٢ ديسمبر ١٩٧١م، هو تاريخ تأسيس الإمارات العربية المتحدة، والتي تسعى منذ هذا التاريخ لفرض سيطرة حضارية على المنطقة العربية، بل منافسة الحضارات العالمية من خلال تشييد ناطحات السحاب، وأطول برج في العالم: برج خليفه، قد نتفق أن تلك المباني بلا هوية وطنية، وإنما هي صورة من صورة التغريب العمراني، لكن ما لا نختلف عليه أنها بلد تسعى لتخليد اسمها فيما بعد، ليس في المجال العمراني فقط؛ فقد أعلن المجلس التنفيذي لإمارة دبي، عن خط دبي الذي يعكس هوية الإمارة، ودخولها لعالم الابتكار الرقمي، وتصميم الخط تم بتعاون مع شركتي مايكروسوفت ومونوتايب.

القصد من تلك السطور السابقة أن هناك دولا وليدة القرن الماضي، ولدت بلا حضارات، ووجدت نفسها وسط عالم لا يذكر من لا تاريخ له، فكرست جهدها على صناعة حاضر؛ ليكون تاريخا لها في المستقبل. لكن ما يقال فيه المصاب جلل، والفقد العظيم هو حال تلك البلاد التي كانت عبارة عن حضارة وُلد لها شعوب، والآن تكرس كل جهدها لمحو تلك الحضارة المصحوبة بالهوية.

تعد الهوية الحضارية من أهم السمات المميزة للمجتمع، تلك الهوية التي تجسد الطموحات المستقبلية في المجتمع وتبرز معالم التطور في سلوك الأفراد وإنجازاتهم في المجالات المختلفة، وتعرف الهوية بأنها الإطار الكلي الحاضن لمجموعة المفاهيم والقيم التي حكمت إنجازات الأمة في خبرات تاريخية متميزة تشكل بمقتضاها وعي الإنسان وثقافته، وتعني الهوية في مجتمع ما حضور كل من التاريخ والثقافة والفكر والإرادة في صناعة الفعل الحضاري، وهي تشتمل على التاريخ الحضاري للمجتمع، بما يجسده من دلالات لعلاقة الإنسان بالمكان والزمان وثقافة المجتمع بما تنطوي عليه من توجهات وقيم حاضنة ودافعة لقوى الإبداع والتميز، وفكر الإنسان بما يعبر به عن اعتزازه بتاريخه وانتمائه لثقافة مجتمعه، ومجموعة القيم الداعمة لإرادة العمل المجتمعي مزيج من هذا كله كامن في وجدان الأمة. عبد الله الدمياطي، الحوار المتمدن 2011.

قبل سبعة آلاف عام، قرر فراعنة مصر تخليد معتقداتهم الدينية والحياتية، بل وأجسادهم لآلاف السنين، فكان ذلك التخليد منعكسا على حضارة عمرانية، فظهر ذلك على جدران معابدهم، آمنوا بآلهة عديدة فرمزوا إليها ببناء التماثيل، آمنوا بالبعث والخلود في الحياة الآخرة، فشيدوا المقابر للنبلاء والعديد من الأهرامات للملوك، كانوا دائما ما يشعرون بعظمتهم الشخصية، وتميزهم عن باقي البشر؛ فانعكس ذلك على مبانيهم، فظهر البهو الكبير المؤدي إلى مدخل قصر الحكم على جوانبه الأعمدة المرتفعة المتراصة تواليا وتوازيا؛ ليشعر غريبهم بالرهبة عند الدخول.

تلي ذلك العصر اليوناني وحكم البطالمة (333 – 30 ق.م) بعد دخول الإسكندر إلى مصر، وبنائه مدينة الإسكندرية، وبعد وفاته تولى حكم مصر بطليموس، وهو أحد أفراد قوات الاسكندر، أسس اليونانيون حضارة نابعة عن فكرهم وإيمانهم بالعلم والفنون والصناعة والتجارة، أصبحت الإسكندرية الميناء الأول في البحر المتوسط بفضل منارتها التي اعتبرها الإغريق إحدى عجائب الدنيا السبع.

وأصبحت للعمارة اليونانية ثلاثة طرز، نسبة إلى الأعمدة المستخدمة في بنائها، وهي الطراز الدوري، والطراز الأيوني، والطراز الكورنثي. اهتم اليونانيون بالعمود كعنصر مهم من عناصر العمارة، فأوجدوا ثلاثة أنواع من الأعمدة.

العمود الدوري: وهو أقدم أشكال الأعمدة وأشدها صلابة وأكثرها فخامة، يرتكز مباشرة على الأرض بدون قاعدة، تاجه مكون من قطعتين، قطعة مستديرة (أشين) وقطعة مربعة فوقها (أباق)، وقد استخدم هذا العمود في معبد (البارثنون).

العمود الأيوني: ويمتاز بأن لبدنه أربعا وعشرين قناة عمودية تفصلها مشطوفة، أما تاجه فيتكون من وسادة ملفوفة بغلاف حلزوني متجه نحو الأسفل، ويوجد هذا النوع من الأعمدة في معبد (أرتيمس ديانا).

العمود الكورنثي: له قاعدة مشابهة للعمود الأيوني، إلا أنه يختلف في بعض الحليات والنسب، وتاجه مزخرف بأوراق نباتية على شكل صفين في كل صف أربع أوراق، وهو قليل الاستعمال، وموجود في معبد (زيوس) الأولمبي.

ثم لحق بهذا العصر عام 30 ق.م عصر الدولة الروماني الذي لم يضف كثيرا في أفكار الفن المعماري أو يطرح فكرا خاصا به، لكن اعتمد بشكل مباشر على نقل الحضارات واستمداد حضارته في مصر من الحضارة الفرعونية والحضارة الإغريقية، فاستخدمت الأحجار الفرعونية في البناء، بدلًا عن الطوب، ونقلت تصميم الأعمدة الإغريقية إلى معابدها، كان العصر الروماني لا يهتم كثيرا بالشأن الديني، بذلك لم يظهر في هذا العصر الكثير من المعابد والمقابر، لكن انصب اهتمامهم بالمباني الدنيوية.

ثم تحولت مصر إلى العصر القبطي الذي شهد تأكيدا على تراث ما سبقه من العصور المهتمة بالعمارة الدينية، وكان التصوير السائد في العصر القبطي امتدادا للطريقة التي تواترت من العصور السابقة في مصر، وهي التصوير بألوان الأكسايد (الفرسك) على الحوائط المغطاة بطبقة من الجبس.

ووفقا للمهندس داود خليل مسيحة أن العمارة المسيحية في مصر بدأت منذ القرن الخامس الميلادي؛ لأنه لم يُعثر على أي من المباني الكنسية في مصر منذ القرن الرابع الميلادي، باستثناء بعض الأمثلة غير الموثقة، لكن لا بد أنه كان هناك مبان أقدم، لكن تهدمت، وقد يرجع ذلك إلى كونها مباني مبنية من الطوب اللبن، ولم تكن لها نظرة الامتداد الزمني المستقبلي.

ثم شهدت مصر العصر الإسلامي الذي أنشأ مدينة الفسطاط أول عاصمة إسلامية مصرية، شهد ذلك العصر أنواعا جديدة من الفنون المعمارية في بناء المساجد وفنون الزخرفة والقلاع العسكرية وبوابات القاهرة، ثم شهدت الحضارة الإسلامية في مصر بناء القاهرة الفاطمية على يد جوهر الصقلي، قائد جيوش الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، عام 970م، الذي ابتدأها ببناء الجامع الأزهر.

كان العصر الذهبي للمدينة الإسلامية في الفترة بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر؛ حيث شهد العالم الإسلامي طفرة كبيرة في النمو الاقتصادي، صحبته طفرة في التقدم العلمي والفني والحضاري، واستمرت المدينة الإسلامية بعد ذلك فترة تتراوح بين أربعمائة وخمسمائة سنة من الركود الحضاري والعمراني لم يضَف فيها أي معالم عمرانية على المدينة الإسلامية، واستمر هذا الحال حتى القرن التاسع عشر عندما بدأت تظهر آثار الثورة الصناعية في أوروبا، التي تبعتها مرحلة النمو الاقتصادي والتوسع الاستعماري، الأمر الذي أحدث تحولات جذرية في المدن الإسلامية بعد ذلك، ولم تظهر هذه التحولات في النواحي العمرانية فقط، بل امتدت أيضًا إلى الجوانب الاجتماعية والنظم الاقتصادية، وتقهقرت بذلك القيم التي كانت تسود المدينة الإسلامية من قبل، ففقدت المدينة الإسلامية بذلك شخصيتها الحضارية ومقوماتها العمرانية، محمد عبد الباقي إبراهيم – الخصائص العمرانية للمدينة الإسلامية 1996.

تلا العصر الإسلامي من الناحية العمرانية العمارة الخديوية، وهو ما يعرف بالعصر الحديث الذي بدأه محمد علي واستكمله أبناؤه من بعده، لكن كان فترة ازدهار ذلك العصر عمرانيا في عهد الخديوي إسماعيل الذي تكونت في عقله صورة ذهنية كاملة بعد سفره إلى العديد من الدول واستقراره فترة كبيرة في باريس قبل أن يحكم مصر، فأراد إسماعيل أن يؤسس لدولته وينقل إليها حضارة غربية تماثل الحضارة المعمارية الفرنسية، فأمر باستدعاء مهندسين أوروبيين لتشييد القاهرة الخديوية التي بدأها ببناء قصر عابدين لنقل مقر الحكم من القلعة إليه، وشهد هذا العصر عدة طرز معمارية مستمدة من عصور سابقة استمد منها العمران المصري قوته:

عصر النهضة

ومن أبرز سمات ذلك العصر في العمارة هو الاعتماد على النسب والنظريات الفيثاغورثية، ومقارنة ذلك بحجم الإنسان كمثال واضح ومقياس ثابت، واستخدام نمط الوحدة في المباني والمنظور والشكل الخارجي واستخدام الصخور كوحدة بنائية. واعتمد التخطيط العام في عصر النهضة على استقامة الشوارع وإنشاء الحدائق والقلاع.

العمارة الكلاسيكية

وهو نمط بنائي تم استخدامه في العمارة اليونانية والإغريقية والرومانية، وكان دافعا رئيسا في إبراز العمارة بتراثها الفريد في عصر النهضة، وهي إشكال الواجهات الموجودة حاليا في مناطق وسط البلد.

طراز الآرت ديكو

وهو طراز فريد تميزت به باريس في التصميمات الداخلية، وهي أشكال فنية لتمييز الأشكال الداخلية بالألوان والمعادن.

كذلك استخدم طراز الباروك المشهور بكثرة استخدام الزخرفة في المباني، كما تم استخدام الطراز الإسلامي الجديد، وغيره من الطرز الأوروبية التي أثرت روح العمارة، وجعلتها أما للفنون.

يعتبر العصر الخديوي هو آخر عصر يؤسس لحضارة أو هوية مصرية لها شكلها الخاص وطابعها الفريد، حتى وإن كان ذلك يدخل تحت محاولات التغريب العمراني، لكن ما نتفق عليه هو ذلك الطابع المعماري الجمالي الذي يشعرك بالراحة والسكون عند النظر إليه.

علي مر العصور السابقة ورثنا العديد من الحضارات العمرانية التي تعاقب عليها أجيال عديدة ربما كان لا يمتلك سابق الأجيال آليات وإمكانات المحافظة على تلك المباني بالقدر الذي يمتلكه الجيل الحالي بعد الثورة الصناعية والتقدم التكنولوجي وكثرة المختصين والباحثين في شأن التراث والحفاظ عليه.

اندثرت بعض تلك المعالم بالطبع، ولم تصل إلينا كأنها علمت أنها إن لم تندثر بمفردها في السابق، فستندثر في اللاحق بقصد حكومات لم تدرك قيمتها، لكن لا يلزمها إلا الأموال. على مدار الـ 40 عاما الماضية تم هدم 140 ألف مبنى أثري. -فاروق حسني، وزير الثقافة الأسبق. نعم ما قرأته صحيح وليس خطأ إملائيًا، 140 ألف مبنى أثري في مصر تم هدمه لبناء أبراج سكنية مكانه، أو مشروعات استثمارية أخرى.

بعض تلك المباني من العصر الخديوي تكون أملاكا خاصة، وتخضع لقوانين الإيجارات القديمة، وتدخلها الحكومة في قائمة المباني الأثرية الأمر الذي يمنع بيعها أو ترميمها من قبل المالك، ولا تقوم الجهات المعنية بالاهتمام بها أو ترميمها، فيضطر المالك إلى رفع قضية لخروج المبني من قائمة المباني الأثرية كما حدث مع 52 مبنى أثريا بمدينة الإسكندرية، وبالفعل تم هدمها وبيعها من قبل المالك، أو بناء أبراج سكنية مكانهم. ناهيك عن القصور التي ترجع إلى ذلك العصر، ولا تمتلكها جهات خاصة، وأصبحت تعرف بين سكان المنطقة ببيوت الأشباح.

وإن تحدثت كثير عن فساد ما يحدث في ترميم المعابد الفرعونية، فلن تسعنا مقالة واحدة، أكتفي برصد تقرير مؤسسة دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان، في تقريرها لشهر يناير 2016، الذي حمل عنوان (مؤشر الفساد)، إن وزارة الآثار المصرية قررت ترميم معبد الكرنك، الذي يعد أهم معبد في العالم، باستخدام الإسمنت.

كما نتذكر جميعا الحادثة الشهيرة للصق ذقن توت عنخ آمون بالصمغ عام 2015.

ختاما؛ لا مستقبل لمن لا تاريخ له، إن الحضارات لا يحافظ عليها بالكلمات، وإن مقولتنا في كل مصيبة تحدث أننا حضارة 7000 عام، ولن يقدر أحد علينا سيأتي جيل بعد ذلك لا يعلم ما هي تلك الحضارة التي يتحدثون عنها؛ لاندثارها مع الزمن، واستبدال بها الإسمنت والصمغ ودهانات كابسي.

وأختم بما بدأت به أن هناك بلدانا ولدت بلا حضارة ولا هوية، وبلدانا أخرى تسعى بكل قوتها لهدم حضارتها وتغريب هويتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد