كلمة الحضارة معناها اللغوي، قد ناقش فيها العلماء في الكتب العلمية، وبكلّ بساطة إن الكاتب سوف يسلك طريقة يفهم بها القارئ هذا المصطلح فهمًا واضحًا من حيث أنإه يمكن إدراك مفهومها من خلال المرادفات كالعلم، والحداثة، والتمدّن، والتطور، والتنوير، والازدهار، والتقدّم، والترقية، والسعادة، والرّفاهية، كلّها تفسر معنى انتقال الإنسان خلال التاريخ من الحياة البدائية إلى عالم جديد.

عناصر الحضارة

البيئة، الإنسان، «الاتجاهات أو الأيديولوجيات» التي تتطوّر تدريجيًا مع مرور الزمن.

مظاهر الحضارة

المراكز التعليمية، والمنازل الطويلة، والسيارات الفاخرة، والمصانع الكبيرة، والمنشآت الموقدة، والأنوار الإلكترونية الساطعة، الخامات النقدية، والثروات المعدنية، ووسائل النقل الحديثة،والقنوات الفضائيّة، والوسائل الإعلامية، والعروض التجارية، والبساتين الجميلة، والمؤسسات الطبية، وأخيرًا الشبكة العنكبوتية وإن كانت من وسائل الاتصال الفردية والجماهيرية.

سمات الحضارة

الاتجاهات الفلسفية، والأنظمة الاجتماعية، والسياسية والاقتصادية، والمراكز التجاريّة، والسلطة، والحكومة، والمفاهيم، والمعتقدات، العلوم والفنون، الثقافة، والعادات، والتقاليد، والقيم، والأخلاق، الأفكار، والاتجاحات، والمناهج، وغيرها.

بعدما عرضنا مظاهر الحضارة وعناصرها، وسماتها جملة، يمكن إجراء عمليّة تحليلية عليها بغية قياس الأنماط التي تترى في سلوك المجتمعين المعنيين من خلال دراسة الثقافات التي تسود فيهما، فالثقافة هي المعيار الذي يمكن من خلالها المعرفة مواطن الاختلاف بين السلوكيات والمفاهيم على غرار وجهة نظر الإسلامي والعلماني كالتالي:

لا شكّ أنّ العالمين الإسلامي والغربي لايختلفان في الظواهر الحضارية المرئية الملموسة

لكون كل منهما يتفاعل بشكل إيجابي مع هذه الظواهر بالامتياز، بل ويسعى إليها معيارًا للنهضة والتقدّم والازدهار، إلاّ أنّ نقطة الاختلاف لمفهوم الحضارة بين المجتمعين تدور حول السمات الأيديولوجية الفكرية التي تنبثق منها ثقافة كل منهما، ومن هذا المنطلق يتبنّى موضوع هذا المقال التّالي:

مفهوم الحضارة في الإسلام

فالمفهوم الإسلامي للحضارة هي بكلّ بساطة، انتقال الإنسان من ظلام الضلالة إلى نور الهدى بمعرفة خالقه وتوحيده مع إعمار الأرض وفقا للمبادئ الإسلامية التي تنظم سلوك الفرد والمجتمع على المنهج الرّبّاني المستقيم، لكونه خليفة الله في الأرض، وهذه المبادئ الإسلاميّة هي السراج المنير الذي يمشي عليه الإنسان المسلم، سواء في العبادات، أو المعاملات، أو العلاقات، وتستمدّ منها العادات والثقافات والقيم، والاتجاهات النفسية والسلوكية.

مفهوم الحضارة عند الغرب

أما الحضارة في مفهوم الغرب التي تقوم على اتجاهات «العلمانية» بمعنى نظرية فصل الدين عن الدولة، تستمدّ مبادئها من القانون الوضعي والاتجاحات الاقتصادية المادية البحته، لم يقف مخترعو هذا المصطلح على هذا المفهوم فقط وإنّما انحازوا طغيانًا إلى الإلحاد، وقد تطوّرت الفكرة الإلحادية خاصة في الجمهويات الاتحاد السوفيتيكية سابقا بآسيا، على رأسها «روسيا»، ذلك بعد تفكيكها إلى دويلات في عام 1991م، والإلحاديون هم الذين لا يؤمنون بوجود الله، ناهيك عن الإيمان بيوم الحساب والجزاء، والجنّة والنّار، والمغفرة، والعقاب.

على أي حال لا شكّ فيه أنّ لكلّ مجتمع ثقافته، التي يفتخر ويتعزّز بها بل ويحترم من ينتمي إلى ثقافته ويحبّه، ويجد من خالف هذه الظواهر الاجتماعيّة غريبًا أو متخلّفًا.

وبما أنّ العلمانيين حقّقوا كثيرًا من الإنجازات في مجال الصناعة، والطب، والتكنولوجيا – ولا أحد يعارض ذلك – انتهزوا هذه الفرصة للسيطرة على المجتمعات الأخرى على أساس أنّهم الفائزون في إنجاح الدّنيا بل هم الغالبون على المجتمعات الأخرى، وينبغي فرض أيديولوجياتهم عليهم طوعًا أو كرهًا، فظهرت المصطلحات السياسية المختلفة: الاستعمار، الحريّة، حقوق الإنسان، أوتوقراطيقية، الديمقراطية الليبرالية، التي تعطي جميل الحقوق للمواطن – حسب روادها- إلاّ أنهم لا يسمحون بالمتديّنين على رأس دولة ديمقراطية بسهولة، وهذا معروف في العالم.

الغزو الفكري

بعد مرحلة الاسترقاق وهي مرحلة ما قبل الاستعمار، التي عرفت باتجار الأفارقة إلى الغرب، وتلاها الاستعمار، ثم الاستقلال، وبناء المدارس العلمانيّة في البلاد الإسلامية وخبؤوا روح الكنيسة والعلمانية وراء التربية الغربية، ثم توفير منح دراسيّة لأبناء الدول المغنية للدراسة في الغرب، ومن هنا بدأوا بتغليل أفكارهم، ويعلّمونهم حضارتهم وكيفية حياتهم، وبعد ذلك فتحوا حدودهم للأمم المختلفة إلى البلاد العلمانية باسم الهجرة الشرعية، وهم يعلون جيّدًا أنّ هؤلاء النّاس سيتأثرون بثقافتهم وعاداتهم وقيمهم، بنيّة نقل تلك الظواهر إلى بلادهم الأصلية.

كما حاول العلمانيون جلب عواطف مجتمع الإسلامي إلى اتباع ثقافتهم ومحبّة نوع حياتهم، وإعطاع تقدير لقيمهم ولغتهم، فمن استجاب يحبّونه ويرضونه، قال تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم) البقرة، الآية 120.

وأخيرًا اتخذوا القنوات الفضائيّة لتعكس ثقافتهم المتبنية على اتباع الهوى مطلقًا على الشعب الإسلامي، فاستجاب الشباب والشابات هذه الدّعوات دون التفكير العميق في خلفيتهم الثقافية، ومبادئهم الدّينية، فيرون الغرب جنّة، وكلّ شيء عندهم مباح، والحياة عندهم حلوة، فبدأوا يتعاطفون معهم ويفتخرون بأسماء نجومهم في الأفلام ويقلّدون سلوكهم وتصرفاتهم ومظاهرهم في اللبس العرياني للبنات، واللبس الضيق للبنين، وثقف الأذنين، والرّقصات في الشوارع، والأغاني الفاتنة، وأكل ما تشتهي به أنفسهم، وشرب الخمور والكحول، واختلاط الرّجال بالنّساء في الأماكن العامة والخاصة، ولعب القمار، ويكلّم الولد أباه بالوجاهة كأنّه زميلا له في ميدان الكرة، والفتاة عندما تبلغ من العمر 18 سنّة تتصرّف كما تشاء باسم الحريّة، فتخرج وتعود من البيت متى شاءت، وتلبس كما تريد، وتبرم علاقات وديّة مع أي شخص تريد، بل وتأتي في البيت مع صديقها ولا أحد يعارض، قال تعالى : (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ) سورة النّمل، الآية : (24) والأسوء أنّه في جلّ الحالات إذا كبر ولدا وبلغ سنّ المراهقة المتأخرة يمكن أن يقول لوالديه «أفّ» لّكما، علاوة على ذلك أنّه يتجرأ ليحيل والده الذي أوجده في هذا الكون إلى السجن لشيء محظور دينيًّا عمله، تحت مساندة الحكومة العلمانية، دفاعًا عن مبادئ الحرية وحقوق الإنسان.

الأخ المسلم والأخت المسلمة! هل يمكنكما أن تتخلّقا بهذه الأخلاق؟ إذا كانت الإجابة بنعم! فأين خبأتما القرآن والسنّة؟ وإذا كان الجواب بلا! فاعلم أنّككما على صراطكما المستقيم، وهذا هو الفرق بين مفهوم الحضارة في عالمي الإسلامي والعلماني.

فالحضارة الإسلامية متكاملة تتبنّى على جانبي الروحي والمادي، أما الحضارة العلمانية فهي ناقصة من أجل أنّها تتبنّى على جانب المادّة فقط ومعدوم فيها الجانب الرّوحي.

وصلى الله على السيد المصطفى الأمين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد