هذا المثلث هو مثلث دمار الحضارة الإنسانية، وإذا اجتمعت هذه الأضلاع الثلاثة أو اثنان منها على الأقل في أي مجتمع أصبح هذا المجتمع آيلًا للسقوط في أي لحظة. والتاريخ لا يكذب تحديدُا في هذا الطرح، إذ إن الفقر المرافق للجهل يفضي إلى حضارة مترهلة تقبع في ذيل الأمم، والجهل المصاحب للمرض سيؤدي حتمًا إلى انتشاره وتفشيه مما يهدد استمرار المجتمع وأمنه وسلامته، أما عن الفقر المرتبط بالمرض فإنه يحدّ من قدرة المجتمع على مكافحة هذا المرض، وتحمّل تكاليف علاجه، وتمويل الأبحاث اللازمة لمجابهته.

لعلك تلاحظ عزيزي القارئ أن هذه الثنائيات المجتمعة تعطينا الوصفة السحرية المجربة لانهيار الحضارات الإنسانية، ولكن في ذات الوقت لو قلبنا هذه الوصفة واستخدمنا نقيضها رُبما ستكون إحدى أنجع الطرق الموصلة للنهضة. إذ إن النماذج للسائرين على خطى هذه الوصفة واضحة للعيان وتعطي دلائل ملموسة مدى فعاليتها. لذلك في سرد ذكر هذه العناصر سنناقش أولويات العدالة الاجتماعية ونرتبها بما يضمن وصول المجتمع إلى بر الأمان وتحقيق نهضة وازدهار مكتمل الأركان.

1- الفقر.. ونقيضه يكمن في بناء منظومة اقتصادية شاملة

ولعل أهم أولويات نظام العدالة الاجتماعية هي «تحقيق التوازن الاقتصادي بين طبقات المجتمع عن طريق منع الاحتكار، ومنع تغوّل النظام الرأسمالي البحت، وانفراد الشركات العملاقة بالمكاسب الاقتصادية» كما أسلفنا الذكر في المقالات السابقة، وتعد هذه الأولوية ضرورة قصوى إن لم تكن الأهم. فلا يستطيع أي مجتمع الوقوف على قدميه والثبات في أرضيته استعدادً للبناء ما لم يرتكز على منظومة اقتصادية صلبة، ونقصد بالمنظومة النسيج الواحد الذي يكون فيا معدل الدخل السنوي للفرد مرتفعًا، ويكون الفرد في مأمن من الاحتكار، والتغول الرأسمالي، والتوزيع غير العادل للثروة. كما يجب أن يشعر الفرد في هذه المنظومة بالأمان الوظيفي دون القلق الدائم على مصادر تحصيل المال، إذ إن المعدة الجائعة لا تترك للعقل الواعِ فرصة أن يخرج أفضل مكنوناته، ولا يمكن لمن كان أكبر مخاوفه ماذا سيأكل غدًا أن يفكر في نهضة مجتمعه.

2- الجهل.. وعلاجه التعليم وفق أسس عملية ومحددة وموجهة لخدمة المجتمع

ولا يخفى على أحد أن التعليم أساس الحضارات الناجحة، والدول المتقدمة صناعيًا واقتصاديًا وسياسيًا جميعها تشترك في امتلاكها لنظام تعليمي صلب وثابت ومنظم، ويتسم أيضًا بأصالته إذ أنه معد وموجّه خصيصًا ليخدم احتياجات المجتمع. فكما نعلم جميعًا أن أي تقدم حضاري دون تعليم ما هو إلا تقدم في البنيان وما داخله من عقول ستكون خاوية على عروشها، ولا فائدة تُذكر من امتلاك الموارد الممتازة في الأيدي الخاطئة التي تفتقر إلى العلم والمهارة والقدرة على الاستثمار الأمثل لتلك الموارد.

وعلى ذكر الاستثمار، فالتعليم ما هو إلا عملية استثمار ضخمة تضخ فيها ما تمتلك من الجهد والمال والوقت لتجني ثمارها لاحقًا على شكل جيل صاعد يحمل آمال أمته ووطنه عاليًا، ويستمر في النهوض بمجتمعه والارتقاء به.

3- المرض.. وعلاجه الوقاية والاستعداد عبر منظومة صحية قوية

وتحديدًا في هذا السياق فقد كانت الأشهر الماضية تحمل لنا درسًا عمليًا لا يمكن تجاهله، إذ يمكنك بالنظر إلى فيروس كورونا المستجد وطريقة تعامل المجتمعات معه أن تحدد بالضبط أين تتجه بوصلة التطور والاستقرار، وأين تغرق مجتمعات أخرى في الاضطراب والتخبط. فبعض الدول انهار نظامها الصحي حرفيًا وتكدس المرضي في طوابير طويلة ينتظرون أسرة فارغة أو أجهز تنفس الكترونية مُتاحة، ودول أخرى باتت تحرق الجثث بدل دفنها، وثالثة باتت تضرب الناس في الشوارع لتجبرهم على الالتزام بقناع الوجه والقفازات الواقية.

وفي ذات الوقت ورغم اهتزاز دول أخرى ومعاناتها من الجائحة وتبعاتها إلا أنها كانت تقاوم المرض بمنظومة صحية ثابتة، وتمول مشاريع بحثية عملاقة لإيجاد لقاحات فعالة ضد الفيروس، بل تبني مستشفيات ضخمة في أيام معدودة مسخرة كل مواردها وموظفة أحدث أساليبها التكنولوجية في إسناد وتعزيز كفاءة النظام الصحي وتتبع الحالات المصابة وتعقب المخالطين.

وهذا إن دل فإنه يدل على أن قدرة المجتمع على حماية نفسه من الأمراض بالوقاية منها أولًا والقدرة على مواجهتها إن حلت ثانيًا تلعب دورًا حيويًا في بقاء المجتمع وسلامته، وتقضي على أي تهديد محتمل على أمن المجمع وسلامته.

وهنا يبرز دور العدالة الاجتماعية بوصفها نظام اجتماعي اقتصادي يضع الأولويات الثلاث السابقة نصب عينيه، ويعمل على ترتيبها وفق ما تحتمه ظروف المجتمع، ووفق ما يمتلك من موارد تجعل النجاح في إشباع أحد هذه العناصر ممكنًا. ولا بد عن العمل المستمر في الجوانب الثلاثة بشكل متوازٍ بما يحقق الأفضل للمجتمع، ويضمن ديمومة استمراره وتقدمه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد