خرجت الحالة السورية في ثنائية السياسة والأمن من جهة، وشعب ثائر ونظام مستبد من جهة أخرى من البيئة الوطنية الداخلية، إلى بيئة إقليمية، وصولاً إلى مستويات دولية عليا جعلت الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا تتحولان إلى فاعلين مهندسين لا يمكن تخيل – في الوقت الراهن- أي حل دون حصول توافق بينهما، أو تنازل طرف لصالح الآخر، إذ إنه، لا شك أن حل الاحتراب، والعودة إلى الأمن المستقر لا يملكه طرف واحد وإنما انخرط فيه العديد من الفاعلين إراديًا أو لا إراديًا، من دول، ومن جماعات، ضمن شبكة شديدة التعقيد من الولاءات، والالتزامات، وأموال الحرب، والارتزاق وغير ذلك مما تنتجه الحروب الوكالية الداخلية من تعفن، ومن غياب واضح لمعالم القضية العادلة التي تتشوه بسبب عامل الزمن وإرهاق الجماعات المسلحة وأمراء الحرب على أرض الواقع
.
كانت تبدو القضية السورية أكثر عدالة، وأحقية سنة 2011، أي أيام خروج تلك الجموع غير المسيسة في مناطق سوريا، ثائرة على واقع سوسيو-اجتماعي غاية في الصعوبة والشدة، عمقت من الشعور الجمعي بعدم الرضا، قد تتلخص هذه الدوافع التي دفعت المواطن السوري البسيط للخروج من الاستقرار المظلم إلى الثورة السورية العظيمة، في البطالة، مستوى عال من التضخم، الفساد، غياب الحريات السياسية، وقوات الأمن القمعية، وسيطرة حزب البعث الذي تحول من حزب إلى جهاز بيروقراطي التهم الدولة، ومؤسساتها وحولها إلى مؤسسة عائلية نخبوية تنفصل عن الشعب وتغربه عنها، تحولت هذه الحالة الثورية العذراء، التي لا يشك في عذريتها وعدالتها وشرعيتها، رغم المشككين وأصحاب المؤامرات، إلى حرب طاحنة لا تميز آلة القتل فيها بين ثائر، وإرهابي.

 

 

 
والجدير بالقول إن من أصعب المشاكل التي تواجه الحركات الثورية هي وجودها ضمن مجال حركي لجماعات مسلحة مشبوهة، أمر كهذا يجعل الأنظمة المستبدة تستخرج بطاقة الإرهاب المحضرة سابقـًا لأي لاعب يخرج عن قوانين اللعبة التي لم يشارك في صنعها، والمعروف أن ورقة الإرهاب هي ورقة حارقة لجميع الأوراق الأخرى، فالحروب على الإرهاب تشكل مناخـًا مواتيًا تستغله الأنظمة المستبدة لتصفية حساباتها مع المعارضين، أو الأخطر من ذلك الالتفات إلى الاغتيالات السياسية التي قد تمس شخصيات مرموقة، وبعثات دبلوماسية وغير ذلك لزيادة الحقد المجتمعي والدولي على هذه الجماعات مما يسهل عملية التخلص منها، فتتحرك هذه الأنظمة ضمن ثلاثية كلاوزوفيتش الشهيرة، قرار مدني، جيش في الميدان ، ومشاعر خام تطلقها الشعوب ويتبناها الجيش كقضية، إذن يبدو أن نظام بشار الأسد لا يخفي عقيدته الكلاوزوفيتشية التي تجعل الشعوب تحتضن قرارات وسياسات لم تشارك في صنعها ولم تتحقق من عدالتها ومن مدى مصلحتها في تبنيها.

اليوم، وهذا أمر يدعو للحزن، تحولت حالة الثورة في سوريا، إلى حالة من الحرب الأهلية، تقاطعت فيها أخطر مسببات الحروب من طائفية، واثنية، ووكالة، وتمويل حربي رسمي وغير رسمية، أمام عجز واضح في هندسة حلول كفيلة بإنهاء الحرب، والواضح أن النظامين الإقليمي الذي تقوده الجامعة العربية، والدولي الذي تقوده الأمم متحدة فشلاً في امتحان الحرب السورية الصعب، فالأمم المتحدة اليوم بعيدًا عن قلقها، وتقاريرها، وتصريحاتها، وغير ذلك من أشكال الدبلوماسية الأممية تقف عاجزة كل العجز أمام تعفن الأوضاع في سوريا.

 

 

فأي تقييم ولو بسيط يعطي الأمم المتحدة درجة الصفر في امتحان هندسة الحل السياسي، وصفر مثله في هندسة الحل الأمني، وصفر آخر أشد حرجًا وهو في بناء الحل الإنساني، ويبقى هدف تحقيق الأمن والسلم الدوليين وغيرها من الشعارات التي يحملها الميثاق كلمات بدون معنى، والذي صدقته دول كثيرة كانت تناضل من أجل استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية وهبت إلى أحضان النظام الأممي كتتمة لاستقلالها القطري السياسي، مجرد أداة يتحكم الكبار في إعادة مفهمتها طبقـًا لمصالحهم ورؤاهم.

بالعودة إلى جامعة الدول العربية التي قدمت مبادرات لحل الأزمة السورية، منذ زيارة نبيل العربي لدمشق في 2011، يبدو أنها عجزت عن صد الثقوب في جسد الكتلة العربية الإقليمية بفعل الاختراقات والتدخلات من طرف إيران وروسيا اللذين عملا- ونجحا- في كبح خطوات الجامعة العربية، هذا المنطق فهمته العديد من الدول العربية مما جعلها تعول على وسائلها الذاتية في مقاومة هذا الاختراق الإيراني والروسي، خاصة المملكة العربية السعودية التي حتى وإن اختلفنا معها، تبقى فاعلاً صلبًا في مواجهة واقع عربي لا تملك وحداته قراراتها الاستراتيجية في مواجهة الغرباء عن النظام الإقليمي العربي

.
صحيح أن إنهاء الحرب في سوريا هو رهين قرار من بوتين وأوباما، لكن يجب علينا ألا ننسى أنه خلال جميع الحروب على الشاكلة السورية أقل ما يمكن حدوثه انفصال الميدان عن السياسة، واليوم من الصعب تصور أن المعارضين في الدوحة، أو في اسطنبول وغير ذلك من العواصم يملكون جهاز تحكم يحركون ويسكنون المسلحين في الميدان، خاصة تلك الجماعات التي لا تعول على العواصم المذكورة في تمويلاتها وتمويناتها، فالهدنة، والحرب تتقرر ميدانيًا، وليس سياسيًا، فانقسام المعارضة سياسيًا، ليس أشد غرابة ولا استحالة من انقسام الجماعات الحاملة للسلاح على مسرح الحرب الذي لا يعرف منطقـًا سوى منطق القوة، ولا عقيدة سوى عقيدة البقاء للأقوى.

فإذا رسمنا خارطة هذا الصراع سياسيًا نجد هناك ثنائية واحدة وهي المعارضة والنظام (رغم وجود معارضة مازالت تستوطن دمشق)، لكن إذا حاولنا إعادة رسم هذه الخريطة حربيًا سنكتشف واقعًا معقدًا، متشابكـًا يصل حسب بعض الأرقام إلى الألف جماعة مسلحة وجهادية، سنجد النصرة التابعة للقاعدة، سنجد تنظيم الدولة الإسلامية، وأسماء أخرى كجيش الإسلام، وأحرار الشام، وجيش الشام، والقائمة طويلة من تنظيمات قد لا يكون لها وجود في أرض الواقع في ظل غياب صورة واضحة عن العمق الميداني للحرب، هذا بالإضافة إلى الجيش الحر، وكما يطلق عليه إعلاميًا المعارضة المسلحة، هنا يمكننا التوقف عند سؤال قد يكون ساذجًا، لكنه يبدو لي مهمًا جدًا إن أردنا الاستقرار لسوريا، هل نبني الحل من منطلق الخريطة السياسية، أم من منطلق ما يفرضه الميدان من مركب مسلح متعدد الولاءات والمشروعات والأجندات؟

السؤال السابق يقودنا إلى تساؤلات عدة، ما موقع داعش في الحل؟ ما موقع النصرة؟ وباقي التنظيمات، هل يتم التعامل معها على أنها جماعات إرهابية يجب تصفيتها بعد الوصول إلى حل، أم اعتبار تصفيها جزءًا من الحل؟ وكيف يمكن فصلها عن المعارضة المسلحة؟ الواقع هو أن هذه النقاشات بالذات، وهذه الأسئلة هي التي تكبل أيادي القوى الكبرى عن إيجاد حل واضح متقف عليه، وإيجاد أرضية مفاهيمية مشتركة بين روسيا والولايات المتحدة من جهة، وإيران وإسرائيل من جهة أخرى، شخصيًا لا أظن أن تعريف الإرهاب في موسكو يتطابق مع نظيره في واشنطن.

 

 

 

 
وكذلك الشأن بالنسبة لطهران وتل أبيب، هذه الاختلافات المفاهيمية والإدراكية يطفو منها على السطح وفي الإعلام جدلية بقاء بشار من عدمه التي أصبحت ثانوية بفعل التطورات على أرض الميدان، فقد فهم بشار الأسد أن عامل الوقت سيجعله في موقع قوة، فقد رفض حلولاً قبل ظهور داعش وغيرها، لأنه كان مدركـًا- بطريقة أو بأخرى- أن الأمور لم تكن للتوقف عند نقطة ثورة شعب ضد نظام على الشاكلة التونسية فقط مستفيدًا من موقع سوريا الجيواستراتيجي وشبكة تحالفاتها الإقليمية والدولية، إضافة إلى تركيبة المجتمع السوري التي تكشف هشاشة منطق الدولة الوطنية لصالح الجماعة والطائفة وغير ذلك من الولاءات الثانوية.

ستنتهي الحرب في سوريا –ربما- إذا تمكن الغرب (روسيا والولايات المتحدة الأمريكية) ومن يسبح في فلكه من قوى إقليمية، من الاتفاق على إجابة واضحة للتساؤلات الجوهرية التالية، بقاء بشار من عدمه؟ من الإرهاب؟ لمن السلطة بعد بشار؟ من يرعى الانتقال؟ من يدفع لإعادة تعمير سوريا؟ الأولوية لإسقاط بشار أم لمحاربة الإرهاب؟ من يدفع تكاليف الحرب؟ إضافة إلى العديد من التساؤلات المهمة، فإيران ترى سوريا بدون بشار كجزء من أمريكا والسعودية، والسعودية ترى سوريا بشار كامتداد لإيران وحزب الله، وإسرائيل ترى سوريا بدون بشار ليبيا أو عراق ثانية على مرمى حجر من حدودها، وروسيا ترى سوريا من دون بشار كقطيعة لها من الشرق الأوسط، وسوريا بشار كمسرح لتجارب أسلحتها وموطئ قدم أمن لها في منطقة استقرارها هو استقرار العالم والعكس صحيح.

 

 

 

وتركيا ترى في رحيل بشار انتصارًا لدبلوماسيتها ونقطة مضافة في سجلها الذي تتقرب به من الغرب (خاصة الاتحاد الأوروبي)، أما الولايات المتحدة الأمريكية فهي وإن نادت برحيل بشار شكلاً، فهي تبحث عن حل يؤمن إسرائيل، ويدفع تكاليفه نوابها الإقليميون أو روسيا، ويتم من خلاله إضعاف بعض التنظيمات التي تصنفها إرهابية خوفـًا من تكرار حادثة 2001.
في النهاية يمكننا القول، إن الحرب في سوريا أصبحت خارجة عن قدرة فاعل واحد، وإن الترتيبات الاستراتيجية المقبلة ستأخذ بعين الاعتبار أمن علاقات القوى الكبرى، وتكون منتجًا لتوافق آرائهم ونظرتهم الاستراتيجية، إذن بناء توافقات كبرى يبدو أنه الحل الأكثر عقلانية في الوقت الراهن، كمحاولة لمنع استمرار الحرب لمدة أطول، على الأقل من وجهة نظر إنسانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد