ورد مثل فرنسي يقول «لايزال الطفل بريئا ما لم يصفق» تعبيرا على أن التصفيق بداية الإعجاب وأحيانا قد يتحول إلى مجاملات قد تكون في غير موضعها، فينبت حينها النفاق، وسواء هذا مثل صحيح أخاطئ فإن العبر منه كثيرة.

أيها السادة، إن التصفيق المجامل المنبت للنفاق، دائما نبتته معوجة أصلها ثابت في النفاق وفرعها في الأرض؛ مما قد يثمر صناعة الغطرسة فإذا تواصل التصفيق وتواصلت الإشادة قد يدفع المصفق له إلى الزهو والغرور الموصل إلى طريق الظلم والجور، وإلى التأله أحيانا إذا كان المصفق له مستعدا لذلك، ولهذا حرصت كافة الأنظمة المستبدة أن تصنع لها جيلا من المصفقين تستعين بهم على استمرار افعالهم الشنيعة التي لا يقبلها الحر، والتي قد تسلب من اللبيب عقله ومن الحكيم فطنته فيصبح العالم فيهم كالجاهل سواء بسواء.

أما التصفيق يا سادة والمفضي إلى النفاق وصناعة المتغطرسين فهو قديم منذ الأزل ولنا في ذلك أمثلة سريعة:

ما اكتشف من صور ومخطوطات للفراعنة وهم جلوس وحولهم طائفة العبيد والتي ترصد حالة المصفقين وحركة الأيدي زهوا ونفاقا للفراعين، وما أصدق القران الكريم حين قال ربنا عن فرعون: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) الزخرف 54.

ما حكي عن بلاد الإغريق وحكامهم وما كانوا يدسونه من أشخاص مصفقين بين صفوف الجماهير أثناء مشاهدة عروضهم حتى يلهبوا مشاعر الجماهير للضحك والإعجاب بما يقدم من عروض بلهاء لا يقبلها عاقل وأصبح التصفيق مهنة لها حضور وتسعيرة محددة لان أصحابها يديرون غطاء مستترا تغيب تحته عقول الجماهير.

ما ورد عن نيرون حينما صنع جيشا من المصفقين المغرمين بأفعاله والمسوقين لها وسط عموم الجماهير حتى دمر روما وحرقها بأكملها في ظل تصفيق المعجبين والإشادة بصنيعه.

وإليكم يا سادة المثال الصارخ والذي يعد نموذجا فريدا في التصفيق المبطن بالعمالة، إنه (الميرزا غلام أحمد القادِياني) 1839 – 1908 ذلك المخرب الذي ضلل المسلمين بالهند وصنع صناعة إنجليزية متقنة باحتراف. والسؤال هنا كيف تمت صناعة هذا النوع من المصفقين وما هي دلائل تصفيقه وعلامات نفاق الرجل؟

تبدأ القصة بعد قيام الثورة الهندية ضد الإنجليز عام 1857 أيقنت بريطانيا تماما أن المؤثرين ومحركي الجماهير لهم دور بارز لا يغفل، وأن تهييج الرأي العام قائم على أشخاص لهم قبول مجتمعي من نوع خاص وأن أعلى درجات تأثير هؤلاء أساسها العاطفة الدينية وخاصة عند المسلمين، وأن الحل عندهم هو صناعة نموذج يقبل الناس عليه ثم يتجه بهم إلى حيث يريد الإنجليز؛ فكان الاتفاق على دعم والد أحمد ميرزا غلام ليكون موظفا لدى المستعمر والإشراف على تربية ابنه أحمد ليكون حافظا للقرآن، ولما كبر أحمد بدأ يخاطب المسلمين ويجمعهم ويقول لهم إنه بصدد كتابة 4 مجلدات يثبت فيها عقيدة المسلمين الحقيقية، وأنه يجب على المسلمين أن يدافعوا عن عقيدتهم ضد تخاريف الهندوس والنصارى وغيرهم.

دفع الميرزا بكل قوته وما امتلكه من مهارات الخطابة والتأثير ليساهم المسلمون بكل ما يملكون نصرة للدين في شخصه وأنه المخلص للعقيدة الإسلامية من شوائب وضلال الملل الأخرى. فكان فقراء وأغنياء المسلمين يدفعون من قوتهم حتى تطبع مجلدات العقيدة الصحيحة وبالفعل تم الطبع ولكن فوجئ الناس بالمجلدات الأربع التي حملت عنوان (البراهين الأحمدية). بأنها حملت بين صفحاتها فكرا سفاحا رجيما.

يقول في الجزء الثاني من براهينه إنه المهدي المنتظر وإن روح إبراهيم تجسدت في شخص النبي (محمد) وإن روح محمد قد تجسدت في شخصه فبدلا من أن يدحض شبهات الهندوس والنصارى فإذا به يقدم ضلالا مطبقا إفسادا في الأرض وتضليلا للخلق.

لم ينته الأمر إلى ذلك فقد رصد في المجلد الثالث من براهينه تمجيدا للاستعمار البريطاني وأنهم منقذون للبلاد وأن من يخرج عليهم فقد خالف الكتاب المقدس، وأخذ ينشر فكره بالبلاد مصفقا لبريطانيا خائنا للأمانة التي أمنه عليها المسلمون. مدعيا بأن الرحال تشد إلى مكة والمدينة وقاديان وأغفل القدس تقديرا لدور بريطانيا واليهود.

من خلال تلك النماذج السريعة يتضح أن التصفيق المفضي للنفاق والغطرسة ضارب في جذور التاريخ وانه ليس حديثا. ولكن هل هناك نماذج في وقتنا الحالي تدلل على هذه الحرفة المتقنة ألا وهي صناعة المصفقين؟

أيها السادة، إن حرفة التصفيق منتشرة، قد يلجأ إليها مديرك  أو تتعمد مؤسسة استخدامها إرضاء لمحافظ أو رئاسة مدينة، أو غير ذلك من صور التصفيق وقد يلجأ إليه قادة الرأي لفصيل معين فيسعون إلى صناعة مصفقين لهم يستخدمونهم حين تعصف بهم الأزمات، فينشرون عنهم ما ليس فيهم، ويمهدون لهم طريقا يجذب إليه أنصارا وأتباعا قد أعماهم التصفيق.

فلربما استخدمت هذه الحرفة في الإدارة وربما كانت منجاة لأهل الفكر. تلك كانت نماذج خفية قد لا تلاحظ لأن نطاق استخدام هذه الصنعة ضيق في هذا الباب.

هل استخدم التصفيق في عالم السياسة كما استخدمته بريطانيا مع القادياني؟ إن إجابة هذا السؤال سهلة ميسورة وخاصة أن الأحداث التي تمر بنا متلاحقة ومتعاقبة ويعتبر التصفيق ركانا أساسيا في صناعتها وإليك ما يلي:

استغل المتلاعبون بالعقول حرص المصفقين على القرب منهم فتشكلت صناعة التصفيق في عالم السياسة مستغلة أشكالا ثلاثة من صنوف المصفقين وهي:

مصفق هدفه الانتشار والشهرة

وأن يكون رمزا، ولهذا فلا تعجب أن تثار قضايا التشكيك في الثوابت أو تنشر قضية اجتماعية فيأخذ فيها الناس زمنا في الهجوم تارة والدفاع أخرى، وينسى همه الأساسي وهنا يرفع المصفق وينال القرب من البلاط فهنيئا له عندئذ. وما أصدق من قضية (سنجل ماذر) دليلًا على هذا النوع.

مصفق هدفه الحرص الشخصي وأمان الجانب

ولهذا بم تفسر أن يخرج عليك شيخ من العلماء يدعي أن وزيرا أو حاكما هما من رسل الله كموسى وهارون؟ ألا يعتبر الافتتان بحاكم والتغني باسمه على شاشات القنوات رغم يقين المصفق بالفشل التام لهذا الحاكم أو ذاك؟

وبم تفسر أن تتحول المجالس البرلمانية إلى ساحات من الإرضاء المتنامي للحكومات رغم فشلها الدائم فتجد نواب الشعوب قد تخلوا عن واجبهم تجاه من انتخبوهم وتحولوا إلى مصفقين للوزارات الغارقة في الفشل.

مصفق يسعى لتأمين طائفته وإحراز تقدم لصالح فكرته

أليس خروج أحد القساوسة ذاكرا أن روح المسيح قد هبطت على أرض الكنيسة بمجرد دخول حاكم للقداس، أليس هذا تصفيقا مفضيا للنفاق وتضليلا للرأي العام وطمعا في رفعة الكنيسة؟

أيها السادة، إن حرفة (صناعة المصفقين) لها وسائلها وطرقها التي لا يتقنها الا المتلاعبون بالعقول وهذا عنوان الجزء الثاني  بإذن الله تعالى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد