مؤسسات المجتمع المدني هي تكتل مجموعة من النقابات العمالية والوظيفية، لجان مقاومة سياسية

إنَّ المجتمع مجموعة من الناس اجتمعوا في بقعة جغرافية معينة، تجمعهم قيم وتطلعات مستقبلية وأهداف مشتركة، تجعلهم يصنعون تعايشًا سلميًّا بعضهم مع بعض. هذا المجتمع التعايشي شرطه الأساسي ليستمر في الوجود مستقبليًّا هو الحماية والمحافظة على التنوعية. ونعني بالتنوعية تنوعية الأديان، والثقافات، والعقائد، واللغات، والقبائل، والأعراق التي نشأت في هذا المجتمع أثناء تكوينه، فعلًّم المفكرون فيه الناس أهمية التنوعية في المجتمع، وسن المشرعون السياسيون قوانين تحمي التنوعية في المجتمع، وراقبت مؤسسات المجتمع المدني وتابعت أجهزة الدولة نيابة عن الناس؛ من أجل صناعة تعايش سلمي مشترك لهؤلاء الناس، يكون فيه السلام هو العنوان النهائي. ونشير إلى أن التنوعية لا تنبض في مجتمع ما، إلا من خلال حماية الحريات والحقوق العامة (الفردية والجماعية) وصونها بواسطة المفكرين ومشرعي القوانين، ومنفذي القوانين، ومراقبة مؤسسات المجتمع المدني. لماذا؟ لأنه إذا انتهكت حرية التعبير لمواطن مثلًا، سيجعله هذا متبعًا لآراء الآخرين، ويتنازل عن إرادته المستقلة؛ فيتزايد عدد المتبعين في المجتمع الذين سيكونون مثل قطيع الغنم، أينما تطلقهم ذهبوا، وبالتالي يجعل رأي فئة واحدة يسود على الباقين، ما يقود إلى محو تنوعية الفكر.

ما يعني: «إذا انتهكت الحريات والحقوق العامة الفردية والجماعية للناس، سيقود هذا إلى محو التنوعية في المجتمع، وبالتالي سيكون جميع الناس ذوي ثقافة وسلوك جماعي، وطريقة كلام، وطريقة فهم، ورأي واحد، لا يختلفون بعضهم عن بعض في شيء، سوى اللون والشكل الخارجي، وبالتالي يختفي الإبداع، وهذا ينتج مجتمعًا بهيميًّا حيوانيًّا يكون هناك قطيع وسيد يسودهم بالريموت كنترول». هذا فيما يخص المجتمع والتنوعية والتعايش السلمي. فما الذي يجب فعله للمحافظة على التنوعية، والحريات، والحقوق العامة في المجتمع؟

من خلال هذه المقدمة، نقول إنه إذا أردنا المحافظة على التنوعية، والحريات، والحقوق العامة، فيجب أن يتحول المجتمع إلى مؤسسات فاعلة شفافة ومستقلة، على ألا تمحو هذه المؤسسات فردانية الإنسان وتجعله يتنازل عن تفكيره المستقل، النقد الفكري وإرادته الذاتية، فيصبح فردًا في قطيع من الغنم تتحكم فيهم المؤسسات بالريموت كنترول. هذا المجتمع بعد أن يتحول إلى مؤسسات في عملية (مأسسة/ مؤسسية)، يجب أن تعمل هذه المؤسسات في مجالات الحياة الإنسانية الأساسية التي تخص واقع الشؤون العامة للمواطنين، مثل (الجانب الصحي، البيئي، النفسي، الاقتصادي، السياسي، الاجتماعي، الثقافي، الفكري، التعليمي، الخدمة العامة، التطوعي، العلاقاتي، الهندسي، المالي النقدي… إلخ)، هذه المؤسسات تسمى بمؤسسات المجتمع المدني. مؤسسات المجتمع المدني لها دور أساسي في دورة حياة المجتمع، بكونها مؤسسة فاعلة في حياة الناس اليومية. وهذا يقودنا إلى التعرض قليلًا لمعرفة ما هي مؤسسات المجتمع المدني؟

ما طبيعة مؤسسات المجتمع المدني؟

مؤسسات المجتمع المدني هي تكتل مجموعة من النقابات العمالية والوظيفية، لجان مقاومة سياسية، لجان حقوق الإنسان، وجمعيات الدفاع عن حقوق وحريات المواطنة العامة، منظمات تطوعية اجتماعية وعامة، جمعيات حقوقية، حميعات فكرية وفنية وغيرها، تجتمع بعضها مع بعض لتشكل مؤسسات المجتمع المدني في دولة ما. النقطة الأولى هي أن هذه المؤسسات مؤسسات مجتمع مدني في الأساس؛ بمعنى أنها تخطط وتفكر وتناضل من أجل حماية الحقوق والحريات العامة للمواطنين، وتكشف الألاعيب السياسية والمصلحية التي يحيكها السياسيون وحيتان رجال الأعمال والمتنفذون في مؤسسات الدولة ضد المواطنين؛ ليتحكموا فيهم فكريًّا، أو يتملكوا موارد الدولة لأنفسهم، فبقيام مؤسسات المجتمع المدني بهذا الدور يستطيع المواطنون معرفة الحقائق التي تدور في أنظمة الحكم والسلطة في الكواليس؛ ليتحمل المواطنون مسؤولياتهم تجاه هذه الحقائق، ليصدروا أفعالاً جماعية. من هنا نفهم أن هذه المؤسسات تمثل، نيابة عن المواطنين، حقوقهم وحرياتهم، والمطالبة بالدفاع عن القوانين الدستورية من أي انتهاك لها من قبل المؤسسة السياسية الحاكمة وزبانيتها، أو أي جهة أخرى ذات صلة (أحزاب سياسية، مؤسسات عسكرية نظامية، مؤسسات خدمية وتجارية، حركات مسلحة، قوى إقليمية ودولية مصلحية).

النقطة الثانية هي أن هذه المؤسسات ملك للمجتمع (أي للمواطنين)، وليست ملكًا للمؤسسة السياسية الحاكمة أو الأحزاب السياسية، التي تسعى إلى كرسي الحكم والسلطة، وينتطرون اقتراب الانتخابات بفارغ الصبر؛ لكي يحكموا ويسوسوا الناس كسبًا للسلطة والهيمنة. وهذا يعني أن هذه المؤسسات يجب أن تكون مستقلة تمامًا عن المؤسسات الأخرى؛ لأنها تدافع عن تطلعات المواطنين ومصالحهم أمام الحكومة والمؤسسات الأخرى؛ لهذا يجب ألا يجري التدخل في لوائحها، أو أنشطتها، أو سياساتها الداخلية من قبل أي جهة خارج إطار لجانها الداخلية الأساسية. وهذا يقودنا إلى التعريج قليلًا لتناول تاريخ مؤسسات المجتمع المدني في الدول ذات الأغلبية المسلمة.

إن تاريخ مؤسسات المجتمع المدني في الدول ذات أغلبية المسلمة مليء بالسقطات والنكسات، التي أثرت بصورة كبيرة جدًّا في فعالية هذه المؤسسات وشفافيتها ومهنية مؤسساتها. فلقد نشأت هذه المؤسسات في بيئة سياسية لأنظمة حكم وسلطة ديكتاتورية. هذه الأنظمة صادرت أغلبية حقوق هذه المؤسسات وحرياتها وإرادتها؛ لتجعلها مؤسسات تابعة للنظام الديكتاتوري وحاشيته، بواسطة التدخل المباشر في تكوين هيكلها التنظيمي؛ لتتحكم في أنشطتها اليومية، أو التاثير في صياغة أهدافها الاستراتيجية؛ لتقلص من تأثيرها ودورها في تغيير الواقع العام، أو تخصخصها بتحويلها لمؤسسات حكومية مملوكة وتابعة للنظام السياسي وحاشيته؛ لكي تلغي دورها تمامًا، أو تستعمل استراتيجية الترغيب مع أعضاء هذه المؤسسات (بتقديم الرشا لشراء ذمم أعضاء هذه المؤسسات)، أو استراتيجية الترهيب مع أعضاء هذه المؤسسات (باستعمال القبضة الأمنية، بالاعتقال، والقتل، والاختطاف، والتعذيب، والتهديد لأعضاء هذه المؤسسات).

كل هذا جعل تأثير مؤسسات المجتمع المدني ضعيفًا جدًّا، سواء في النضال ضد أنظمة الحكم والسلطة الديكتاتورية الحالية، أو في تأسيس نظام حكم وسلطة ديمقراطي رشيد، في حال حدوث انتفاضة شعبية اقتلعت النظام الديكتاتوري الحاكم سنين عددًا.

هذه الأنظمة الديكتاتورية السياسية تختلف بعضها عن بعض فقط في الشعارات والخطابات، ولكنها جميعها تتفق حول قيمة الديكتاتورية على شعوبها وعلى جميع مؤسسات المجتمع المدني، مثل أنظمة الحكم والسلطة الديكتاتورية الموجودة حاليًا في الدول ذات الأغلبية المسلمة (نظام ملكي إسلامي ديكتاتوري، نظام جمهوري علماني ديكتاتوري، نظام جمهوري عسكري ديكتاتوري). لهذا من الواجب على المفكرين، والمشرعين، والمناضلين، أن يعيدوا النظر في فلسفة هذه المؤسسات واستراتيجيتها، وآلية عملها؛ لكي تكون مستقلة عن باقي المؤسسات والحركات المسلحة، والأحزاب السياسية، والقوات النظامية، وتأثير رجال الأعمال، وتأثير القوى الإقليمية والدولية؛ لكي تستطيع أن تعمل بشفافية ومهنية وفعالية أكثر في طريق المساهمة في تحقيق مصالح المواطنين العامة.

