من صائب القول: إن شعوب المنطقة العربية ما زالت تعيد تكرار ماضيها؛ فعلى الرغم من قسوة التاريخ العربي ودمويته ووحشيته، إلا أن هذا التاريخ ما زال يعيد إنتاج نفسه من جديد، فقد أظهرت تجارب الصراعات الأهلية العربية من التجربة اليمنية إلى التجربة الصومالية، واللبنانية، والليبية، أن هذه المجتمعات مسكونة بالثأر والصراعات، والعيش فيها لا يقوم على أساس المشاركة، والمواطنة، والتعايش السلمي مهما رفعنا فوقها من شعارات وطنية وقومية، فالمجتمع في هذه الدول منقسم على أساس عصبوي، والسلطة السياسية فيه ـ مدنية كانت أو عسكرية ـ تتخذ من الاحتماء بالعصبيات أساسًا لشرعيتها؛ الأمر الذي دفع المواطن داخل هذه البلدان للاحتماء بقبيلته وطائفته، وتحسس سلاحه متأهبًا دومًا للمشاركة في الحروب مع القبائل والطوائف الأخرى، وكان نتاج ذلك بلدانًا ممزقة تنافس كل عصبية فيه أخرى على السلطة، وغاية السلطة عندهم قهر العصائب الأخرى، وهذا ما عبر عنه ابن خلدون في مقدمته الشهيرة بأن:

«العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك؛ والسبب في ذلك أنهم أكثر بداوةً من سائر الأمم، ولاعتيادهم الشظف وخشونة العيش، فاستغنوا عن غيرهم، فصعب انقياد بعضهم لبعض، ورئيسهم محتاج إليهم غالبًا للعصبية التي بها المدافعة؛ فكان مضطرًا إلى إحسان ملكتهم وترك مراغمتهم، وإذا ملكوا أمة من الأمم جعلوا غاية ملكهم الانتفاع بأخذ ما في أيديهم وتركوا ما سوى ذلك من الأحكام بينهم».

شكّل التاريخ الحديث للمنطقة العربية مسرحًا دمويًا للصراعات الأهلية المدمرة من أجل السلطة والنفوذ، فما أن نالت هذه الدول استقلالها وخرج آخر جندي أجنبي من أراضيها حتى وجدت نفسها أمام فراغ سياسي أخضعت فيه العصبيات لاستقطاب سياسي حاد نتج عنه نزاعٌ أهليٌ مسلحٌ عرّض كثيرًا من الدول للتفكك والانهيار على الطريقتين الصومالية واليمينة.

شهدت الدولة اليمنية سلسلة متلاحقة من الحروب الأهلية المدمرة، بدأت في شمال اليمن ثم انتقلت إلى جنوبه؛ لتقضي على حلم اليمنيين برؤية دولة موحدة تنصهر فيها كل القبائل اليمنية على اختلاف توجهاتها العقائدية والفكرية.

هذه الصراعات الأهلية الدموية التي شهدها اليمن منذ عام 1962 والتي جندت فيها القبائل والمكونات اليمنية على مختلف مشاربها لتحول اليمن إلى ساحة صراع مسلح، وعلى الرغم من قيام الوحدة بين الشمال والجنوب عام 1994، إلا أن اليمنيين لم يتناسوا أحقاد وضغائن الماضي الأليم الذي خلفته الحروب فيما بينهم؛ لتعود سلسلة الحروب المدوية بينهم عام 2011 عقب إسقاط نظام الرئيس علي عبد الله صالح الذي صرح يومًا في إحدى خطبه عقب إعلان الوحدة في اليمن: «إن التكلفة الأكثر خطورة في الحرب التي دارت في اليمن تتمثل في القيود والحواجز النفسية التي نشأت بين الشمال والجنوب اليمني»، ولا زالت رحى الحرب تأكل أبناء هذا الشعب العربي المسلم، وتهدد وحدة اليمن بفصل شطريه، وهو تمامًا ما حدث لدولة الصومال التي سبقت اليمن بحروبها.

سبقت حرب اليمن الأهلية الحرب الأهلية الصومالية، وهي حرب ذات طابع قبلي دموي أودت بحياة الآلاف من الشعب الصومالي ؛ فبعد أن حصل هذا البلد على استقلاله عام 1960، بدأت سلسلة من الصراعات القبلية الداخلية انتهت بانقلاب عسكري قام به الضابط العسكري محمد سياد بري عام 1969، وحكم هذا الأخير البلاد بقبضة أمنية صارمة عن طريق مجلس ثوري موطدًا أركان حكمه باعتماده على العشائر التي تواليه، ومن خلالها أصبحت البلاد تدار وفقًا لنظام عشائري قبلي، وقسمت السلطة فيه من هذا المنطلق، فبرز الاحتماء بالقبيلة، وضعف الشعور الوطني بالمصلحة العامة عند عموم الشعب، وأصبحت كل عشيرة تجند أبناءها طمعًا في مغانم سياسية، وتشكلت جبهات المعارضة المسلحة من أبناء العشائر الصومالية، وبدأت سلسلة من المطالب الشعبية التي تطالب بالمساواة في الامتيازات والحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ما لبثت أن تحولت إلى انتفاضة مسلحة تحولت إلى صراع أهلي لعبت فيه القوى الخارجية دورًا أساسيًا أدى إلى إسقاط نظام الرئيس سياد بري عام 1991 وخروجه خارج البلاد.

يعلمنا التاريخ أنه ليس بسقوط الحاكم تنتهي القصة، فبعد أن سقط نظام الرئيس بري اتضح أن الأمر لم يكن رغبة في التغيير للأفضل، أو رغبة صادقة لتحقيق تطلعات الشعب الصومالي نحو الاستقرار والتنمية، وإنما تلخصت أسباب الحرب في كونها استبدال زعيم بزعيم، وسلطة بأخرى، فما إن سقط نظام الرئيس بري حتى بدأت موجة أخرى من الصراعات الدموية المسلحة، وهذه المرة بين رفقاء السلاح الذين شكلوا جبهة المعارضة في البداية، حيث تحولت الحرب في هذه المرحلة إلى حرب زعامات، وساهمت القوى الخارجية بأدوار متنوعة في إذكاء هذه الحرب عبر مد القوى المتناحرة بالسلاح، وفتح معسكرات لتدريب المتقاتلين، الأمر الذي أدى إلى تقسيم البلاد إلى دويلات ومناطق نفوذ ترأس كل عشيرة دويلة فيها، وتتخذها ساحة لانطلاق عملياتها المسلحة ضد العشائر الأخرى.

عقدت لغرض المصالحة الوطنية ولحل الأزمة السياسية الصومالية 14 مؤتمرًا دوليًا، وجابت القضية الصومالية عواصم العديد من الدول في أثيوبيا، وكينيا، ومصر، وجيبوتي، وليبيا، وجميع هذه المؤتمرات باءت بالفشل؛ لتتحول الصومال إلى واحدة من أكثر الدول بؤسًا في العالم.

يغيم السيناريو المقيت في كلا البلدين – اليمن والصومال – بظلاله على السماء الليبية منذرًا أن البلاد توشك أن تقترب من أحدهما إن لم نحاول البدء في إيجاد حل سياسي بمساعدة دولية، كالذي أوجده جيل الاستقلال عام 1951، والذي ضمن لليبيا وحدتها واستقلالها طيلة ستين عامًا.

لقد نجح جيل الاستقلال في الوصول إلى توافق سياسي رغم الخلافات الظاهرة بين الأقاليم، التي تمثل الدولة الليبية (برقة ـ فزان ـ طرابلس)؛ ورغم عمق الأوجاع والضغائن الكامنة في النفوس، إلا أنهم قبلوا بعضهم بعضًا واتفقوا لتجنيب ليبيا مغبة السقوط في حرب أهلية.

لقد كانت ليبيا قبل استقلالها ساحة للصراع الأهلي بين القبائل الليبية بشكل مستمر بسبب التنافس السلطوي؛ ولم تكن نتيجة هذه الحروب إلا نزعات جهوية ما زلنا نعاني آثارها إلى يومنا هذا، ونتيجة لعدم تنشئة المواطنين التنشئة الوطنية السليمة عادت هذه النزعات الجهوية للظهور من جديد بعد عام 2011 عقب أحداث 17 فبراير، والتي كانت فتيل الحروب الأهلية خلال 10 أعوام.

إن الدرس الأهم الذي يجب أن يعيه المتحاربون أن الأوطان لا تبنى بالقوة وبسفك الدماء ولا بالانتصار العسكري، فالثمن في هذه الحالة سيكون باهظًا حتى بالنسبة للمنتصر نفسه؛ إذ ماذا سيفعل المنتصر بانتصاره؟، لأن البلاد ستتحول إلى حرب مفتوحة على الدوام، ولا يهنأ فيها أحد، ويصبح المواطنون مستعدون دومًا للثأر والانتقام، ولن تشهد البلاد استقرارًا.

علينا أن نتعلم من تجارب الآخرين الذين سبقونا بحروبهم، وكيف انتهى الحال ببلدانهم؟؛ لنكون أقرب إلى الحقيقة، تلك الحقيقة التي تقول «إن الحروب تبدأ أهلية ثم تتحول إلى دولية ثم ينتهي بها المطاف إلى المجهول».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد