ليس هناك مجتمع في أي مكان في العالم يتخذ شكلًا واحدًا وعقيدة واحدة واتجاهًا فكريًا أو سياسيًا واحدًا بل إن الاختلاف والتنوع هو الأصل في أي مجتمع بشري منذ بدء الخليقة، التنوع والاختلاف الاجتماعي والثقافي بين البشر من أهم العوامل التي تساعد الأمم على التقدم والتطور وليس العكس بشرط استيعابه وتقبله في ظل وجود نظام حاكم يدير هذا التنوع بشكل يخدم مصالح الجميع ويحقق التقدم والازدهار للمجتمع ككل.

العديد من المجتمعات عانت من مخاطر النزاعات والصراعات الداخلية التي هددت بنيتها الداخلية وتماسكها وكبدتها خسائر بشرية ومادية هائلة، الأمم التي تقبلت حالة الاختلاف والتنوع وأرست مبادئ السِلم الأهلي استطاعت أن تؤسس أوطانًا وشعوبًا قادرة على صناعة حاضرها ومستقبلها بشكل أفضل مما كانت عليه من قبل عندما كانت في صراع مع بعضها بعضًا.

السِلم الأهلي يتحقق بمنع ورفض كل أشكال التصادم بين الأفراد أو المجموعات أو الكيانات المختلفة في المجتمع ويمنع ويجرم مجرد الدعوة إليه أو التحريض عليه أو تبريره.

الصراع المجتمعي هو في حقيقة الأمر صراع اقتصادي يتم تغليفه بشكل أيديولوجي وسياسي ويقوم بإدارته والمحافظة على اشتعاله مجموعة كبيرة من المستفيدين والمنتفعين من استمرار الصراع الاستقطابي بين المجموعات المختلفة، لتكون بيئة خصبة لدوران ماكينات “البيزنس” بأفرعها المختلفة لهؤلاء المستفيدين الذين لو انتهت هذه الحالة الاستقطابية والصراع المستمر.

ولو توقفت ماكينات إدارة الصراع عن الإنتاج لانتهت مصالحهم وخسرت شركاتهم وتدهورت أرصدتهم في “البنك الأهلي” والكارثة الحقيقية لأي مجتمع هي أن تكون المؤسسات الرسمية متورطة في الاستفادة والتربح من هذا الصراع.

أما الجمهور فهو العنصر الرئيسي في الصراع المجتمعي وهو المستهدف الأول والأخير من المستفيدين والسبيل الوحيد لاستمرار الصراع هو شغف وحماس الجماهير وزيادة أعدادهم يومًا بعد يوم ليظل الاستقطاب مستمرًا بل ويتوارثه جيل عن جيل بشكل أكبر وبتطور واضح في الأدوات والوسائل مما يجعل المجتمع ينقسم بشكل كبير بين المجموعات والاتجاهات المتصارعة لتجد نفسك في خلاف وعداوة مع أقرب الناس إليك.

كثير منا يعتبر التصادم أمرًا حتميًا بسبب الاختلاف سواء كان أيديولوجيًا أو سياسيًا أو فكريًا، لكن العكس صحيح تمامًا لأن الاختلافات لابد أن يتم إدارتها بشكل يحافظ على حقوق الجميع بصرف النظر عن عددهم أو موقعهم من السلطة وإرساء مبادئ وقيم السِلم الأهلي هو الطريق الذي يقضي على نزعات التصادم والصراع ويؤكد على أن الحق في الاختلاف هو مبدأ أساسي في المجتمع ويرسخ لنبذ العنف والإكراه المادي أو المعنوي ويرسي قواعد القبول بالتنوع والتعامل السلمي والحضاري مع المختلفين.

نحتاج جميعًا إلى وطن يحتوي الجميع وتعلو فيه روح التسامح والتعايش وقبول الآخر على نزعة الصدام والإقصاء والعنف وأن ندير اختلافاتنا السياسية والفكرية لكي نخلق مجتمعًا قويًا موحدًا يصمد في وجه التحديات الداخلية والخارجية.

 

وعلى الجمهور العريض أن يعي تمامًا حدود الاختلاف ولا يستجيب لمروجي الصراع ومحفزي الاستقطاب وأن يؤمن بحتمية الاختلاف والتنوع في أي مجتمع، فإن أصابع اليد الواحدة برغم اختلافها الواضح إلا أنها تتعاون معًا في منتهى المهارة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد