يعتبر المجتمع المدني مكونًا أساسيًّا من مكونات المجتعات الحرة، التي تسعى دومًا للترقي والتحضر، وتشكل حجر الزاوية في التكافل الاجتماعي ضد أي استبداد أو حيف قد يؤثر سلبًا في تماسك المجتمع، وترابطه.

إن إهمال أي حكومة أو تعسفها في القيام بدورها الوظيفي لا يعفي الشعب من المبادرة للإصلاح، عبر مؤسسات المجتمع المدني، كالأحزاب السياسية، والمنظمات الحقوقية، والمبادرة لا تكون نقدًا جدليًّا أو اعتراضًا على صفحات الجرائد فقط، مع أهمية ذلك في كبح جماح الاستبداد، ولكن تكون أيضًا بتقليل أثر الفساد، ورقع الثقوب التي خلفها الظلم في نسيج المجتمع.

في الحالة العربية بشكل عام، قامت بعض المنظمات المدنية والحركات المجتمعية بمجهود لا بأس به في سبيل مساعدة الطبقات الفقيرة، كالدعم الاجتماعي والصحي، ولكن ما زال لديها الكثير لتفعله في ظل كفاحها لمستقبل جيد.

فلنفترض مثلًا أن هناك إزالة لمنطقة سكنية يقطنها بعض المعوزين والفقراء في ضواحي بعض المدن، وتضررت من ذلك عائلات كثيرة؛ بل وتم حدوث أضرار جسيمة لبعض السكان. في هذه الحالة يتوقع من منظمات المجتمع المدني الراشد أن تتحرك نحو جهتين:

الأولى: مكان الكارثة للتخفيف على السكان بالدعم وتوثيق الحدث لنشره للعامة. والجهة الثانية: قاعات المحاكم لسلوك الطريق القانوني ضد الأجهزة الرسمية.

تكرر المثال أعلاه في عدد من عواصم ومدن الدول العربية كالقاهرة والخرطوم مثلًا، وقامت المنظمات المدنية ببعض المجهود، ولكن كان ينقصه التكامل في التغطية الإعلامية، والتنسيق في الملاحقة القانونية للجهات الرسمية، حتى وإن لم يسفر ذلك عن شيء ملموس، فالضجيج يخيف الظالم أكثر من السكوت، إضافة لذلك ومع توفر وسائل الإعلام البديل، فإن التوثيق للحدث وتغطيته تساهم بشكل فعال في منع تكرار مثل هذه الحوادث.

وبذلك يكون المجتمع قد صار إيجابيًّا من ناحية تقديم الفعل على القول، وتأسيس ثقافة متمدنة بدلًا عن التنظير الجدلي والتعليقات المليئة بالغضب في فضاء الصفحات الاجتماعية، وأيضًا يصبح الشعب متحضرًا في سلوكه للطرق المدنية لحل النزاعات مع السلطة، وسلوك ذلك الطريق قد يبدو طويلًا. ولكن في تقديري أنه أسلم الطرق لتفادي الأزمات التي عانت منها بعض دول المنطقة نتيجة لانسداد الأفق في عصر الفوضى الخلاقة، كما يحلو لبعض الدوائر الغربية تسميتها.

إن حركات الاحتجاج المدنية الرشيدة تعرف كيف تدير الصراع السياسي بدون أن تفقد الوطن، وتعرف تمامًا كيف تختار الوسيلة المناسبة في الوقت المناسب، وتتجنب العنف جملة وتفصيلًا، وتستنفذ كافة فرص الحرية المتاحة في كفاح سلمي تتراص حوله غالب الطوائف والجماعات الوطنية التي تعيش في ظل الوطن.

الطريق إلى دولة راشدة لا بد أن يكون عن طريق مجتمع ناضج، يعرف كيف يطالب بحقه بالإحسان، وتتكافل أطرافه لسد الخلل، ودون ذلك إن حدث تغيير ثوري فسيكون ناقصًا أو مشوهًا، وقد يرتد لحال أشد سوءًا من ذي قبل، والحالة العربية في غالبها تمثل إنموذجًا لبعض العيوب في حركة المجتمع المدني.

قد يعترض البعض بأن ليس من حقنا انتقاد الفاعلين في المجتمع المدني لجهة أنهم يقدمون الفعل رغم الأخطاء التي تصاحبه، ولأن ذلك قد يساهم في تفتيت عضد الناشطين، وفي تقديرنا أن حركة المجتمعات تحتاج دومًا لبذل النصح من كافة الأطراف: فاعلة كانت أم شاهدة، من أجل تصويب المسيرة نحو مستقبل نتمنى جميعًا أن يكون مشرقًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد