إن الحديث عن العلاقات المدنية لعسكرية لابد أن يبدأ أولاً فى فهم مركزية العلاقات المدنية العسكرية في استيعاب حدود مرحلة التحول الديمقراطي[1] حالة الثورة المصرية  والملفات المركزية والمآلات.

 

و لا شك أن معالجة العلاقات المدنية العسكرية من الموضوعات المحورية نظراً لطبيعة المنطقة الجيواستراتيجية  واستهدافها من الخارج و ضعف النخب السياسية المحلية و شخصنة العملية السياسية والحزبية ومن ثم تسييس المؤسسة العسكرية منذ الاستقلال و حتى اليوم وتعاظم دورها فى السياسة و الاقتصاد, وهناك علاقة بين قادة هذه الجيوش و الدول التى تقدم لها السلاح و التدريب.

 

و يشير مفهوم الانتقال الديمقراطي (democratic transition)، إلى تحويل السلطة من يد الحكام المطلقين إلى حكومة ديمقراطية منتخبة، أي اجتياز المسافة الفاصلة (threshold) بين أنظمة الحكم غير الديمقراطي وأنظمة الحكم الديمقراطي. وعادة ما يتحقق الانتقال بعد انهيار النظام القديم، وتوافق القوى السياسية على اختيار النظام الديمقراطي الجديد بمؤسساته وإجراءاته وضماناته المتعارف عليها.

 

في هذه الحالة لا يتخلص النظام الديمقراطي الوليد من كل المشكلات التي كانت قائمة قبل الانتقال مثل تجاوزات العلمية الانتخابية، أو انخفاض الوعي السياسي، أو تخلف الوسائل الإعلامية، أو بالطبع نفوذ المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية.

 

لي ذلك عملية التحول الديمقراطي (democratic transformation) – وهي عملية ممتدة بمراحل متعددة تختلف أبعادها من دولة إلى أخرى، وقد تشتمل على عمليات مرتدة تعمل في الاتجاه المعاكس، وتنتهي (في حالة النجاح) إلى حالة جديدة هي ترسيخ قواعد النظام الديمقراطي (democratic consolidation)، بمعنى الحالة التي يمكن معها القول، بقدر كبير من الثقة، أنه لا خطر على النظام الديمقراطي ,  وأثناء عملية التحول الديمقراطي تتصدى القوى السياسية لمعالجة القضايا الشائكة .

 

و تنقسم عملية التحول الديمقراطي الى مرحلتين”الانتقال و التثبيت” , و لابد من وجود حد أدنى للوصول اليه فى مرحلة الانتقال و تحديداً الدستور (من أجل هيكلة قانونية و سياسية للتعديل فى موازين القوى).

 

تشير حالات الانتقال الديمقراطي إلى أن المهمة الأساسية في هذه مرحلة الانتقال، فيما يتصل بالعلاقات المدنية – العسكرية، هي التركيز على إخراج الفئة الحاكمة (الجيش أو الحزب الشمولي الأوحد) من السياسة وتسليم السلطة إلى حكومة مدنية منتخبة.

 

و فى معظم حالات الانتقال الديمقراطي الناجحة، ظهرت تحالفات مدنية قوية ولم ينفرد  فصيل واحد بمعالجة الأمر. أي أن وجود معارضة ديمقراطية حقيقية وتوافقها وتشكيلها لتحالف وطني واسع من القوى الرئيسة في البلاد كان أمراً محوريًا، تحالف يستطيع أن (1) يتفاوض على انتقال السلطة بإجماع وطني واسع، و(2) يكون قادراً على تولي السلطة دون التصادم مع قوى رئيسة أو مع المؤسسة العسكرية أو مع الخارج.

 

وفي الحالات التي فشل فيها الانتقال واستمر الجيش في التأثير، كان السبب الرئيس هو إنقسام النخب والقوى السياسية وعدم وجود اجماع وطني على إخراج الجيش وعدم وجود بديل وطني يعتمد عليه للجيش. فالجيش لا ينسحب إذا كان متأكدًا أن البديل ضعيف وغير قادر على السيطرة في ظل نظام حزبي منقسم وحياة سياسية تسودها الانقسامات السياسية الايديولوجية (حالات بنغلاديش، باكستان، فيجي، بورما، تايلند). كما فشلت حالات انتقال أخرى نظرا لتسييس بعض القوى السياسية للجيش أو عقد اتفاقيات غير معلنة معه على حساب منافسيها. حدث هذا في باكستان وبنغلاديش وتركيا وغيرهما.

 

و هنك عدة أمور لابد من التنبيه عليها:

  • تختلف القضايا ذات الصلة بمعالجة العلاقات المدنية – العسكري باختلاف الأوضاع الخاصة بكل دولة، ومنها:

 

من له الكلمة النهائية في تحديد الأولويات والمصلحة القومية، ميزانية الجيش، ولاية المحاكم العسكرية على العسكريين، شفافية الحصول على المعلومات مع ترتيبات للحفاظ على أسرار الجيش.

 

لكن مع سيطرة الحكومة على المدى الزمني للسرية، وضع النشاطات الأخرى للمؤسسة العسكرية تحت سيطرة المدنيين، عدم تسييس القادة العسكريين، الرقابة المدنية عبر البرلمان على المؤسسة العسكرية، التوازن بين الأمن الداخلي والخارجي ووضع ضوابط لتدخل الجيش في التأمين الداخلي، قرار الحرب، تصديق البرلمان على تعيين كبار قادة الجيش، شؤون الترقية والتعيين والعلاقات الخارجية للجيش في شئون التدريب والتسليح.

 

كما قد تقتضي المعالجة النهائية للعلاقات المدنية-العسكرية أيضا دمقرطة الجيش ذاته، أي نشر ثقافة الديمقراطية داخله وإعادة هيكلة المؤسسة والقيام بعملية إصلاح مؤسسي شاملة داخله.

 

  • لم ينجح قادة التحول الديمقراطي في معالجة هذه المسائل في كل الحالات. ففي دراسة لباحثة أمريكية جاء أن من بين 85 حالة انتقال بين عامي 1974 و1999 فإن هناك 30 حالة أدت إلى ديمقراطية حقيقية مقابل 34 حالة عادت فيها البلاد إلى الحكم المطلق، و21 حالة انتقلت فيها البلاد إلى ديمقراطية شكلية. ومن هنا تأتي أهمية الإدارة الصحيحة والمحسوبة لهذه المرحلة.
  • يؤثر دور الجيش في مرحلة الانتقال وعلاقته بالقوى السياسية في مرحلة ما قبل الانتقال على شكل العلاقات المدنية-العسكرية بعد الانتقال. كما أن التنازلات (الرسمية وغير الرسمية) التي تقدمها القوى السياسية للجيش قبل الانتقال تؤثر بالسلب على قدرتها على التفاوض بعد الانتقال. ففي البرتغال كانت عملية الانتقال في مجملها في يد الجيش ولهذا استغرق الأمر سنوات ولا يزال للجيش بعض المميزات حتى الآن.

 

أما في اليونان وفنزويلا فقد كانت عملية الانتقال في يد المدنيين. ولم يلعب الجيش دورًا كبيرًا في الانتقال في اسبانيا ولهذا انتهى الأمر لصالح المدنيين. وفي دول أخرى لعب الجيش دورًا محوريًا في جميع المراحل كما في تايلند ونيجيريا.

 

  • تتأثر عملية معالجة العلاقات المدنية العسكرية بعدد من العوامل، أولها شرعية وقوة الحكومة المدنية المنتخبة وحجم الدعم الشعبي الذي تمتلكه: هل هي حكومة تتمتع بأغلبية بسيطة أم أنها تتمتع بأغلبية واسعة بالبرلمان؟ وهل تقوم الحكومة بالضغط على الجيش في القضايا المصيرية ذات العلاقة بالجيش أم لا؟ وما درجة التوافق والتحالف بين القوى المدنية حول مسألة إزاحة النفوذ العسكري؟

 

احتاج الأمر، في الأساس، إلى نوع من الشراكة السياسية بين القوى السياسية لمعالجة المسألة والتفاوض مع الجيش حول مستقبل العلاقات المدنية العسكرية. هذا بجانب الطريقة التي تمت بها عملية التفاوض مع الجيش: هل قدمت كل الطلبات مرة واحدة (في الأرجنتين قدم كل شيء مرة واحدة فكانت النتيجة التعثر لفترة طويلة)، أم تم الأمر بشكل تدريجي (كما في حالة اسبانيا والبرازيل)؟

 

وللعامل الخارجي أثره أيضا: هل هناك تهديد خطير للأمن القومي من الخارج؟ هل يرتبط الجيش بعلاقات قوية مع دول أو دول قوية؟ كما إن الرغبة في تحقيق السيطرة المدنية لابد أن تقترن بوجود متخصصين وخبراء مدنيين في الشئون العسكرية والأمنية.

 

  • وتتأثر المهمة بالسلب أيضا إذا لم يتم فتح قنوات للحوار والتفاوض بين المدنيين والعسكريين (هذا في حالة عدم إنقلاب العسكريين على الثورة بثورة مضادة)، وينتشر بالتبعية سوء فهم وعدم ثقة متبادلة. ولهذا ففي معظم الحالات الناجحة كان من الأهمية خلق آليات للتفاعل بين الطرفين ووسائل يتمكن من خلالها المدنيون من معرفة مطالب العسكريين وأبعاد القضايا الإستراتيجية من جهة، ووسائل يمكن للعسكريين من خلالها معرفة أبجديات النظام الديمقراطية ومتطلبات بناء دولة ديمقراطية حديثة ووضع الجيش داخلها وغير ذلك من الأمور ذات الصلة.

 

ويرتبط بما سبق ضرورة بذل كل الجهود الممكنة لبناء جسور من الثقة بين المدنيين والعسكريين لتقوية الديمقراطية. وهنا ظهرت آليات مختلفة منها اشراك العسكريين في مناقشة التشريعات ذات الصلة بالشؤون الأمنية الإستراتيجية، ووضع نظام تدريب وتثقيف ديمقراطي داخل الجيش، والاعتماد على خريجي العلوم السياسية والاجتماعية والاقتصادية في تجنيد ضباط الاحتياط، ومعاملة العسكريين قضائيًا بنفس معاملة المدنيين، والاهتمام بنظام معاشات العسكريين، وغير ذلك.

 

  • فشلت عملية حسم دور الجيش وبقي الجيش في السلطة بشكل مباشر أو غير مباشر (كما حدث في نيوغينيا، باكستان، بورما، أندونيسيا، تركيا)، لأسباب مختلفة أهمها أن الجيش كان على درجة عالية من التنظيم والانسجام مقارنة بالأحزاب القائمة، ووجود درجة عالية من الإنقسام في النظام الحزبي ودرجة عالية من عدم الاستقرار في الحكومات. بجانب خوف الجيش من نقص الميزانية وتقليص حجمه، أو وجود طموحات شخصية لبعض القادة. وشهدت بعض الحالات قيام الجيش بفرض سيطرته على الحياة السياسية من خلال إنشاء أحزاب تابعة له، أو مد سيطرته على المؤسسات المدنية أو على القطاع الاقتصادي.
  • فيما يتصل بدور الجيش في حماية الدستور على وجه الخصوص، تشير حالات الانتقال المختلفة إلى أنه كلما ارتفعت شرعية الحكومات المنتخبة كلما تضاءلت حاجتها وحاجة البلاد إلى استدعاء الجيوش للحفاظ على الشرعية. ومن هنا فتقوية المؤسسات والثقافة الديمقراطية كانت في غاية الأهمية، ولم يتم بشكل عام منح الجيش مكانة مميزة في دساتير الدول التي شهدت انتقالا ناجحا نحو الديمقراطية.

 

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1] يعتقد الكاتب اعتقادا جازما أن الديمقراطية تصادم حاكمية الشريعة و لكن الانتقال من النظام الاستبدادي إلى النظام الديمقراطي هو الإنتقال إلى حالة من الحريات يتيح للحالة الإسلامية مساحة كبيرة من الحركة لتحقيق الأهداف
عرض التعليقات
تحميل المزيد