دون النظر لفيلم اشتباك، وكواليسه، وهدفه، وقصته، والجدل المثار حوله، واختلاف الآراء فيه، وهل هو ثوري أم يخدم سياسات «الداخلية»؛ فأنا لست بصدد تعقيبات فنية، أو تعليقات نقدية في كلماتي التالية.

كونه فيلمَ مثل بقية الأفلام السينمائية، جعلني أطرح سؤالًا على نفسي، «أنا ليه أخش حاجة أنا شفتها وعيشتها بكل تفاصيلها ومن غير تمثيل؟»

المشاهد الإعلانية للفيلم جعلتني أتذكر سيارة الترحيلات التي رأيتها في فيلمي الخاص: ذل، وإهانة، ورعب، حتى ولو كنت ذا قلب حديدي، وعلى حق. داخل «الترحيلات» لا يوجد حق وسط  التهديد بأنك لن ترى ضوء الشمس مرة أخرى، وأنك ستفقد كل آمالك بمجرد دخولك الزنزانة «وتتكسر عينك».

وقتها تتمنى أن يهددوك بالموت، ولا يهددوك بأهلك وأسرتك،  وأنهم سيأتون بهم أمامك، ويمثلون وينكلون، ويلحقون ألوان العذاب بهم.

في «الترحيلات» تتوافر كافة أنواع العذاب النفسي: اتهامات، وأن موتك أبسط الأشياء في أيديهم، وأن كلاب حراستهم أفضل منك شأنًا. يأتيك الضرب ـ وأشياء أخرى- من حيث لا تحتسب، وإن حاولت التركيز، فلن تستطع أن تعد ولا تُحصي أي شيء، إلا اﻷنفاس المتبقية من عمرك.

في «الترحيلات» الشتائم والسُباب والتهديد «ببلاش». وعندهم مبدأ ثابت، ومؤصل بأنهم كلما ضربوا أكثر، كلما ارتفع أجرهم وثوابهم عند «الباشا».

تخرج عليك كل عقد نقصهم، وأمراضهم النفسية على هيئة إهانات وقلة كرامة، وأن ذلك سيحدث معك، ومع آخرين لهم علاقة بك، ولكن أنت لا تعلم ما دخلهم بتلك الليلة؟

وهذا شأن، وما حدث بمدرعة القوات الخاصة شيء آخر. أضعاف أضعاف «الترحيلات»، في حملة الاعتقالات والقبض «العشوائي» السابقة، لم أكن أعرف ما هو سبب استيقافي، وشحني على أول وأقرب مدرعة.

لماذا أنا هنا، وإلى أين أنا ذاهب، وهل سأعود مرة أخرى، وهل سأعيش أم لا؟ كلها أسئلة اختفت تمامًا، وسط ظلمة المدرعة، لا ترى من يسبك، من يضربك، من يغرس سلاحه في ضلوعك، من يشاركك أنفاسك، ومن كان بجواري واختفى صوته، بعد أول ضربتين، ومازالوا يكملون إعطاء نصيبه وحصته من الضرب.

أنك تُلقى من مدرعة تسير بسرعتها القصوى في منطقة لا تعلمها، ولا تعلم حتى أهذا كله حقيقيًا أم مجرد كابوس 3D.

أنك تشاهد وتعيش كل أنواع الذل والتهديد، وبمجرد أن تصبح رفيقتك في حياتك يتم سحلك، وضربك أثناء تغطيتك لمظاهرات الثانوية العامة، تحت أقدام «باشا بُرتب»، دون أن يستطع أحد أن يتكلم، أو حتى يُبدي اعتراضه.

وأنت ونصيبك المكتوب، إما تمر سحلتك بعدة كدمات، أو كسور متفرقة، أو تُهشَّم عظامك، وتُكبل يداك، وتُلقي بأي سيارة أو مدرعة، أو تموت وهذا شيئًا بسيطًا لم يكلفهم، لا وقت، ولا جهد، ولا تفكير.

هذا اشتباكي، اسمعوا وعوا، وهلموا وشاهدوا، التقطوا صوركم التذكارية بجوارنا، واكتبوا عنا كلمتين، وأقيموا المؤتمرات بأسمائنا، هذا ما يستطع تقديمه بعض التجَّار، ولا يتحملون مواكبة الاشتباك الحقيقي، هذا شيء ثقيل عليهم، شأنه شأن كلامي هذا إن استوعبوه من الأساس.

نحن في سيارة ترحيلات كبرى، ولا أحد يمنع فيها الضرب، والإهانة، والذل والتهديد عمن جواره.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد