تفترض أي عملية تحول سياسي تشمل تغيير النظام، قطيعة مطلقة مع الثقافة السياسية السائدة. تتلازم مع إنتاج مؤسسات ثقافية سياسية واجتماعية جديدة في محاولة لإصلاح بُنى النظام القديم.

لم يكن هذا ما حصل مع التجربة التونسية، بالرغم من تميّز عملية الانتقال الديمقراطي فيها عن باقي الثورات مثل سوريا ومصر وليبيا، التي تعثرت فيها العملية الانتقالية. وظلّت حبيسة التصورات والبنى العقلية للنظام السياسي البورقيبي والنوفمبري القائم على القمع، نظرًا لفاعلية القُوى التقليدية وإعادة إنتاج نفسها عبر هياكل وأحزاب ومجتمع مدني يدافع عن مكاسبها ومصالحها.

ربّما وُصفت التجربة التونسية بـ«الاستثناء التونسي» إعلاميًّا، لما حققته من مكاسب دُنيا حفظت بها مصالح المجتمع السياسي والمدني المُتشكّل حديثًا، وما تميز به الفاعلون من ليونة في إدارة مشاكل السياسة، غير أنّ هذا «الاستثناء» لم يكن إلا نسبيًّا، باعتبار أن الثقافة السياسية الديمقراطية ما زالت هشّة وليس هناك إرادة سياسية فعليّة لترسيخها واقعًا بعد، ويُبرهن هذا الموقف التعدي والاعتداء المتكرر من السلطة على الحقوق المدنية للمواطن التونسي، كالمتعلقة مثلًا بالحق القانوني في محاكمة عادلة أمام القضاء.

مدنيّون أمام القضاء العسكري

ليس بالجديد إثارة قضية وقوف مدنيين أمام القضاء العسكري. آخر المتعرضين لهذا النوع من الاعتداء والتعدي العلني المفضوح عن حق المحاكمة المدنيّة للمواطن المدني، كان الناشط الإعلامي راشد الخياري الذي مَثُل أمام التحقيق العسكري بعد تقديمه لعمل صحفي يتحدث عن وجود عسكريين أجانب في القُطر التونسي، تأجّل النظر في قضيته يوم 5 ديسمبر 2016 ليتم إطلاق سراحه يوم 19 ديسمبر بعد تحقيق دام ثلاث ساعات. وكان المدون ياسين العياري أبرز المتعرضين لهذا الانتهاك لمّا مثُل في يناير 2015 أمام الدائرة الجناحية بالمحكمة الابتدائية العسكرية بتونس من أجل تهمة «المس من هيبة الجيش» بعد انتقاده لوزير الدفاع حينها على «الفيسبوك». ثم تعرض المحاميان، في نفس السنة من شهر  ديسمبر، عبد الرؤوف العيادي ونجاة العبيدي أمام قاضي التحقيق العسكري بتهمة «هضم جانب موظف عمومي».

وكان قد تعرض، في شهر مايو 2013، المدون حكيم الغانمي إلى المُثول أمام أنظار المحكمة الابتدائية العسكرية الدائمة بصفاقس على خلفية مقال نشره يوم 10 أبريل من نفس السنة في أحد المواقع التونسية، انتقد فيه عمل إدارة المستشفى العسكري بقابس.

إشكاليات مطروحة

ليست العملية الانتقالية التاريخية، بما هي انتقال هيكلي وبنيوي من نظام إلى آخر، خطابًا أو بيانًا يُلقى على الجماهير. وإنما هي تجسيد لمرحلة تحوُّلية تتأسس فيها مؤسسات وأنظمة إنتاج وأجهزة عمل تجديدية تتجاوز كل ما هو قديم ومتهالك، أي الانتقال من نظام سياسي تسلطي، وإداري بيروقراطي مُعقّد قامع للحريات وللحقوق المدنية والسياسية ومتعدٍّ عن إرادة الشعوب، إلى نظام ديمقراطي يحترم هذه الإرادة ويضمن كل شروط البناء الاجتماعي المواطني والعدالة الاجتماعية والمساواة. وهو ما يضعنا أمام سؤال الشروط الضروريّة لإنجاح هذا الانتقال في أطواره المتعددة؟ وجاهزية التشكيلات القديمة لتحوّل عميق تفرضه العملية الانتقالية؟ ومدى نجاح الديمقراطية التونسية الحديثة «الاستثنائية»، اليوم في تكريس مبادئ الديمقراطية الوليدة؟

ليس من السهل إنجاح تجربة الانتقال، إذا كنّا، وبعد ست سنوات، نلاقي نفس ثقافة التعامل مع المعارضين أو الناقدين للسلطة، مثلما كان يتعامل نظام بن علي الذي استغلّ القضاء كجهاز قمعي ضد معارضيه عبر الأحكام المدنية أو العسكرية المطلقة، فيجب على أجهزة السلطة الجديدة أن تتكيّف مع بيئتها الحديثة ومع عملية الإصلاح التي تفرض واقعًا ديمقراطيًّا مغايرًا لواقع الاستبداد والسلطة المُفردة، والذي يتطلب منها نقدًا جذريًا في البنى الذهنية والفكرية الداخلية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد