الصراع الحضارى بين الشرق والغرب أقدم من الإسلام والمسيحية

هو صراع بين ثقافتين؛ ثقافة تؤمن بالتعايش مع الآخر (ثقافة الشرق)، وثقافة تؤمن بإبادة الآخر (ثقافة الغرب)، والصدام بينهما أخذ جولات عديدة كانت كلها في صالح الغرب حتى جاء الإسلام وغير المعادلة.

لعل الصراع الأول بين الحضارتين كان بين الفرس، والإغريق، وقد نجح الإغريق في تشويه صورة الفرس فأظهروهم في صورة برابرة، رغم أن الفرس كانوا أرقى منهم حضاريًّا في ذلك الوقت، وقد انتهت تلك الجولة بالقضاء على الإمبراطورية الفارسية بسيف الإسكندر المقدوني.

وبعدها ببضعة عقود بدأت جولة أخرى من الصراع هذه المرة بين الرومان، وقرطاجنّة، وفيه تجلت النزعة الغربية للإبادة والتدمير، فبعد سلسلة من الحروب بين الدولتين انتهى الأمر بتدمير قرطاجنة تدميرًا كاملًا؛ إذ تم قتل كل الرجال وسبي النساء وهدم المدينة بالكامل وتسويتها بالأرض.

لقد احتلت الإمبراطورية الرومانية الشرق بأكمله تقريبًا على مدار قرون استخدموا فيها نوعًا جديدًا من الإبادة، وهو الإبادة الاقتصادية، إذ يتم استنزاف موارد وثروات الدول والشعوب الرازحة تحت الاحتلال الغربي من أجل تدفق الثروات إلى الغرب، بينما تفرض عليهم ثقافة المستعمر وفكره ودينه في أحيان كثيرة.

رغم محاولات الفرس العديدة للوقوف في مواجهة الإمبراطورية الرومانية -ممثل الغرب في ذلك الصراع الحضاري- إلا أنهم فشلوا في ذلك لأنهم عجزوا عن تقديم مشروع حضاري يستطيع أن يستوعب الشرق كله تحت لوائه، ومع الأيام تحولوا إلى مجرد محتل للبلدان التي يحررونها من سيطرة الرومان يطبقون فيها سياسات الرومان نفسها.

ثم جاء الإسلام بمشروع حضاري استطاع أن يستوعب الشرق كله بحضاراته المتعددة وثقافاته المتنوعة وأديانه المختلفة، مشروع قائم على حرية العقيدة وعدم الإكراه في الدين، واحترام حق الجميع في ممارسة معتقداته. مشروع قائم على نشر العدل بين كل البشر بغض النظر عن جنسهم، أو دينهم، ومحاربة كل ظالم مستبد، مشروع قائم على تقدير العلم والمعرفة والسعي من أجل تحصيلهما. مشروع حضاري ضد الاستعباد بكل أشكاله وألوانه، يمنع استعباد الأحرار بانتهاك كرامتهم، أو سلب ثرواتهم، ويعطي العبيد حقوقًا تماثل حقوق السادة، ويتبنى سياسة تقضي على العبودية تمامًا بشكل تدريجي لا يُحدِث انهيارًا للاقتصاديات التي تعتمد عليها.

لقد اعتنق الشرق كله مشروع الإسلام الحضاري حتى وإن لم يعتنقوا الدين الإسلامي، ونجح الإسلام في قيادتهم في مواجهة الغرب، وحرر كل بلدان الشرق من استعباد الغرب لها واستنزافه لثرواتها؛ فازدهر الشرق تحت حكم الإسلام، ازدهر اقتصاديًّا و ثقافيًّا وعلميًّا وعمرانيًّا كما لم يزدهر من قبل.

قاد الإسلام الشرق في جولة جديدة من جولات الصراع مع الغرب، وحرر بلاد الشرق كلها من حكمه الجائر، بل وانتزع الأندلس من الغرب وجعلها جزءًا من حضارة الشرق المزدهرة لقرون عديدة، وتحولت سمرقند وبخارَى ونيسابور وبغداد والكوفة والبصرة وحلب ودمشق والقاهرة والقيروان وفاس وقرطبة وغيرها من مدن الشرق إلى منارات للعلم والمعرفة والثقافة والتجارة.

ورغم أن الأتراك ينتمون إلى العرق نفسه الذي ينحدر منه الغرب، إلا أنهم بدخولهم الإسلام أصبحوا جزءًا من المشروع الحضاري الإسلامي، ورفعوا راية هذا المشروع ونقلوا لأول مرة الصراع إلى قلب الغرب، فدخلوا بجيوشهم وحضارةِ الإسلام إلى أوروبا وأخضعوها لهيمنتهم عدة قرون.

لم يستطع الغرب أن ينسى هذا التاريخ، أن ينسى كيف نجح المشروع الإسلامي الحضاري في توحيد الشرق كله في مواجهته، ومع ضعف المسلمين وأفول حضارتهم، وارتفاع نجم الحضارة الغربية من جديد، واستعادة قدرتها على الاستعمار والاستعباد والإبادة لكل الشعوب التي تخالفها أصبح هدفها الأساسي -غير المعلن- هو أن تمنع إعادة بعث المشروع الحضاري الإسلامي من جديد؛ لأنها تدرك أنه المشروع الوحيد الذي استطاع أن يواجهها ويهزمها ويحول بينها وبين استعباد واستنزاف شعوب العالم.

الحضارة الغربية لها وجه واحد وهو الإبادة، وإن تخفى خلف أقنعة براقة وجميلة، ولكنها في النهاية تسعى لإبادة الشعوب، إما عسكريًّا عن طريق المذابح والمجازر، كما فعلت مع سكان أمريكا وأستراليا الأصليين، وإما اقتصاديًّا باستنزاف قدرات الشعوب واستعبادها كما تفعل الآن مع كل شعوب العالم.

حتى اليوم الشركات متعددة الجنسيات تدمر اقتصاديات الدول الفقيرة، وتلقي بشعوبها إلى جحيم الفقر والعوز؛ من أجل أن تزداد أرباحها إلى أرقام فلكية لا تقدر على إحصائها.

إنها ثقافة الإبادة التي يؤمن بها الغرب، والتي لا يستطيع مواجهتها والتصدي لها إلا الإسلام، هذا لو نجح المسلمون في إعادة بعث مشروعهم الحضاري القائم على حرية العقيدة والتعايش مع الآخر، ونشر العدل ومحاربة الظلم. هذا المشروع الحضاري الكفيل بأن تنطوي تحت لوائه كل شعوب العالم التي باتت تتطلع إلى الحرية الحقيقية في الاستفادة من ثرواتها وقدراتها، بعيدًا عن الاستغلال الغربي والاستعباد الاقتصادي للشعوب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الشرق, الغرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد