فقد أطلت علينا مجلة العربية في عددها (520) الموافق 1 فبراير (شباط) 2020 بكتاب (لتعارفوا)[1]، وهو عبارة عن مقالة في التحاضر الإسلامي كما ادعي ذلك صاحب الكتاب د. محمد جبرون.

ولقد ارتفع سقف إعجابي بهذا الكتاب عندما بدأت في قراءة مقدمته حيث ذكر أنه وسط بين مدرسة التصادم الحضاري تلك المدرسة المنغلقة على نفسها، ومدرسة التبعية الحضارية تلك المدرسة المنساقة خلف الحضارات الغالبة.

فما أن انتهيت من هذه المقدمة الشيقة وبدأت في فصله الأول حتى خر علي السقف من فوقي، فإذا بالكتاب دعوة صريحة للتبعية الحضارية ولسيادة الثقافات الغالبة محذرًا من المدرسة الأصولية التراثية، ويتجلى لنا هذا حين تعرض للخصوصية الإسلامية، فلم يفرق بين أصل وفرع، ولا بين ثابت ومتغير، ولا بين عبادات ومعاملات.

ثم أراد أن يضرب المثال علي أن ثابت اليوم لم يكن ثابت الأمس بإدخال الفلسفة اليونانية في العلوم الشرعية وكيف أنها لم يكن لها وجود قبل عام 200هـ، حتى طور المأمون دار الحكمة وأمدها بالإمكانات لتقوم بالترجمة والنقل.

ويعلق د. جبرون على هذا الحدث بقوله: (لقد أمست الفلسفة علمًا شرعيًا مطلوبًا تحصيله وتحصيل كل ما ينضوي تحته من علوم وآلة، وفي مقدمتها علم المنطق الذي أمسي منذ هذا العهد لدى كثير من علماء الإسلام من العلوم الشرعية الواجب تحصيلها).
وجعل من أبرز الأمثلة والأدلة في هذا الباب الغزالي وابن حزم، واعتمد في التفصيل على الفارابي، والأعجب من ذلك كله أنه عقد الإجماع لهذه المسألة ولا أدري من أين جاء به!

ولكن لماذا أشار إلى الغزالي في موضع معين وغفل عن الغزالي صاحب تهافت الفلاسفة الذي اعتبر أن محاولة استخدام الفلسفة في إدراك شيء غير قابل للإدراك بحواس الإنسان منافيًا لمفهوم الفلسفة أساسًا، ويجب أن تبقي مواضيع اهتمامات الفلسفة في الطب والرياضيات والفلك؛ وحتى تلك العلوم اليوم قد انخلعت من الفلسفة واستغنت عنها واستقلت بذاتها.

لماذا تناسى أن ظهور فرق الضلال كان مصاحبًا لظهور الفلسفة في العلوم الإسلامية وأن الأمه لم تنحدر إلا بعد ترجمة هذه الكتب بشهادة أصحابها فقد ذكر الصفدي: (أن المأمون طلب من بعض ملوك النصارى خزانة كتب اليونان وكانت عندهم مجموعة في بيت لا يظهر عليها أحد فجمع الملك خواصه من ذي الرأي واستشارهم في ذلك فكلهم أشاروا بعدم تجهزيها إليه إلا مطران واحد قال جهزها إليهم فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها وأوقعت بين علمائها). [2]
لماذا لم يتعرض د. جبرون لابن تيمية وكتابيه «الرد على المنطقيين» و«درء تعارض العقل والنقل» الذي يرد فيهما ابن تيميه على المنهجية التي يروج لها الدكتور ويبطل ادعاؤه أن المنطق أصبح من العلوم الشرعية الواجب تحصيلها وأنه زعمًا منه غير مبني على دليل، وإنما زعم بشبهة عند بعض العلماء أنكرها الكثير منهم في آخر حياته، وعلى رأسهم الغزالي الذي استشهد به.
ولا ندري أيضًا لماذا لم يتعرض حتى للخلاف الوارد في هذه المسألة.
بل على العكس عقد الإجماع الذي مفاده الوجوب دون تفصيل أو تأصيل محتجًا أن تحقيق المسألة ليست موضوع مقالته تلك.
ولكن على كل نحمد له ذكر هذه المسألة واستشهاده بها فقد أوضحت لنا إلى أي فصيل ينتمي هذا الكتاب، وعلى أي رف يوضع.

ثم ينتقل بنا د. جبرون انتقاله أخرى أراد من خلالها أن يتحدث عن قيم الإسلام التي تشكل مبادئ عليا للعلاقة مع الآخر الحضاري، وجعلها في ست قيم تكلم بالتفصيل في ثلاث منها:
1- قيمة التعارف: ومن خلال هذه القيمة قرر أن الاختلاف أمر كوني قدري وذكر الآيات التي قررت هذه الحقيقة، ثم عرج قائلًا «لم يوجه القرآن الكريم الإنسان المؤمن إلى مقاومتها والفناء في سبيل القضاء عليها، بل علي العكس من ذلك وجهه للتعايش معها».
وكما يتضح لكل إنسان ذي بصيرة وعلم بالشرع أن د. جبرون ذكر لنا نصف القاعدة ولم يتعرض للنصف المكمل لها وهي «إن الاختلاف أمر كوني ودفعه أمر شرعي» بدليل قوله تعالي «واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا» وما قرره العلماء من الجمع بين آيات الاختلاف القدري وآيات نبذ الخلاف والأمر بالاعتصام الشرعي.

لماذا لم يذكر د. جبرون ما انتهي إليه العلماء من الجمع بين الآيات؟
أم أن الجمع بينهم سيعطي دلالة تخالف ما يرمي إليه من وراء مقالته!

والأدهى من ذلك كله أنه استند على آية هي في الأصل حجة عليه لا له وهي قوله تعالى «يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقناكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثى وَجَعَلناكُم شُعوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفوا إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقاكُم إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبيرٌ».
فقد عقب على هذه الآية أنها لم تستغل بما يكفي في الفكر الإسلامي، وأنكر على المفسرين تفسيرهم لها على وفق شرطها الذي ختمت به وهي قوله تعالى: «إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقاكُم» فخالف الإجماع، بل أنكره بحجة أن هذا التفسير يبتعد عن قيم الاعتدال، وأنه أقرب ما يكون إلى قيم الاستعلاء المبنية على خلفية دينية.
وبناء على هذا نريد أن نعرف فلسفة د. جبرون في التعامل مع النص من حيث قداسة النص وضوابط تأويله من عدمها لكي نقف على أرض مشتركة نستطيع أن نحدد من خلالها نقاط الاتفاق التي تكون مرجعًا متفقًا عليه ونقاط الاختلاف التي تكون محل نظرنا وتنظيرنا.

فإذا كانت المشكلة في قداسة النص ناقشناها لأنه بعد عرضه للآية وذكر القيد الأخير فيها لم يلتزم بهذا القيد ووجه اتهامات قاسية لمن التزم في تفسيره للآية بهذا القيد الذي هو من صلب الآية، وضابط لها فكأني به يعترض علي ختام الآية «إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقاكُم» لا على إجماع المفسرين في التزامهم به.
كأني أراه قد اتخذ المفسرين غرض للاعتراض على هذا القيد المقدس خوفًا من نتائج هذا الاعتراض المباشر على القيد المقدس.

وهذه كانت محاولة من د. جبرون يمهد من خلالها إلى تخلي المسلم المعاصر عن مفهوم خيرية الأمة الإسلامية وهذا ما ناقشه مباشرة في القيمة الثانية من قيمه الثلاث، ألا وهي «قيمة التعاون على الخير والتنافس فيه».

2- قيمة التعاون على الخير والتنافس فيه:
واستند في هذه القيمة على قوله تعالى «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرَجِتْ لَلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمِعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤمِنُونَ بِالله».
ثم عقب على الآية بقوله عز وجل «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرَجِتْ لَلنَّاسِ» لا يحمل أي دلالة عنصرية، وليس مؤشرًا على نوع من الاصطفاء العرقي.
طبعًا وأنكر على المفسرين تفسيرهم لتلك الآية أيضًا وأنهم لم يلحظوا هذا المعنى الذي أشار هو إليه.

وحسبنا في هذه النقطة قوله تعالى في نفس الآية «وَتُؤمِنُونَ بِالله» فكان من أهم أسباب الخيرية الإيمان بالله وتحقيق التوحيد على مستوى الأفراد والجماعات والحضارات والدعوة إليه من منطلق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذلك استحقت الأمة الإسلامية هذه الخيرية التي أشارت إليها الآية دون أُمم العالمين.
والآيات والأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تحصى.

3- قيمة الرحمة:
وفي هذه القيمة لن نختلف معه في الآيات التي أوردها وعلق عليها، إنما نختلف معه في توجيه هذه الآيات بحيث أنه طالب المسلمين بتفعيل آيات الرحمة مع الحضارات الأخرى وأنكر عليهم أساليب الإرهاب والعنف.
وهذا اتهام غير مقبول، كيف ألبس الجاني ثوب المجني عليه، وألبس المجني عليه ثوب الجاني!
لماذا يوجه الخطاب للأمة الإسلامية بنبذ العنف والرحمة بالغير في الوقت الذي تستغيث فيه الأمة الإسلامية من كل أنواع الإرهاب التي تمارس عليها.
إننا لو أردنا ان نضع مقارنة بين أُمم الدنيا والأمة الإسلامية في تعظيم الأنفس وحرمة الدماء ما رجحت كفة أمة على أمة الإسلام، وأننا لا نقرر ذلك من منطلق تشريعي وفقط، إنما نقرره من منطلق تاريخي وواقعي لا يخفى على أحد صديقًا كان أم عدوًا.

الخلاصة:
إننا نقر ونوافق ونثمن وندعو إلى فكرة التحاضر، لكن بضوابط حفظ الهوية وتعظيم الثابت وعدم المساس به ومعرفة الغاية وقداستها والوسائل وتغايرها بتغاير الزمان والمكان.

بل لقد دعتنا السنة النبوية الشريفة بأخذ الحق والامتثال به ولو كان الآمر شيطان رجيم، حين قال النبي صلي الله عليه وسلم لأبي هريرة لما جائه الشيطان وأخبره بأن يقرأ آية الكرسي إذا أراد أن لا يراه مرة ثانية فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (صدقك وهو كذوب)[3] فأقر صدقه في خبرٍ كان فعلًا صادقًا فيه، بل أمر الصحابة وأمته بالعمل بنصيحته، ومع ذلك لم ينف عنه صفته الأساسية، وهي الكذب والشيطانية.

ولنا في عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أيضًا مثلًا في ذلك فقد أخذ فكرة الدواوين من الفرس والروم على كفرهم وعداوتهم ومحاربتهم، ولكن هذا لم يمنعه من أخذ ما لا يخالف ثوابته ومقدساته التي عليها قوام حضارته العظمى التي لم يكرر التاريخ مثلها، ولم تشرق الشمس على مثيل لها.

فالمسألة تحتاج إلى ضبط مفاهيم ومعرفة ثوابت وإيضاح مصطلحات وتحديد موقفنا من أصول الدين وتقرير هذه الأصول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد