عمليًا، انتهت مرحلة «داعش»، ولا يمكن لأمريكا واستخباراتها أن تنتصر في كل مرة؛ فقد تغيرت نظرة الدول حول أحادية القطب، والعلاقات الدولية تتجه نحو تعدد الأقطاب الدولية بشكل حقيقي. وبدأت تشكو من العولمة التي خرقت غرف نوم الرؤساء، وهتكت الحرمات، وتعدت كل الخطوط الحمراء، والحراك الأمريكي في الشرق الأوسط، ومنطقة المياه الدافئة، ذهب إلى قاعدة فيزيائية، تقول «من حرك ساكنًا لزمه»، ولكن لزوم الأمر يحتاج إلى أموال أكبر مما لو جيشت جيوش، وآلات حرب لها.

الله تعالى قد أودع سننه في كل ما خلقه، فإن سنن الله تعالى فاعلة حتى في العلاقات الدولية، وكما أن سننه في الإنسان الهرم، ففي الدول والعلاقات الهرم كذلك.

الأمم باقية إلى يوم القيامة، ولكن الحياة دول تتداولها، الفرس، الروم، الحملات الصليبية، الخلافة العثمانية، قوات المحور، قوات الحلفاء، فالولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي، والاتحاد الأوروبي، كلها، كتب لها الهرم، وأخيرًا النظام العالمي الجديد بقيادة أمريكا الذي سيكتب له أيضًا.

واليوم بعد هرم أوروبا، أدى إلى انسحاب أقواها، بريطانيا، وعدم استقرار روسيا الاتحادية، جعلها تتحالف مع إيران، تحالفات جديدة بين إيران والغرب بعد انسلاخ إيران عن هويتها الإسلامية، والعودة إلى المجوسية؛ لأنها لا تتبع، بل تبتدع في الدين، الصين، ودول إفريقيا، التي كانت بعيدة كل البعد عن الصين باحتكار أوروبي، تحالفات الصين مع الشرق الأوسط بعد أن طورت مبادئ قتالية جديدة توازي القوى العظمى في المنطقة، تركيا مع روسيا واليوم تعبر سفن حربية من مضيق البسفور في مشهد لم يحث منذ الحرب العالمية الأولى.

الصين تحطم كافة الأرقام القياسية وأصبحت قوة حقيقة مرموقة على الساحة الدولية تتجه إليها أنظار الدول كافة، وأصبحت تغزو الفضاء بمركبات مأهولة، مثلها مثل روسيا وأمريكا، ولا يمكن إهمال الميزانية العسكرية للصين التي أصبحت ثاني أكبر ميزانية بعد أمريكا،واليوم تبحث عن قاعدة بحرية في عدن!

وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي كان ينظر المراقبون للسياسة الدولية إلى حتمية ظهور قطب آخر للعالم، وكان مرشح لها الصين منذ ذلك الحين، ولا يزال هناك جدل حول ما إذا كانت روسيا، والصين، هاتان القوتان العظميان، في حالة تحالف عسكري رسمي أم لا، أو ما إذا كان بالإمكان الحفاظ على استمرارية تحالف كهذا على المدى الطويل. وغالبًا ما تجدان نفسيهما على طرفي نقيض مع الولايات المتحدة، إضافة لذلك، هما بلدان جاران، وهناك حدود برية كبيرة بينهما. فالواقع الجديد يرى بوضوح حتمية ظهور قطب جديد، من خلال التحالف الروسي – الصيني، واحتياج الصين للخروج من الإقليم كأيون موجب، وعدم استقرار روسيا اقتصاديًا، كأيون سالب، سيجعلهم يبحثون عن المعادلة الكهربائية في قطبين أو أكثر، على اعتبار أن العالم ليس بشكل مغناطيس مستقيم يمتلك قطبين شمالي وجنوبي فقط.

ما يهمني من هذا الأمر هو وضع أمتنا الإسلامية والاستفادة من تعدد الأقطاب، فهل أصبح من الواجب على الجميع مراجعة مواقفه، إن كان ضد أو على حياد من اتحاد إسلامي في ظل تحولات حضارية يعيشها العالم؟

من الواضح أن هنالك أزمة حضارية وسقوط أخلاقي في المجتمع الدولي، وأسباب موجبة لحرب عالمية ثالثة «كالموصل وحلب»، مثلًا أكبر من الأسباب التافهة التي قامت عليها الأولى والثانية، ولا يمكن التغلب على الأزمة الحضارية، إلا في الإصلاحات العلمانية العلمية، وهنا أضع خط تحت «العلمية»، ولا أقصد العلمانية التي هربت من حكم الكنيسة إلى حكم الشعب بديمقراطية غبية أوصلت طبقة هجينة إلى السلطة بلا توافق لإدارة دولة، وليكن طرح العلمانية بجرأة، مثل تركيا التي قدمت معالجة مختلفة للعلمانية الجديدة بعيدًا عن الليبرالية غير المحكومة بشريعة من الله تعالى، ولا مأمورًا بها من الخالق، باتباع منهج إلهي ينظم حياته كلها، وهذا سيكون من شأنه انتقال مركز الحضارة وعودته إلى العالم الإسلامي الذي قاد العالم بأخلاق وقيم لأطول زمن بسلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحضارة
عرض التعليقات
تحميل المزيد