطوة الكنيسة، في المقابل اعترضت رابطة «حماة الإيمان» على الزواج المدني، وصرح الناطق باسمها «مينا أسعد» أنه مخالف لتعاليم المسيحية، مؤكدًا على التعديلات التي قدمتها الكنائس لمسودة قانون الأحوال الشخصية للأقباط، والتي حذفت البند المتعلق بالزواج المدني، بالإضافة إلى إنه تم إلغاء تلك اللائحة عام 1938 من قبل «البابا شنودة» التي كانت تضم نحو ثمانية أسباب للطلاق، ولكن رفضت باعتبارها مخالفة لتعاليم الإنجيل، وأن من وضعها هم «العلمانيون» واشترط «البابا شنودة» للتصريح بالزواج الثاني سببين؛ إما في حالة الزنا، أو تغيير الديانة.

أما بالنسبة للمسلمين، فلا يجوز الزواج المدني في مصر للمسلمين؛ لأن القانون المصري ينص على أن الشريعة الإسلامية هي أساس التشريع، والزواج بين المسلمين يتم من خلال المأذون، ويتم تسجيل وثيقة الزواج في الأحوال الشخصية.

ومثلما ذكرت فيما سبق؛ فالزواج المدني يخضع لقانون البلد الذي تم فيه، فإذا كان مصري متزوجًا من أجنبية يطبق الزواج حسب القانون المصري، والقانون المصري يشترط من الزوجة الأجنبية أن تأتي بجواب موافقة من سفارة دولتها في مصر، بالموافقة على إتمام هذا الزواج، أما إذا كان متزوجًا أجنبية في بلدها خارج مصر، في هذه الحالة يتم الزواج مدنيًا، حسب قوانين بلدها.

أما في لبنان؛ فالوضع معقد أكثر؛ بسبب كثرة الطوائف والمذاهب الدينية، وغياب قانون مدني للأحوال الشخصية؛ فالزواج والطلاق بلبنان يحكمه الأديان، والمذاهب الدينية، والطوائف المتعددة التي تبلغ 18 طائفة.

مطالبات اللبنانيين بالزواج المدني وصلت حد المظاهرات بالشارع، أما شروط وأحكام الزواج المدني حسب القانون اللبناني فإنه لا يتم في لبنان، إلا أن الدولة تعترف بالزواج المدني المنعقد في البلاد المجاورة، فمن الممكن أن يتقابل اللبنانيون في مكتب الأحوال الشخصية في قبرص، وهي أشهر مدينة يتم فيها عقود زواج مدنية لبلاد ترفض قانونها الزواج المدني، ولا تعترف به إلا إذا كان في الخارج؛ فلبنان وسوريا والأردن وحتى إسرائيل يرفضون الاعتراف بالزواج المدني على أراضيهم، ولا يوجد قانون يسمح لهم بالزواج المدني على أراضي بلادهم؛ لأن الزواج المدني يكون تحت موافقة قانون الأحوال الشخصية لكل دولة، وفي القانون اللبناني الزواج المدني غير الشرعي (مسلمة مع مسيحي) يتم عبر عقد مدني، ولكن وجودهما معًا يعتبر «مساكنة»، بالإضافة إلا أن المذاهب المسيحية لا تعترف بهذا الزواج، ولا المسلمين يعترفون بهذا الزواج، وفي حالة الخلاف سيلجأ الثنائي إلى المحكمة المدنية، لكنها لا يمكن أن تقول إن ما يجمعهما «زواج».

الاستثناء يرجع إلى تونس، وهي الدولة العربية الوحيدة التي تعترف بالزواج المدني، وأول الدول العربية التي خطت على خطا أوروبا في الزواج، مثلها مثل تركيا وغيرها من الدول الأوروبية، التي فصلت الدين عن القانون والأحوال الشخصية لدى المواطنين، ففي عام 1956 أقر الرئيس «حبيب بورقيبة» إصلاحات في قانون الأحوال الشخصية، الذي نص على منع تعدد الزوجات، ومنع أي صيغة خارج الزواج المدني، وحاولت كثير من الحركات مثل حركة النهضة لإلغاء الزواج المدني، ولكنها فشلت. ويستبعد الدستور التونسي الشريعة الإسلامية من الحكم؛ إذ تنص المادة الثانية على أن تونس دولة مدنية تقوم على المواطنة وإرادة الشعب وعلوية القانون.

وتنص المادة 21 أن «المواطنين والمواطنات متساوون أمام القانون دون التمييز، وحق المرأة الراشدة في تزويج نفسها من دون الحاجة إلى وصي عليها». الجدل في تونس حول الزواج المدني يختلف عن بقية الدول العربية فهو بالطبع قائم، ولكن بعد «الربيع العربي» وتعاظم قوة التيارات الإسلامية، انقسمت الآراء بين من يريد المضي بما هو معمول به من دون المساس به، والرأي الآخر وهو المطالبة بتعدد الزوجات، وأيده البعض؛ إذ أعلنت أول مرشحة منتقبة في تاريخ الانتخابات البرلمانية التونسية عن جبهة الإصلاح التونسي السلفية، «ربيعة السماعي» أنها لا تستطيع تحريم الحلال، وأن مسألة تعدد الزوجات تدخل ضمن قسم المباح، ولكن التحايل على إصلاحات «بورقيبة» في تونس أخذ أبعادًا اجتماعية، وحفظ حقوق المرأة التونسية، وجاء الرد الحكومي حاسمًا، عندما أعلن وزير الشئون الدينية التونسي «منير التليلي» أن لا عودة إلى الوراء، مشددًا على احترام ما ينص عليه قانون الأحوال الشخصية.

الزواج المدني في الجزائر يأخذ شكلًا مختلفًا؛ إذ في الجزائر فالوضع مختلط، فالحقوق المدنية مع الزواج الشرعي؛ فالزواج المدني في الجزائر معترف به، طالما هو شرعي، ولا يخالف الشريعة الإسلامية، فهو ليس مسموحًا فقط، إذا كانت الزوجة مسلمة والزوج مسيحي، ولكن إذا كانا من نفس الملة والدين فلا مانع من الزواج المدني.

ولقد أصدرت وزارة الشئون الدينية والأوقاف الجزائرية قرارًا؛ قضى بتسجيل عقد الزواج المدني قبل العقد الشرعي؛ وذلك للحد من مشكلات الزواج العرفي، ولحفظ حقوق المرأة، فلا مانع للمرأة أن تضع شروطًا تحفظ بها حقوقها في النفقة، وعدم الزواج عليها، أو حرمانها من العمل، فقد عدته جمعية علماء المسلمين الجزائريين أمرًا منكرًا، في حين عده الناشطون في مجال حقوق الإنسان ضمانة لحقوق المرأة؛ ولأن الجزائر كانت متجهة على خطا تونس حتى جاء تعديل عام 2005 للتوفيق بين بعض الطروحات المتباينة.

لماذا كثير من الأزواج يرغبون ويفضلون الزواج المدني عن الزواج الشرعي أو الديني سواء زواج إسلامي أو كنسي أو يهودي، أو من نفس الدين ولكن مع اختلاف المذاهب والطوائف الدينية؟ أولًا يرى البعض أن الزواج الديني يضمن حقوق المرأة فهو لا يسمح للرجل المتزوج بالزواج بثانية، ثانيًا الزواج المدني يساوي بين الزوجين في الإنفاق؛ إذن هو ليس نصيرًا للمرأة فقط، بل هو ينصف الرجل أيضًا في حقوق الإنفاق، أو يجعل النفقة على الزوج بشرط مساعدة المرأة في النفقة، ثالثًا الزواج المدني يعطي حق الطلاق للزوج والزوجة معًا، فالزوجة قادرة على تطليق نفسها، كما أنه جعل الطلاق لأسباب محددة، بينما الطلاق في الإسلام لأي سبب دون تحديد، بالإضافة إنه يسهل الزواج من الأجانب، وأيًّا كان اختلاف الأديان السماوية أو المذاهب الدينية فهو لا يمنع زواج مسلمة سُنّيّة من شيعي، ولا يمنع زواج أرثوذكسية من كاثوليكي والعكس، ولا يمنع زواج مسيحي من يهودية والعكس، ومسلمة ومسيحي، وفي أوروبا الزواج المدني منفتح أكثر؛ حيث المسيحية من الممكن أن تتزوج من ملحد أو بوذي أو هندوسي، أو من الأديان الدنيوية الآسيوية، حتى إنه درج زواج المثليين في أوروبا وأمريكا تحت مسمى الزواج المدني، ولهم كافة الحقوق المدنية والاجتماعية والخدمية، ويعترف به في المجتمعات الأوروبية، وأصبح هو السائد؛ إذ لا يوجد حكم سلبي عليه من المجتمع بالخارج، وعندما أخذت رأي ثنائي مسيحيين مصريين قالوا لي: «إنهم يتمنون أن تعترف الكنيسة بهذا الزواج في مصر، ولكن الكنيسة هي الأساس في مصر». ولكن في حالة اختيار الطرفين لهذا الزواج؛ ينفصلون عن الكنيسة، ولا يشكل مشاكل دينية معهما، هو فقط ليس معترفًا به، والزواج عادة يتبع قوانين الدولة.

وفي مصر إذا تزوج رجل زواجًا كنسيًّا، ثم طلق مدنيًّا، لا يعترف بطلاقه، وما زال في منظور الكنيسة متزوجًا؛ لأن المسيحية ليس فيها طلاق، فهم لديهم إيمان بأن «ما جمعه الرب لا يفرقه إنسان».

وفي لبنان قام عروسان بالزواج المدني، وهما من طائفتين مختلفتين، ولكن من نفس الدين، اضطروا لشطب الطائفة من سجل النفوس، وعلى الثنائي إصدار إخراج قيد فردي وعائلي جديد، يبرز شطب المذهب حتى يتمكنوا من الزواج مدنيًا، ويحدد الزوجان موعد الزفاف لدى كاتب العدل، بعد إصدار وثيقة إعلان زواج من المختار، بعد إتمام الزواج المدني، وفق هذه الطريقة، لصيقة بالحرية الشخصية والاختيار أيضًا للطرفين؛ لذلك الكثير أصبحوا يستسهلون الزواج المدني، والكثير من المصريين سافروا إلى أوروبا، وتزوجوا زواجًا مدنيًّا بأجنبيات بدون عبء تكاليف الزواج المصري والعربي بشكل عام، فالزواج المدني ميسر أيضًا ماديًّا، ولا يحمل عبء تكاليف الزواج العربي، ولا يتبع أعراف وتقاليد الزواج العربي.

يختار العرب غالبًا قبرص؛ لأنها الأقرب والزواج المدني يقتصر فقط على العروسين، وأهل الطرفين، ومن ثَمَّ شهر عسل بسيط وانتهى الأمر، وتعرفت على أكثر من امرأة عربية متزوجة زواجًا مدنيًّا من مصري، أو مصري متزوج أجنبية مدنيًا، وغالبًا زواج المصري من أجنبية تم بالخارج ولكن في حالة السيدات العربيات من دول العربية الشقيقة سواء الإمارات أو المغرب أو سوريا أو لبنان تم الزواج بمصر وحسب قوانين الأحوال الشخصية المصرية، وكثير من مشاهير الوطن العربي تزوجوا مدنيًا مثل الفنانة اللبنانية «كارول سماحة»، وهي تزوجت من مصري مسلم بقبرص بعيدًا عن الأضواء والشهرة، ومن ثم أعلنت زواجها بأحد البرامج العربية، وأقرت أن الزواج المدني مضمون أكثر للمرأة عن الزواج الديني، كما ذكرت في البرنامج.

في النهاية لا إجماع على شيء، وسيبقى الزواج المدني حرية شخصية لدى الطرفين، مَنْ يريد الزواج على نهجه فليسافر خارج حدود بلده، إذا كان لا يسمح قانون بلده بالزواج المدني داخل حدوده، وإذا كان في دولة مثل تونس أو الجزائر فلا يوجد عراقيل تمنعه من الزواج، لديك حرية اختيار البلد التي ستيسر عليك اتخاذ إجراء الزواج المدني بها، وكل المعلومات حول الزواج المدني رصدتها إليكم بمنتهى الشفافية والوضوح والموضوعية بدون أي انحياز ولكم حرية الاختيار.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع
عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!