ما أهم خصائص مؤسسات المجتمع المدني؟

هذه المؤسسات يجب أن يتوفر فيها عدد من الخصائص، التي ستزيد معدل مساهمتها في تأسيس نظام حكم وسلطة ديمقراطي:

1. الاستقلالية السياسية؛ بمعنى عدم ترشيح أي عضو من أعضائها لأي منصب حكومي عام، سواء كان منصبًا تنفيذيًّا، أم سياديًّا، أم تشريعيًّا، أم عسكريًّا، (ورفض الترشيح لهذه المناصب)، وعدم تكوين أو التحول لحزب سياسي في المستقبل القريب أو البعيد. أيضًا عدم تقديم دعم مطلق غير مشروط لأي عضو من أعضاء الحكومة التنفيذية، أو السيادية، أو التشريعية، إلا إذا كانت ممارسات العضو وسياساته تصب في المصلحة العامة للمواطنين.

2. الاستقلالية القيادية؛ بمعنى أن يكون جميع أعضاء البنية القيادية لمؤسسات المجتمع المدني مستقلين سياسيًّا، ولا ينتمون لحزب سياسي (يميني أو يساري)؛ حتى تكون قيادة المؤسسة خالية من أي أجندات لأحزاب سياسية تريد استعمال مؤسسة المجتمع المدني أداة أو واجهة لتحقيق أهداف سياسية مصلحية مثل (تجنيد الشباب في حزب سياسي معين، الترويج لبرنامجهم وشعاراتهم، الحصول على نفوذ) وهذا ما يسمى باستراتيجية «الواجهات المتعددة» في الفكر السياسي التكتيكي، والتي تستعملها الأحزاب السياسية بوضع مؤسسات المجتمع المدني وعدة مثقفين وشخصيات عامة مؤثرة واجهات خارجية، وأدوات لتمرير أجندة سياسية محددة، تخدم الأحزاب السياسية، ولا تخدم مصلحة المواطنين العامة، وهذا يحدث في حالة تكون فيها قيادات مؤسسات المجتمع المدني والشخصيات العامة والمثفقفون في حالة تغييب كامل لوعيهم الإدراكي وعقلهم. وهذا يتطلب أن تكون معايير الانتخاب والترشيح لقيادة مؤسسات المجتمع المدني خاضعة لهذا المعيار (الاستقلال القيادي السياسي). أضف إلى هذا أنه يجب أن يكون حق العضوية والترشح مفتوحًا لجميع السودانيين على السواء للمناصب القيادية لهذه المؤسسات.

3. الاستقلالية المالية؛ بمعنى أن تكون ميزانيات مؤسسات المجتمع المدني مخصصة من قبل البنك المركزي للدولة، بعد اعتمادها من قبل لجنة مختصة يمكن تسميتها بـ«لجنة إعداد الميزانيات داخل مفوضية مؤسسات المجتمع المدني الحكومية»، ثم يصدق عليها البنك المركزي ميزانية مالية لتمويل أنشطة هذه المؤسسات؛ لتكون مستقلة ماليًّا؛ حتى لا يبتزها أي حزب سياسي أو مؤسسة تجارية خدمية، مثل رجال الأعمال، أو مؤسسات عسكرية نظامية، أو قوى إقليمية ودولية، لكي يمارسوا الوصاية على قراراتها، وأجندتها، وأهدافها، وخط سيرها.

4. الاستقلالية الفكرية؛ بمعنى دراسة واقع المجتمع الحالي (سياسيًّا، اقتصاديًّا، اجتماعيًّا، دينيًّا… إلخ) بموضوعية بواسطة لجنة تقصي للحقائق، تجمع وتحلل جميع سياسيات وممارسات وخطط وبرامج عمل الحكومة وهياكلها، ثم تكشف الحقائق التي توصلت إليها للمواطنين. وهذا يعني عدم الاعتماد على التقارير والبيانات الرسمية التي تصدرها الأحزاب السياسية أو الحكومة فقط، بل الذهاب أبعد من هذا بدراسة الواقع الحالي؛ لتحديد نقاط الضعف والمشاكل الكبرى، والألاعيب في نظام الحكم والسلطة السياسي؛ من أجل كشفها للمواطنين. ثم بعد ذلك وضع خطة استراتيجية شاملة تعليمية بطريقة علمية، وبرنامج عمل تشغيلي أسبوعي لرفع الوعي الإدراكي للمواطنين بالشؤون العامة لمجتمعهم (سياسيًّا، اقتصاديًّا، اجتماعيًّا، دينيًّا، وصحيًّا، وقانونيًّا، ودستوريًّا، وماليًّا… إلخ).

وهذا ما يجب أن تعيد النظر فيه جميع مؤسسات المجتمع المدني والحكومات في الدول ذات الأغلبية المسلمة بصورة عامة، وفي السودان خاصةً، في ظل ظروف التغيير التحولي في نظام الحكم والسلطة السياسية، بعد الانتفاضة الثورية التي أطاحت النظام الديكتاتوري الفاسد مثل (تجمع المهنيين السودانيين، النقابات العمالية والوظيفية، لجان مقاومة سياسية، لجان حقوق الإنسان وجمعيات الدفاع عن حقوق وحريات المواطنة العامة، منظمات تطوعية اجتماعية وعامة، جمعيات حقوقية، جميعات فكرية وفنية، النوادي الثقافية والفكرية، لجان طبية مجتمعية). 

والله تعالى أعلى وأعلم وأحكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد