كأني لا أُجيدُ إلاّ هذه الكتابة الرديئة التي تخوّن التاريخ وتتعالى على درجة تفكير الرعية.

وكأنّ التاريخ أصابهُ شيءٌ من عدوى التكرار وأزمة الاستنساخ العميقة التي كرّستها الديمومة، وعمّق مجراها أُناس اعتادوا العيش على هامش إنسانية الإنسان، واستصاغوا لقبَ الرعية الصالحة لدى صُنّاع القرار.

الكلُّ جاهزٌ للتحدي، الإصرار، العزيمةُ، شبحُ التغيير، إلى آخر الصفِ أُمةٌ تعاني أضرار تشارنوبيل الألفية الثانية، ليس الحادث النووي الأوكراني، بل تشارنوبيل، الذي أعنيه هو مخطّط القضاء على هاجس الوجود، وتغييب الإرادة الفردية واندثار ثقافة الوعي المشترك، ليست العلوم، ولا السياسة، ولا الساسة، ولا أُمناء المصارف من أوصدوا باب المجازفة والمجاوزة في التفكير، بل اقتناع الرعية والرضاء، ومفهوم الظروف الملعونة، والمحاججةُ به من حدّد درجة وعي الرعية التي لم ترتق لصفة الشعب أَنّ الشعوب قادرةٌ على تقرير مصيرها.

الفطرةُ و الديمومةُ والأعرافُ، وكلُّ هاته الحواجز جعلتها الرعية المهزومة تِعلّةً لسكوتها، وركونها في زاوية حجب الإنسانية، الفاعليةُ يا سادة، الوعيُ المشترك وعلم الاجتماع الذي آمن به ابن خلدون، جعل منهُ صمبةً تحومُ حولها عصافير لافيني، وتمسي حذوها قصص المراهقة، وتسكن إليها ليلًا الأجسادُ المخمورة الوافدة من نهج مرسيليا، الشابي الرمز وإرادة الحياة، ها هو قابعٌ في إحدى بقاع الجريد، تراهم يأخذون لبعضهم صورًا، (تميم البرغوثي، القدس)، ليس المهم أن تكون ملمًا بما قاله الشابي، بل الأهم أن تكون الصورة نموذجية مع إحداث لمسات الكاندي المخادعة لإضفاء لمسة جمالية هي في الحقيقة مفقودة بفقدان قيمة الشابي، وارتباطه بلوحة مُعلّقة في إحدى جُبيلات الجريد هذا ليس إلا انقلابًا على معنى الوجودية، وتكريسًا لمبدأ نسيان الذات والتعدي على الذاكرة الشعبية التي صارت شعارًا للتفاهة باختزالها في عرض السطمبالي الركيك، وكساء الفتاة كسوة العروس التقليدية.

بربرية شنني والدويرات، وقصّة الفرش ومدينة دقيانوس وأصول أركايوس وزينوزور، وأصل توسّع الجليدات في شرق الجنوب، و ما هي ورغمة؟ كلُّ هاته الأسئلة تراودني، لم أجد أصلًا حقيقة وجودي، ولم أعرف بعدُ أصول انتمائي، قلّة المراجع وتضاربُ الأقاويل والروايات، كلُ ما أعرفهُ اليوم عن وجودي ووجوديتي أنّي أنتسبُ إلى أُمّة الشكليات الخاوية، لم أسمع قطُ عن أحداث 1958 في شهر مايو (أيار) من يومه الخامس والعشرين، معركة رمادة الخالدة التي أُريدَ بها الاستقلال الحقيقي للبلاد، قيل لي يومها فقدت هذه الأرض المصباح القائد، وقصفت رمادة المناضلة بوابل الطائرات الحربية الفرنسية، وتفقدُ رمادة الثكلى في نفس اليوم الأستاذ النبهاني وأسرتهُ عزّلًا.

يقول قائلٌ: بنّور والغندور والجيلاني ومصباح من يڤدر يعدي واده، وعبد اللطيف معاه سي النبهاني بلا ذنب ماتت عيلته وأولاده، رمادة المكسورة عاقبتها سيرة نضالاتها، اليوم رمادة تعاني خبائث وشرور شخوص دولة الاستقلال، ويلٌ لكل من يرفعُ من درجة تفكيره، ويحاول كسر حاجز الصمت، ليستمرّ التاريخ المفقود الذي غُيّبَ فيه الناصر المدني، والمڤطوف البكاي، وطلبة العلم وملاحمة جبل أڤري، تطاوين العربية البربرية والقلب النابض للصحراء، لم أعرفها إلاّ رمزًا للمحشي والفلكلور، هذا هو نصيبها من التاريخ، بعد ستين عامًا من التغييب هل بقيت قناديلنا مسرجة؟ ليس من محض الصدفة إنه مفعول الجينات المنتفضة منذُ ما يزيدُ عن ستة عقودٍ، من المستفيد فعلًا من التحكم في درجة وعي الشعوب وتغيب هذه الحلقات التاريخية الحاسمة في بناء تونس الجديدة؟ لولا أني لم أكن مهتمًا بهذه الحقبة الغامضة لأدمنت الترامادول؛ علّني أنسى خذلان وطن مكسور.
و يمضي التاريخ الذي حُجب عن النّاس وأُريد به النسيانُ ونكرانُ حقّ بوّابة الصحراء وكنفدرالية ورغمة في بناء تاريخ الدولة الوطنية. لم يكن نصيبُ الواحة المنبثقة من قلب الصحراء كما وصفها بيرفانكيار سنة 1910، إلاّ الإقصاء عن دائرة البناء.
توقّف عمران المدينة وانتهى البناء وكأنّ المدينة السبّاقة بالحضارة استسلمت لواقع الحرمان والبقاء على هامش الأحداث.
ستنتهي بفعل الزمان والمكان والأجيال قصّة كنفدرالية ورغمّة وأبطال جبل أقري، وينتهي الناس في قريتي عن ذكر باك الناصر وتنتهي تأملاتُ الصبي الذي أراد كتابة نموذجية لحقبة المجد الأبدي.

لن ينادي الصغيرُ من جديد: يا أهل البلاد الكرام عودوا إلى تاريخكم، وليأتي كلُّ واحد منكم بحجارة كريمة في جرابه وفي كوزه بعض من الماء الزُلال، وواصلوا البناء، لا تقفوا أينما وقف الأجداد؛ فالمدنيةُ غدّارة، شيّدوا؛ فالصحراءُ على الأبواب وهي لا تحبُ من يستكين إلى الغبار.

أيها العالم البريء من كل ما حملته بشريتنا من فهم مغلوطٍ لواقع الحياة ومغزى خلافة الأرض وعمارتها، لست وحدك ضحية الهمجية والفوضى، أنا أيضًا شريكك في همّك الأزلي، أنا ذلك النرجسيُ الذي ولد مُحبًا للأرض عاشقًا لتفاصيل عفوية البريّة، والذي كان يطلُ عليك من بعيدٍ ينشدُ أخبارك قبل أن يحوّل وجهتهُ نحن في الواقع نتشابهُ سلبيون بطبعنا، كانت الطيور في هذا الوقت من كل سنة تشدُ الرحال نحو أرضنا شمسٌ حنونٌ وكساءٌ شوكيٌ ورائحة الإكليل تفوح بعبقٍ يكسبُ المكان رونقًا خاصًا، عرجت بك الأيام لتكون فريسة سهلةً لدى صُنّاع القرار.
فردّ الوطن بصوت مرتعش: لعَمري يا كادحًا أنت مهزوم لا محالة، فقوّة التيّار قادرة على أن تضيع سفينة القبطان دربها، النجمة القطبية لم تلح منذ مدّة وأجهزة الرصد تلهم القبطان طريق الامتثال ورموز الخريطة ملعونةٌ بطبعها الكلُ مهزومٌ هنا.
لأختم أنا وفي نفسي شيء لا يمكن تفسيره يخلط بين الحسرة و الاحتقار: مسكينٌ ذلك الضميرُ الشغوف والحالمُ منذ التقيتهُ ذات يومٍ شتوي في أواخر ديسمبر من سنة ست وتسعين وتسعُ مئةٍ وألف، كان بعفويته رمزًا للسذاجة، وها هو اليوم يلقي الدروس ويمارس طلاسم فلسفة الحلم الذي يدعيهِ دعاني منذ أن اعتنق مرحلة تعليمه العالي إلى الانتصار لقضايا الأمة والنهوض بالمجموعة، وهذا تأثرًا بما درسه في مدرسة الأحلام غير المعقولة، دعاني إلى السفر بعيدًا عن هنا ومواصلة رسالة البحث عن واقع أجمل، أصغيت إليه وأعجبت ببلاغته وتحمست لخطبه الشعباوية وبعد زمن وجيز ها أنا أتلذذ احتقارهُ لأنه زيّف بطموحه بساطتي وغيّر بعمقه سطحيتي وشيطن من حولي أُناسًا يقودون سياسة موطني، ليس سهلًا أن تتنكّر للضمير، أنا فقط أحاول الهروب من وجهة نظره العميقة وحكمته المفرَطة وأفر إلى جاهلية كبّلت غايةً في نفسي.
——————————————–

صمبة : التمثال بالعامّة التونسية

لافيني : تسمية فرنسية لشارع الحبيب بورقيبة

الكاندي : برنامج لتحرير الصور

السطمبالي : عرض تقليدي

الفرش، الدويرات، دقيانوس : قرى جبلية جنوب تونس

أركايوس، زينوزور: تسمية محلية لديناصورات

ورغمة، الجليدات: قبائل بالجنوب التونسي

رماده : مدينة قريبة من الحدود الليبية

الناصر المدني، المقطوف البكاي، بنور الغندور، الجيلاني، المصباح الجربوع: قادة ردع للاحتلال الفرنسي بجبال أقري

بيرفانكيار : جغرافي فرنسي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد