العلاقات المدنية العسكرية من أهم المشكلات البحثية الحالية، وذلك لازدياد أهمية العامل الأمني مع صعود العديد من القضايا الأمنية المختلفة، مثل الإرهاب، ومع الأوقات العصيبة والاضطرابات الحالية، نجد أن الجيوش أصبح لها دور كبير؛ حيث تتداخل القضايا السياسية والامنية بشكل كبير، مع وجود مشكلات أساسية، سواء كانت دستورية أو ثقافية في منطقة الشرق الأوسط. فإن المنطقة تعاني من عدم وجود أي نوع من التوازن، أو فصل بين القوي المدنية والعسكرية؛ فسيطر العسكريون بشكل كبير على حكم البلاد، خاصة في البلاد الرئاسية، مثل مصر، الجزائر، سوريا، وحتى تونس «وإن كانت أقلهم»؛ ذلك لأن الجيوش هي التي تملك السلاح- مصدر القوة- بطريقة شرعية؛ لتقوم بمهمتها في حماية البلاد، وحفظ الأمن، حتى الداخلي في أوقات الكوارث، وليس لممارسة السياسة أو إدارة الدولة.

بذلك يجب علينا أن نرتكز على قواعد وإجراءات محددة؛ لكي نستطيع أن نقوم بإعادة تشكيل العلاقات بين العسكريين والمدنيين؛ للحد من سيطرة العسكريين على الأحوال السياسية والاقتصادية. ونجد أن من أهم النظريات، هي النظرية التي صاغها عالم السياسة «صامويل هنتيجتون» في كتابه «الجندي والدولة»، والذي نشر لأول مرة عام 1957، والذي سعى لوضع بعض الضوابط بعد الحرب العالمية الثانية.

نظرية هنتيجتون

يري «صامويل» أنه لابد من تحلي أفراد الجيش بالمهنية العسكرية، وهي أن يلتزم أفراد الجيش بتأدية مهامهم العسكرية، دون أن يكون لهم دور سياسي أو اقتصادي أو غير ذلك. فلابد أن يمارس السياسيون الدور السياسي المخول لهم، وأن يقوموا بإدارة الدولة والعلاقات الخارجية الدبلوماسية، والاقتصاديون في إدارة الشئون الاقتصادية. بينما يركز العسكريون على حماية البلاد من الأخطار العسكرية الخارجية، وأن يتولوا إدارة العلاقات الخارجية، عندما تفشل السياسة، ويتم اللجوء إلى العنف، ذلك لأن المجال الرئيس للجيوش هو إدارة الأحداث العنيفة[1].

غير أن في مصر نجد أن القوات المسلحة طالما كانت حاضرة، مسيطرة على الوضع السياسي، خاصة بعد ثورة 1952. ونرى الآن أنها ليست فقط مسيطرة على الساحة السياسية، ولكن كل ساحات الدولة، وجميع المجالات من قريب أو بعيد، وسوف أسرد بعض الأمثلة البسيطة جدًا، حيث:

التعليم: نجد أن الجيش بدأ سلسلة مشروعات؛ لمزاحمة مدارس القطاع الخاص، عن طريق سلسلة مدارس «البدر الدولية»[2]. كما أنه استحوذ على إدارة مطابخ المدن الجامعية لجامعة القاهرة؛ وذلك ليتواجد أفرادة بطريقة مباشرة بين الطلاب[3].

الصحة: نرى انتشار المستشفيات التابعة للقوات المسلحة، والتي تعتني برجالها بدرجة عالية من الجودة، وبأسعار قليلة، وعلى الجانب الآخر، فإنها تكون استثمارية بحتة، وبأسعار عالية جدًا لمن هم ليسوا في القوات المسلحة. أيضًا نجد احتكار الجيش للمعدات الطبية، وبعض الأدوية، والمستلزمات الطبية لاستيرادها بصورة مجمعة[4].

الغذاء: ويملك الجيش أعمالًا كثيرة في هذا المجال، من مصانع «كوين» للمكرونة، والعديد من المزارع للدواجن واللحوم، وحوالي 7 مصانع تعمل في مجالات الاغذية[5]. كما يمكن أن نجد الكثير والكثير من مشاريع الجيش في البنية التحتية، والتي تقوم بها الهيئة الهندسية من طرق وكباري وغيرها[6]. ويقدر تدخل الجيش في الجانب الاقتصادي للدولة بحوالي 40% من الاقتصاد المصري، ولكن ليس هناك بيانات دقيقة لحجم الأعمال التي تقوم بها القوات المسلحة في الاقتصاد[7].

كما وضع هنتيجتون العديد من الإجراءات؛ لضمان استمرار توازن العلاقات المدنية العسكرية، وذلك كلة انطلاقًا منه للحفاظ على الديموقراطية، ومنها: أن يتفرق بين المناصب السياسية والمناصب العسكرية، حيث إن وزير الدفاع هو منصب سياسي وليس عسكريًا، لذلك فإن من يدير هذا المنصب يجب أن يكون مدنيًا، ويتم الاعتماد على العسكريين في إسداء النصائح الفنية فقط.

غير أن في مصر، وزراء الدفاع لابد من كونهم عسكريين؛ حيث إن رئيس الوزراء يختار ممن يقوم بتزكيتة المجلس العسكري، وأيضا نرى أنه منذ 1953 حتى الآن لم يتول أي مدني منصب وزير الدفاع؛ لأنه منصب حكرًا على العسكريين، بل الأكثر من ذلك أنة لم يأت أي رئيس غير عسكري، غير «محمد مرسي»، والذي عزلة الجيش، وعدلي منصور لمدة سنة؛ لتسيير الأعمال فقط.

ثانيًا: أن يتم الاعتماد على بعض الاستشارات الأكاديمية على سبيل المثال، وأن يكون أفراد الجيش، وخاصة قادته، محايدون، لا يدعمون أي اتجاه سياسي معين، لكن في مصر نجد العكس؛ إذ يستعان بالعسكريين في جميع المجالات، و يتجاهل الأكاديميون، فنري مثلًا الخبراء الاستراتيجيين. أيضًا نرى أن العسكريين المتقاعدين يكونون في الأحزاب، وداعمون لها بشكل مباشر، ويحصلون علي دعم الجيش للحصول على المناصب، فنري تواجد 14 من المحافظين من المتقاعدين من الجيش أو الشرطة[8]. كما يتواجد نحو 51 متقاعدًا من الجيش والشرطة في البرلمان[9].

ثالثًا: أن يكون للمدنيين كما هو للعسكريين في الولوج إلى التكنولوجيا المختلفة والقنوات المعلوماتية المختلفة، حتى لو كانت تخص الجيش، وذلك لأنه قديمًا كان الجيش هو الوحيد المستأثر بالتكنولوجيا والمعلومات[10].

لكن في مصر نجد أن حرية الإعلام والتعبير متراجعة بشكل غير مسبوق؛ حيث إن من يقوم بنشر معلومات مخالفة للمعلومات التي أعلن الجيش عنها يعاقب بسببها بالسجن لمدة 5 سنوات[11]، كما أن مصر قد احتلت المركز 158 من بين 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2015[12].

التدخل للصالح العام

كان هذا جانب بسيط من تدخل الجيش في إدارة الخدمات الأساسية للشعب، وبعده عن مهمتة الـساسية من الدفاع عن البلاد من الخطر الخارجي. وقد نجد العديد من التبريرات الإعلامية والشعبية لهذا التدخل، مثل:

أن الجيش هو أفضل من يدير البلاد، وأنه يقود المصريين إلى الإصلاح والتقدم والوطنية، على عكس المدنيين الذين قد يفسدوها. إلى جانب أنه عند الحديث بتلك الطريقة عن الجيش، فإننا نريد إضعافه، ويجب أن يتولي الجيش كل هذةه الصلاحيات؛ ليصبح أقوى، ويستطيع أن يكون له مكانة قوية، ويستطيع حماية الدولة.

لكن الأدلة المتوافرة تثبت عكس ذلك، من حيث إن مصر في مراكز متأخرة جدًا في جميع المجالات، فعلى سبيل المثال في الاقتصاد، تراجعت مصر إلى المركز 142 من 144؛ وذلك لعجز الموازنة الرهيب الذي نعاني منه[13]. أما التعليم ففي المركز 139 من 140 دولة. وفي المجال الاجتماعي، احتلت مصر المرتبة 135 من بين 158 دولة في مؤشر «السعادة»، واحتلت المرتبة الخامسة في مؤشر البؤس العالمي. والاثنان، أصدر معهد «انترنيشنز» تقريرًا عن مؤشر «جودة الحياة» في العالم لعام 2015، الذي يعتمد على عدة معايير، من بينها الصحة والأمن والترفيه والسعادة، وأظهر خروج مصر نهائيًا من التصنيف الذي تضمن 64 دولة شملها التقرير[14].

اما عن الجانب السياسي، وفي مقدمته مؤشر الديموقراطية، فإن المؤشرات وترتيب مصر في تراجع في الآونة الأخيرة، حيث أصبحت مصر تصنف كدولة غير حرة حسب تصنيف»  [15]

يمكن الرد أيضًا بأنه في الفترة منذ تدخل الجيش السافر في السياسة منذ 2013 حتى الآن، فإن تصنيف الجيش المصري قد تراجع من العاشر إلى الثامن عشر، وعاد مرة أخرى إلى الثاني عشر في 2016 [16]، ولكن يظل أقل من الترتيبات القديمة، وذلك على حسب تصنيف منظمة «جلوبال فير بور».
في النهاية يجب التنوية على أن التعددية السياسية، وسياسات التضمين، وإدراج جميع الثقافات الفرعية، واحتواءها تحت التيار الرئيس، هي التي يمكن أن تؤدي بنا إلى التقدم والازدهار، لكن قصر النخبة على أن تكون عسكرية، وعدم وجود سيطرة مدنية على العسكريين، فإنه سوف يؤدي بنا دائمًا إلى نفس النهاية من الديكتاتورية، وعدم الوصول إلى الوضع الأمثل الاقتصادي والسياسي. وأن تخصص الجيش وتفرغة للمهنية، والمهام الأساسية يزيد من مكانته وقوتة وقيمتة وينأى به عن الانتقادات المختلفة. فأمريكا أكثر دول العالم إنفاقًا على الجيش[17]، يخضع فيها الجيش للمراقبة البرلمانية بكامل ميزانيته، ويعمل بعيدًا عن السياسة، مع ذلك فهو أقوى جيش في العالم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد