هل يدخل العالم مرحلة صراع الحضارات والثقافات، ويصبح هو السمة البارزة للمشهد الدولي والعالمي؟ أم أنها ستكون مرحلة انتقالية مؤقتة؟ أو بتعبير آخر هل سيكون للدور الثقافي مجرد دور مرحلي أم أنه سيؤثر على الحقبة التاريخية؟
وهل سيؤدي بروز الدور الثقافي إلى صراع الحضارات أم سيكون له دور في تثبيت وحفظ الأمن والسلم الدوليين؟

 أولًا أقول إن الدور الثقافي والعامل الحضاري لا يختفي ولا يندثر، ولكن يكون له أدوار مختلفة في المراحل التاريخية المختلفة فدوره يختلف مثل أدوار العوامل الأخرى أثناء تشكل مراحل التغير البينية التي تسبق تشكل مرحلة تاريخية مختلفة.

العالم اليوم يمر بمرحلة بينية حسب اعتقادي أي إن الحقبة التاريخية الحالية توشك على النهاية وعوامل نهايتها واضحة للعيان وتتشكل في مقابلها مرحلة تاريخية جديدة لم تظهر ملامحها بعد.

وفي هذه المراحل البينية يكون للعامل الثقافي دور مهم؛ لأن المراحل البينية التي تفصل حقبة تاريخية، وأخرى يتم فيها استدعاء سؤال الهوية بحيث يتم تعريفها وإعادة تشكلها أو محاولة تحديدها من جديد.

ثم بعد هذا تتأسس حقبة تاريخية جديدة بناء على الأجوبة التي تم تقديمها في المرحلة البينية عن الهوية وعن الموروث الثقافي والحضاري، فتستقر تصورات الهوية ومعها التصورات الثقافية والحضارية وتبدو وكأنها غائبة، ولكنها في الحقيقة مستقرة ومتفق عليها، وهو ما يختلف عن حالة المرحلة البينية التي تتميز بمحاولات اكتشاف الذات مصاحبة بحالة من عدم اليقين وشعور غير واضح بالهوية أو شعور بوجود تشوهات فيها.

وبالرغم من وجود عوامل الهوية والحروب الأهلية القائمة على أساسها كدلائل على وجود الصراع الحضاري والثقافي، إلا أن الصراع لم يأخذ بعد شكل الصراع الحضاري الثقافي الكامل وإن توفرت بعض العوامل الدالة على ذلك.

وإذا أخذنا الثورات العربية كمثال فإنه بعد مدة منها ظهر بقصد أو بدون قصد سؤل الهوية في معظم بلدانها مما يدل على وجود مرحلة تحول أو مرحلة لإعادة اكتشاف الذات، وأصبح السؤال المحوري في هذه المرحلة عن الفكرة الحاكمة للمجتمع ثقافيًا وحضاريًا وعن دور الشعوب العربية والمسلمة ومكانتها بالنسبة لبقية شعوب العالم.

وطفى إلى السطح سؤال أصعب وأعمق عن مفهوم التحرر والنهوض والاستقلال فهل ستبقى الشعوب العربية خاضعة للهيمنة الأجنبية وأسيرة لمرحلة الاستبداد؟
والإجابة على سؤال الهوية وسؤال التحرر وسؤال النهضة سيجعل الشعوب العربية تخطوا نحو أخذ مكانها بين الشعوب وهذا سيأخذ حتميًا إلى مقاومة عالمية تجلب معها صراع الحضارات؛ لأن الدول الكبرى والقوى الصاعدة لن تريد منافسًا جديدًا على الساحة الدولية، وخصوصًا إذا كان هذا المنافس الجديد ينتمي إلى نمط حضاري خاص ونموذج ثقافي مختلف عن النمط الثقافي والنموذج الحضاري الغربي.

وهذا ليس خاصًا بالشعوب العربية التي يبدو فيها المكون الإسلامي الحاضر الأول، ولكن نجد العداء الذي كان مخفيًا وصعد إلى السطح بعد أزمة كورونا بين الولايات المتحدة الأمريكية كحضارة غربية مسيحية والصين كحضارة شرقية كونفوشيوسية، بل يتنبأ بعض الباحثين في الشأن الدولي بنشوب حرب تجارية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية والتي قد تتحول إلى حرب عسكرية هي الأخرى، ولن يكون هذا مستبعدًا فقد اعتادت الدول الكبرى أن تحرك سلاحها إذا تم تهديد مالها واقتصادها أو مكانتها في الريادة كحال الولايات المتحدة الأمريكية أمام الصين.

ومنه فإن حالة الهيمنة والسيطرة والاستعمار التي تأتي مصاحبة للنموذج الحضاري الغربي والتي هي متضمنة في طبيعة النظام الرأسمالي الاقتصادي ستشهد مقاومة من الداخل العربي والإسلامي بما يجعل صراع الحضارات يطفو على السطح.

إذًا نقول مختصرين المشهد، نحن أمام مرحلة بينية وحقبة تاريخية تذهب إلى الزوال وأخرى تتشكل وفي هذه المرحلة البينية يكون الصراع على الفكرة الحاكمة للمجتمع وعلى النموذج الثقافي الحضاري الذي ستنتجه الأمة، ثم يحدث التوسع الإقليمي لهذا النموذج، ثم يتوسع دوليًا لتحدث مرحلة التحول التي ستؤسس لملامح النظام الدولي الجديد.

لكن صراع الحضارات والثقافات ليست حتمية تاريخية، ولكنه ينتج عن مقاومة نموذج حضاري قائم لنموذج حضاري آخر يريد الصعود؛ مما يجعل القائم يخاف من فقد مكانته العالمية بين الدول والأمم، ويمكن للبشر أن يتوصلوا إلى صيغ للتعاون فيما بينهم بدل الصراع والحروب الدائمة، وقد حاول العالم تأسيس منظمات دولية تحفظ السلم والأمن وتقدم المساعدات المالية والتنموية وغيرها، إلا أنها أصبحت أداة من أدوات الهيمنة والاستغلال في يد الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

وبطبيعة الحال لا يجب أن يكون التعاون والتبادل الثقافي على حساب ثقافة الشعوب كما تفعل العولمة الأمريكية، بل يجب أن تكون الفكرة الحاكمة والنموذج الثقافي داخل المجتمع معبرة على طبيعته وتاريخه وهويته وانتمائه الحضاري بما يحترم المكونات الثقافية الأخرى؛ لأن الشعوب تنزع فطريًا إلى تحقيق الذات الجماعية والثقافية والحضارية وتحقيق الشعور بالقوة والقيمة والكرامة، وكل الشعوب تبحث عن مكانة بين الأمم وموضع في التاريخ البشري.

ولكن يبقى هذا الحلم المثالي عن التعاون الحضاري والتبادل الثقافي بدلًا عن الصراع الثقافي والحضاري مؤجلًا إلى مرحلة تاريخية أخرى بسبب هيمنة الدول الكبرى وسباقها غير المنضبط نحو جمع الأموال والسلاح ولو على حساب أرواح الناس، ولا يمكن أن يتم تحقيق هذا التعاون في ظل النظام العالمي الرأسمالي القائم على الهيمنة، كما لا يمكن للشعوب المستعمرة من الخارج والمستبد عليها من الداخل أن تقبل بالعيش دون شعوب الأرض في تحقيق الذات والشعور بالانتماء والنهضة والسيادة والاستقلال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحضارات, صراع

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد