ما أشبه اليوم بالبارحة

قرأت كتابًا رائعًا من 600 صفحة عن الحرب الأهلية في إسبانيا اسمه «ألد عدو نفسك». ألخّصه وأقدمه بين يديكم في 1000 كلمة، فاعتبروا يا أولي الأبصار.

البداية

بدأت الحرب بانقلاب عسكري فاشل ضد الجمهورية القائمة وردة فعل حكومة ضعيفة ومربَكة تحت قيادة رئيس مدني وإنساني إلى أبعد حد. سبق الانقلاب سنين من الفوضى والقتال في الشوارع والاغتيالات التجاذبات. وولّد الانقلاب رد فعل عنيف فقامت ميليشيات شعبية وثورية واستولوا على مخازن الأسلحة التي لم تكن الحكومة تريد توزيعها على المدنيين.

الفريقَين

انقسمت إسبانيا تقريبا بالنصف، ولكن كانت السيطرة في البداية تميل لطرف الحكومة. وينقسم كل طرف إلى عدة معسكرات.

فالطرف الحكومي الجمهوري مكوّن من الطبقة الوسطى الليبرالية «البرجوازية» وكانوا معتدلين جدا في طرحهم ضد المصالح القديمة (الكنيسة وأصحاب العقارات). ولكن لم يكن هذا يعجب كثيرًا من العمال والفلاحين، فهم إما اشتراكيون أو شيوعيون أو حتى فوضويون.

الاشتراكيون كانوا يشاركون في اللعبة السياسية وشكلوا فيما بعد الحكومة ولكن تطرف موقفهم مع بداية الحرب، وأصبحت علاقتهم بالجمهورية القائمة ضعيفة ونفعية؛ أي كوسيلة للوصول للمجتمع الاشتراكي التام.

الشيوعيون كانوا ضعفاء وللمفارقة بأوامر من موسكو كانوا يدافعون عن الطبقة الوسطى لكي يسحبوا البساط من تحت أقدام الاشتراكيين والفوضويين «المتطرفين». ونجحوا بالفعل بالتسلل للحكومة والسيطرة على مفاصلها وقمع الفوضويين لاحقًا.

الفوضويون صنف غريب يحتاجون مقالا كاملا لشرح موقفهم، ولكن نكتفي بالقول بأنهم أكثرهم حماسًا وتطرفًا وكان قتالهم مع الحكومة التقاء مصالح. بدليل أنهم في البداية كوّنوا إدارة بديلة في مناطق نفوذهم واستولوا على مركز الاتصالات في برشلونة.

نأتي للطرف المتمرد ونجد أنهم هم كذلك فرق ومذاهب. فالكتلة الرئيسة مكوّنة من ضباط الجيش وخاصة الذين قاتلوا في المغرب. فهؤلاء كانوا بطبعهم رجعيين ودمويين وعزوا كل مصائب إسبانيا للقوى التقدمية. تحالف مع هؤلاء بطبيعة الحال الكنيسة وأصحاب العقارات والأراضي. ولكن كان هناك أيضا من هو راديكالي وثوري و«متطرف» متحالف معهم وهم الفاشيون.

وكان هناك طرف آخر مع المتمردين وهم الملكيون! توحد الملكيون في عدائهم للجمهورية ولكنهم اختلفوا في أيّ ملك ينصّبون: كارلوس أو ألفونسو؟!

الوضع الاجتماعي

بالإضافة لهذا الخليط فثم تشابهات أخرى. كان المجتمع الإسباني قروي وجهوي. فكل إقليم له ثقافة ولهجة وتتكون إسبانيا من قرى صغيرة يعرف الناس فيها بعضهم البعض. حتى المدن الكبيرة منقسمة إلى أحياء منغلقة. كان مثلا نقيب في قوات الهجوم الجمهورية ابن عمه فاشي. وكان هذا الفاشي نسيب قائد الحزب. وكان في السابق هذا القائد بالإضافة إلى صهر فرانكو طلبة تحت أستاذ جامعي أصبح وزير التعليم الجمهوري وكاتب دستورها!

وبدل المساهمة في الحد من الخلاف، فاقمته حيث أنك تعرف من «الخائن» في قريتك وتستطيع أن تشي به. وكذلك ستعرف الواشي الذي قتل أباك أو عمك أو أخاك. فبقت الحساسيات في القرى والبلدات لعقود بعد انتهاء الحرب وحتى بعد ممات فرانكو.

ولأن الصراع الفكري كان طاغيًا على الجهوي، انقسمت القرية الواحدة إلى عدة ولاءات. المشكلة أن عندما سيطر المتمردون على قرية خرج المندسين وبدأوا بالوشي على الجيران النقابيين أو اليساريين. أدّى هذا إلى تسارع اليساريين بالانضمام إلى الحزب الفاشي لدفع التهمة عن أنفسهم. كانت بطاقة عضوية تعني الفرق بين الحياة والموت.

وأيضًا بعدما سيطر المتمردون على منطقة كانوا يطلقون العنان للمرتزقة المغاربة لثلاثة أيام للنهب والاغتصاب. وبعدها تشكل لجان تعوّض الفاشيين المعروفين في المنطقة، وتقوم أيضًا بالاستيلاء على أموال الجمهوريين.

التدخل الخارجي

نأتي الآن للتخاذل الدولي وما أدرك ما التخاذل الدولي. أول ما بدات الحرب أعلنت بريطانيا عن اللجنة المسماة اللجنة الدولية لعدم التدخل وطبقت اللجنة «حظرًا للأسلحة». انضمت فرنسا والولايات المتحدة وحتى ألمانيا وإيطاليا! بينما أخذت الدول الديمقراطية الأمر بجدية كانت ألمانيا وإيطاليا تدعمان المتمردين بقوة. بل وكانت الشركات الأمريكية تزود المتمردين بالوقود.

أرسلت ألمانيا سرب الكوندور من 600 طائرة حديثة وأرسلت إيطاليا 700 طائرة ودبابات وبضعة بوارج بالإضافة إلى قروض و50 ألف مقاتل. كان السند الوحيد للجمهورية الاتحاد السوفيتي ولكن كان دعمهم متأخرًا وبالدفع المسبق.

الإعلام

نأتي للطرح الإعلامي، حيث كان المتمردون يروجون أنهم أرادوا إبطال ثورة شيوعية وشيكة بالرغم من أن الثورة لم تقم إلا كرد فعل على الانقلاب. لهذا السبب كان هجومهم ضد التدخل الخارجي السوفيتي شرسا.

كان الطرح الجمهوري يعتمد على الشرعية، المظلومية وجلب التعاطف. نجحت فعلا في جلب التعاطف، حيث كان الرأي العام الأوروبي مع الجمهورية وجاء كثير من المتطوعون الأجانب لمساعدة الجمهورية. ولكن لم تجدي نفعًا في تغيير موقف الحكومات الديمقراطية.

ما بعد الحرب

أرى فرانكو الشعبَ الإسباني نجوم القائلة كما يقولون. رجّع نفوذ الكنيسة إلى ما كانت عليه قبل 150 عامًا. لم تنقصهم إلا إعادة محاكم التفتيش. كان مطلوب تزكية من القس المحلي للحصول على أي وظيفة.

كانت عائلات الجمهوريين تُحرم أحيانًا من التموين. وقد يُعتبر جمهوري أي مقاتل سابق ولو بالإكراه،أي عضو في نقابة أو من كان قريبه عضوا أو معلم غير موالي. حتى من زاول مهنته المدنية مع الحكومة الشرعية آنذاك كساعي بريد أو معلم مثلا كان معرّضًا للمساءلة.

تم تصفية من تبقى من الجمهوريين أو حتى من شُك في ولائهم. من لم يقتل منهم زج به في السجن.
تم إنشاء معسكرات اعتقال ضخمة زج بمئات الألوف فيها في ظروف قاسية من برد ورطوبة وضرب وإهمال طبي. أُرسل بعضهم أثناء الحرب كعبيد ليشتغلوا في مصانع ألمانيا النازية.

تجمّد الاقتصاد الإسباني لعقود وتخلف عن باقي أوروبا، بسبب حب فرانكو للسيطرة على كل شيء. فُرضت جمارك عالية وسُمح فقط للقريبين من فرانكو بمزاولة التجارة. تمت مصادرة إنتاج الفلاحين لتزويد المدن ولكن أدى هذا بالطبع إلى انهيار الإنتاجية ونشوء سوق أسود. هرب من استطاع من الطبقة المتعلمة والمثقفة إلى الخارج. وبنى فرانكو لنفسه ضريحًا ضخمًا في وسط هذه الأزمة الاقتصادية.

الخلاصة

انتصر من سمى نفسه فيما بعد بالمشير فرانكو ب:
– القمع الذي أدى إلى انضمام خصمه لمعسكره خوفًا على حياتهم وحياة عائلاتهم. أدت أيضًا إلى الخوف من استعمال عملة الجمهورية، حيث أعلن فرانكو أنها لن تكون لها قيمة إذا ما انتصر.

– المرتزقة الذين كانوا من أشرس المقاتلين. استغل فقر أهلهم وخدعهم بأنه يمثل الحكومة الشرعية وأنهم جميع في قتال الملحدين.

– الدعم الخارجي الرهيب والتخاذل الدولي للجمهورية.

معلومات إضافية

– كوّن المشير فرانكو مقرًا رئيسيًا في مدينة رجعية جدا وحجّ إليه النفعيون والمتسلقون والمتملقون والخونة.

– كانت تقع خيانات وسُرّب مثلا صهر فرانكو المعتقل بالخيانة.

– كانت الحرب شرسة وبشعة إلى أقصى حد. كانت طائرات المتمردين تتسلى بقوافل المهاجرين. وكانوا يقصفون الجبال كي تتساقط الصخور على من في الأسفل. وكانوا يقتلون أخاك أو أهلك إذا كنت هاربا ولم يتمكنوا منك.

– كانت أول مرة تقصف فيه مدن بالطائرات في حرب أهلية.

– كان بيكاسو الرسام المشهور معارضًا لفرانكو.

– كان السفراء بالإضافة لشغلهم دبلوماسيين، يشتغلون كحكام ظل وجواسيس.

– أول ما أوشك فرانكو على النصر اعترف بحكومته حتى الدول الديمقراطية. بل وحضنوه لاحقًا كي يساعدهم في الحرب الباردة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد