تنطلق النظريات الكبرى في العلوم السياسية (مثل: الليبرالية والماركسية) في أساسها التنظيري من فهمها للهوية (Identity)، فالليبرالية ترى أن الهوية تنحصر بالفرد أولًا، فيما ترى الواقعية بأن الهوية للدولة، في الحين الذي ترى به الماركسية بأن الهوية للجماعة السياسية (بدءًا بمجتمع العمال المحلي وانتهاءً بمجتمع المشاع العالمي). وبالتالي، فإن كافة التنظيرات التي تتصل بالمسائل التي عالجتها تلك النظريات تنبع من منظورها لمسألة الهوية.

ولأن فكرة الهوية تقوم على تصنيف «الأنا والآخر»، ولكونها تضفي على النظرة للأنا مسحةً من التفهم والسعي لتحقيق الرغبات، فيما تضفي على نظرتنا للآخر مسحة من التوجس والشك الدائمين، فإننا سنكون في سعي دائم للحفاظ على مكونات هويتنا متحدة وفي ازدياد مستمر، في الوقت الذي سنسعى به إلى تحييد خطر الطرف الآخر؛ إما بقهره بالوسائل الخشنة (كما ترى الواقعية) أو بسحب البساط من تحته عبر التنافس السلمي (كما ترى الليبرالية).

وفي الحين الذي يدين به كل منا لمجموعة من الولاءات (الهويات)، فقد قسمت الأدبيات السياسية فكرة الولاء إلى ولاء وطني (الولاء للدولة)، وإلى ولاءات فرعية (الدينية والعرقية والطائفية والقبلية والإقليمية… إلخ). وقد سادت حالة من شبه الإتفاق التنظيري، على اختلاف النظريات التي تعتنقها الدول، بضرورة إعلاء الولاء الوطني على الولاءات الفرعية حتى يتسنى للدولة أن تنجح في بقائها واستقرارها واستمرارها. فالتعارض بين الولاء الوطني وبين الولاءات الفرعية، أو تفوق الولاءات الفرعية على الولاء الوطني، يؤدي في النهاية إلى إحباط مشروع الدولة شيئًا فشيئًا، حتى يتسبب ذلك التعارض في انقسام الدولة إلى عدة كيانات سياسية صغرى أو يؤدي لجرِّها إلى خانة «الدولة الفاشلة» التي تعجز عن القيام بوظائفها.

تعتمد قضية تصادم الولاءات أو تصالحها بشكل تام على ما يسمى بـ«آليات التمثيل الديمقراطي»، أو ما نسميه بـ«الانتخابات»، وكلما كانت الانتخابات ناضجة وحقيقية وعادلة، فإنها تسهم في ترجيح الكفة لصالح الولاء الوطني، حتى ولو لم يحقق أصحاب الولاءات الفرعية نتائج كبرى في الانتخابات بشكل دائم ومستمر. وعلى العكس أيضًا، فكلما أصيبت آليات التمثيل الديموقراطي بالعطب فإنها تسهم في إمالة الكفة لصالح الولاءات الفرعية على حساب الولاء الوطني.

إن آليات التمثيل الديمقراطي تعتمد في أساسها على ثلاثة محاور: الأول هو منظومة القوانين (قوانين الانتخاب والأحزاب) التي تضع إطارًا يعزز الولاء الوطني على حساب الولاءات الفرعية، والثاني هو الوعي السياسي الذي يدفع الناخب لتغليب المصلحة العامة (التي ستعود على مصلحته الخاصة بالفائدة في النهاية) ويكون ذلك عبر اختياره للفكرة الأنضج لا للقرابة، والثالث هو وجود أحزاب أو تيارات أو قوائم وطنية فاعلة تمكن من يعيش في أقصى الشمال من انتخاب من هو في الوسط أو في أقصى الجنوب، والعكس صحيح، وبالتالي فإنها تمكن الناخب والمرشح من التحلل من ضيق جغرافيا الدوائر الانتخابية الصغرى إلى اتساع الوطن.

يمكن إسقاط ذلك المنظور على دول العالم الثالث عمومًا (حيث يغيب الولاء الوطني بغياب آليات التمثيل الديموقراطي.. وحيث تحضر الولاءات الفرعية بكل ثقل)، ويمكن إسقاطه على الحالة الأردنية على وجه الخصوص. فالأردن، ومنذ نشأته، اعتمد – في الغالب – أُطرًا قانونية تحصر الناخب في ضيق جغرافيا الدوائر الإنتخابية، وبالتالي يغيب الوعي بالمصلحة الوطنية العامة، ونتيجةً لذلك تغيب الأحزاب وتفشل بشكل مستمر. وفي المقابل فإن القبلية والعشائرية تحضر بديلًا عنها، مما منع جسد الدولة الأردنية الوليد من أن يترعرع وينضج، ومما جعل فكرة الدولة غريبة تمامًا عن عقل أفرادها ؛ حيث لا اتساق بين الدولة والمواطن (لا وجود لعلاقة المواطنة)، وحيث يشعر الأفراد بأن نهشهم لجسد الدولة التي يرونها تنهش أجسادهم هو أمرٌ مباح وضروري. وبالتالي، ضعُفت الدولة وضعُف أفرادها وإشتدت بينهما حالة القطيعة إلى حدٍ ينذر بالخطر!

وحين يغيب الوعي السياسي في هذه المرحلة وتغيب الأحزاب، تبعًا لغياب المنظومة القانونية التي تؤسس للبناء الوطني ولجسد الدولة، فإن الانتخابات النيابية القادمة في الأردن ستكون نسخة مكررة عن المسوخ الانتخابية التي رأيناها سابقًا، ولن تكتفي بهذا الحد، بل ستسهم في تعميق حالة الطلاق الحاصل بين الدولة ومؤسساتها وبين المواطن! وبذلك سيكون الحضور للولاءات الفرعية وحدها!

الخلاصة مما سبق هي أنه من المتعذر أن تنجح أي محاولة للإصلاح السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي دون أن توضع المنظومة القانونية الحقيقية (قوانين الانتخاب والأحزاب خصوصًا) وبشكل عاجل. ذلك أن الإصلاح في أي مجال يعتمد بشكل رئيس على متانة العلاقة بين الدولة والمواطن، والتي لا يمكن أن تكون دون أن تتحقق تلك المتانة في العلاقة بين المواطنين وبين نوابهم.

تلك هي حافة الهاوية التي نقف عندها، وتلك هي المطالب العاجلة والقصوى التي يجب أن يلتف حولها كل الشعب، وإلا ضاع ما تبقى من جسد الدولة الأردنية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد