بعد فترة من الهدوء الحذر الذي شاب التعاملات الروسية التركية على أراضي إدلب يبدو أن التوتر سيعود بين موسكو وأنقرة بأسرع مما يتوقع الجميع وذلك بعدما أعلنت وزارة الخارجية الروسية اعتداء فصائل ممن وصفتهم بمقاتلي المعارضة الإرهابيين غير المدعومين من تركيا على الشرطة العسكرية الروسية خلال إحدى دورياتها على «طريق إم – 4» الإستراتيجي الرابط بين حلب واللاذقية والذي أعاد النظام السوري السيطرة عليه أوائل الشهر الجاري بدعم روسي.

تحدث كل هذه التطورات السلبية، بينما لم يجف حبر اتفاق موسكو بين أردوغان وبوتين خلال لقائهما في العاصمة الروسية في الخامس من مارس (أذار) الجاري، وحتى عندما سرى اتفاق وقف إطلاق النار خرقته طائرات الأسد وقصفت مناطق المدنيين، بينما وقف الروس موقف المتفرج تاركين الحبل على الغارب لعميلهم العلوي يكتسب المزيد من الأراضي وليشرب الأتراك من المتوسط.

تكمن معضلة التعامل بين الروس والأتراك حول الأزمة السورية في وقوف الجانبين على طرفي نقيض، ليس في الفترة الأخيرة وحسب، بل منذ اندلاع الثورة فقد دافع بوتين عن بشار الأسد بكل ما أوتي من قوة فسلح جيشه وشبيحته ودافع عنه في مجلس الأمن مستغلًا حق النقض المكفول لموسكو كونها عضوًا دائمًا في هذا المحفل الدولي وحتى أن بوتين تبنى خطاب بشار في وصف الثورة بالمؤامرة عليه.

أما أردوغان فقد ساند تطلعات السوريين المشروعة ودعا السفاح السوري غير مرة للاستماع لصوت الشعب لكن دون جدوى، ومع ارتكاب نظام الأسد عشرات المجازر بحق ملايين السوريين فر نحو 4 ملايين سوري إلى الجار التركي الذي فتح أبوابه على مصراعيها لهؤلاء الفارين من وطنهم الذي استحال جحيمًا وعاملهم على قدم المساواة مع أبناء البلاد وطالب بشار بالتنحي لحقن دماء بني شعبه.

استضافت تركيا قيادات الفصائل الثورية المسلحة وأعضاء المجلس الوطني المعارض،وكانت تركيا عضوًا فاعلًا فيما عرف بغرفة الموك التي تشكلت من تركيا والولايات المتحدة والأردن والسعودية وقطر، والتي دعمت الجيش الحر ومقاتلي المعارضة بالسلاح والدعم المالي ضد نظام الأسد عندما كان يترنح في الفترة بين مارس 2011 وحتى أواسط سبتمبر (أيلول) 2015، ودعت الحكومة التركية لفرض منطقة حظر جوي شمال سوريا المحاذية للحدود التركية الجنوبية لإعادة اللاجئين الذين اكتظت بهم المدن التركية.

رفضت حكومة العدالة والتنمية كذلك الموقف الأمريكي المعارض لدعم الثوار السوريين بأسلحة نوعية وتحديدًا الصواريخ المضادة للطائرات لحسم الموقف لصالحهم، لكن إدارة أوباما الحاكمة وقتها عللت موقفها المخزي بالخوف من وقوع هذا السلاح الخطر  فيما أسمته الأيدى الخاطئة خوفًا من تكرار ما حدث مع القاعدة في أفغانستان؛ ما سبب توترًا مكتومًا في علاقات الطرفين، لكن هذا التوتر سرعان ما طفا على السطح بعد فترة قصيرة.

سحب الناتو الذي تتمتع أنقرة بعضويته صواريخ باتريون الدفاعية من الأراضي التركية بأوامر من الإدارة الأمريكية، بالرغم من استمرار تهديد طيران النظام السوري للأراضي التركية وزاد الطين بلة دعم الولايات المتحدة للفصائل الكردية الانفصالية بذريعة محاربتها «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، وهو الأمر الذي استغلته تلك الفصائل لتهجير السوريين العرب من مناطقهم وإقامة حكم ذاتي يكون نواة لدولتهم الكردية المزعومة، وطالبت تركيا الأمريكيين غير مرة بوقف الدعم عن هذه القوات التي تشكل تهديدًا للأمن القومي التركي، لكن لا حياة لمن تنادي.

زاد الخناق ضيقًا على تركيا بتدخل روسيا في سوريا بموافقة أمريكية – إسرائيلية لمنع النظام السوري من التهاوي، ومع توتر العلاقات بين روسيا وتركيا على خلفية إسقاط الأتراك طائرة عسكرية روسية اخترقت الأجواء التركية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 تخلت أمريكا، ومن ورائها الناتو عن دعم تركيا في هذه الأزمة مفسرين هذا الموقف المتواطئ ضد تركيا بأن الأمر شأن داخلي تركي.

قرر الأتراك إدارة ظهرهم للأمريكيين ووضع بيضهم في السلة الروسية، وهكذا تعاقدت حكومة بن على يلدريم مع روسيا للحصول على «منظومة إس – 400» الاعتراضية وبالتنسيق مع الكرملين شنت القوات التركية أولى عملياتها ضد الانفصاليين الأكراد فيما عرف بدرع الفرات في ريف حلب الغربي، لكن ذلك كان وللأسف على حساب الثورة السورية التي خسرت حلب الشرقية كثمن مبدئي لعمليات مستقبلية ضد الانفصاليين الأكراد.

ضغطت تركيا على السوريين كمعارضة مسلحة أو سياسية للانخراط فيما عرف باتفاقيات خفض التصعيد لتسليم المزيد من المناطق لنظام الأسد إرضاءً للروس في مقابل القضاء قضاءً مبرمًا على حلم الدولة الكردية لتسقط درعا وريف دمشق الشمالي وغوطة دمشق الغربية، لكن الوفاق وصل إلى مفترق طرق أواخر العام الماضي وبدايات العام الحالي.

تقدم النظام السوري في إدلب مخلفين مئات الآلاف من اللاجئين، كما نكث بوتين بوعده فيما يخص سحب سلاح القوات الكردية شرق الفرات ما جعل تركيا تشعر بنوايا غادرة ضدها من الروس ومع مقتل 33 جنديًا تركيًا في إدلب مساء السابع والعشرين من فبراير (شباط) الماضي؛ ما جعل القوات التركية تلقن درسًا قاسيًا لقوات الأسد، لكن حاول بوتين ألا يخسر شريكه الاقتصادي والعسكري المهم، فكان اتفاق وقف إطلاق النار هذا الشهر.

سيتصادم الروس والأتراك وإن بشكل غير مباشر بعدما وصلا إلى مفترق طرق، فروسيا مصصمة على إعادة تأهيل الأسد ليفرض قبضته على سوريا أرضًا وشعبًا وعقاب تركيا على موقفها المشرف من الثورة في البداية، ولن تقف تركيا مكتوفة الأيدي، وأمن حدودها الجنوبية يحدق به الخطر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

صدام عاجل
عرض التعليقات
تحميل المزيد