إن التأمل في الحضارات والدول، والنبش في تاريخ الأمم الأول، ورصد كل جديد يخص تعاقب المجتمعات وزوالها، وميلاد الأفكار واضمحلالها، والوقوف عند المنطلقات ومسلماتها، ومراعاة القيم ومبادئها، والنظر في الإنسان والإنسان وما هي الرابطة بينهما، لوجدنا بشكل لا مناص فيه، أن تاريخ المجتمعات والشعوب، إنما هو مبني على أساس الأخلاق، ومحصون بسور من قيم. ومتى فسدت الأخلاق والقيم، هلكت المجتمعات كلها، وبات الإنسان إلى أخيه الحيوان أقرب، حيث قانون الغاب هو الدستور، القوي يقتل الضعيف، والضعيف يقتل الأضعف.

وفي هذا الصدد وما أفرزه الواقع الاجتماعي الذي لا يمكن أن نفصله عن نظيره السياسي وكذا الاقتصادي، تبقى مسألة الأخلاق والقيم الإنسانية قاب قوسين من أن تحقق تواجدها الفعلي داخل النظم المجمعية، وهي في سيرورة دائمة نحو التلاشـــي، وكأن الأخلاق تجذب من طرف ثقب أسود عما قريب ستضمحل اضمحلالًا لا رجعة فيه. ويأتي هذا المقال ليناقش الواقع الطبقي ومسألة الأخلاق في شتى المستويات: الدينية – الاجتماعية – السياسية – الثقافية… لعل وعسى نعيد ترميم ذلك الصرح الشامخ من الأخلاق وكذا محاولة تقويم المجتمع من خلال الكتابات الأخلاقية التي ظهرت مع كل من أرسطو وإيمانويل كانط وابن مسكويه في كتابه (تهذيب الأخلاق وطهارة الأعراق). هذا علاوة على أنني سألقي نظرة على الساحة الاجتماعية وقراءة كافة الأنساق الأخلاقية التي تحاول الثقافة السائدة تكريسها من خلال كل الوسائل الهدامة للأخلاق والتي ترمي إلى تشويه القيم الحميدة.

إن مسألة الأخلاق مرتبطة أكثر بالفلسفة، حيث إننا نجد كثيرًا من الفلاسفة صدرت لهم مؤلفات كثيرة تخص الأخلاق وتعنى بماهيتها، وهنا سنذكر أبا الفلاسفة أرسطو طاليس الذي له اليد الطولــى في تأسيس أبستمولوجي لماهية الأخلاق، وخصوصًا في كتابه (الأخلاق إلى نيقوماخوس) وكتابه (الأخلاق الكبرى). يقول أرسطو في مقدمة كتابه (الأخلاق إلى نيقوماخوس) ما يلـــــي: إ ن كل فن وكل فحص، وكذا كل فعل، واستقصاء لا يقصد أن يستهدف خيرًا ما، ولهذا السبب فقد قيل بحق إن الخير هو ما يهدف إليه الجميع. وهنا سنتساءل مع أرسطو عن ماهية الخير كفعل أخلاقي؟ علمًـــا أن هذا الخير يهدف ويسعى إليه الجميع، وكذا ما علاقة الخير بالفن؟ ثم ما علاقة الخير بالفعل؟

ويسترسل أرسطو قائلًا: الخير في الطب مثلا هو الصحة، وفي فــــن الحركة السكرية هو الظفر، وهو البيت في فن العمارة، وهو غرض آخر في فن آخر، لكن في كل فعل، وفي كل تصميم أدبي الخير هو الغاية التي تُبْتَغى.

إن الخير عند أرسطو طاليس لا يختلف عما هو متداول عن مفهوم الخير في لب الفلسفة الإسلامية، وخصوصًا عند الفرق الكلامية ونعني هنا بالذكر المعتزلة، حيث إن الخير هنا عندهم هو كل ما يجلب النفع للناس، والشر هو كل ما يجلب الضرر للناس.

وفي هذا المنطلق سنشير إلى ابن مسكويه وهو أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب بن مسكويه المؤرخ والطبيب والأديب والفيلسوف المسلم. له كتاب في الأخلاق أشرنا إليه سابقًا، وهو كتاب تهذيب الأخلاق وطهارة الأعـــراق، ويبدو من خلال هذا الكتاب أن مسكوية من خلال كتاباته الأخلاقية يحاول تقويم النفس وحصول خلق جميل، كما أشار إلى ذلك الدكتور ناجـــي التكريتي في كتابه (فلسفة الأخلاق بين أرسطو ومسكويه)، وذلك بقوله في الصحيفة 35 ما يلـــــي: إن هدف مسكويه الأول من كتاباته الأخلاقية، هو تقويم النفس، والحصول على الخلق الجميل، إنه يبدأ كتابه (تهذيب الأخلاق)، فيقول:

إن غرضنا من هذا الكتاب هو أن نحصل لأنفسنا خلقًا تصدر به الأفعال عن كل ما هو جميلة. إنه إذًا يريد قبل كل شيء أن نعرف نفوسنا، وما هي الوسيلة التي تزكيها فتفلح، وما هي الأشياء التي تعيقها عن طريق كمالها فتخيب.

هذا هو الفهم الصحيح الذي علينا أن نستوعبه ونعيه بشكل لا غبار عليه، كمال الأخلاق في كمال النفس وترفعها عن كل ما هو معوج وغير مستقيم، والنفس إنما هي اللب والجوهر والعناية بها من خلال استقامتها بالأخلاق والأفعال والأقوال الخيرة كفيل بأن يستقيم الإنسان كليًا. هذا مع العلم أن مسكوية كتب كتابه هذا في زمن عرف فيه المجتمع العربي فسادًا أخلاقيًا بسبب الترف الفاحش وظهور مجموعة من المذاهب كالشيعة والتي أدخلت إلى المجتمع أمورًا تتنافــــي وما جاء به الدين الإسلامي كزواج المتعة والطعن في الصحابة وكذا ظهور عادات الانحلال الاجتماعي، كالمجون، وهو التحرش، أو التغزل بالمذكر وظهور الشعوبية. ونفس الشيء حـــذا بإمانويل كانط قبل الثورة الفرنسية أن يكتب عن الأخلاق، وله عدة كتب نذكر ما يهمنا فــــي هذا الصدد: كتاب (تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق)، وكتاب (نقد العقل المحض)، وكتاب (مشروع للسلام الدائم).

إن الــواقــع الاجتماعــي الذي عرفته أوربا آنذاك والذي يبقى رهين سلطة الكنيسة الكاثوليكية والبابا، وكذا التفاوت الطبقي بين الأقنان والعمال والجنود والإكليروس (رجال الدين) والنبلاء…. حري بكانط أن يكتب في مجال الأخلاق ليعيد تأسيس مبادئها المثالية، تنضاف إلى ذلك إلى أن كانط نظر إلى الأخلاق من زاوية السلوك والفعل الإنساني المطلق، يقول كانط في كتابه “تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق” “افعل الفعل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كل إنسان، باعتبارها دائما في الوقت نفسه غاية في ذاتها، ولا تعاملها أبدا كما لـــو كانت مجرد وسيلة”.

إن المتأمل في الشارع الاجتماعي اليوم يقف في حالة ذهول أمام هذا الفساد الأخلاقـــي والانحلال القيمي المتفشي بين الأشخاص والجماعات والأسر، إنه لمن المشحف أخلاقيًا أن ترى الشارع ممتلئ عن آخره بالفساد الطبقي وانتشار الزابونية والرشوة وغياب مطلق لتكافئ الفرص، وانتشار الفقر والبطالة والغليان الجماهيري، في الوقت نفسه الذي تنتشر فيه الدعارة وتعاطي المخدرات بشتى أنواعها في المنتزهات العامة وأمام أعين المواطنين، وآخرها وليس آخرها الاغتصاب الوحشي الذي تتعرض له الفتيات القاصرات وأمام مرئ ومسمع الأخرين دون أن يحرك ذلك أي ساكن. إنه لا واقع ينذر له الجبين عندما ترى الشارع ينبض بالفساد، فلا الجار يحترم الجار، ولا الصغير يحترم الكبير، ولا الشيخ يخجل من نفسه، أصبح العري واللباس الممزق مجلبة للمباهاة، وأصبح التسكع في الطرقات دون هدف مدعاة للتكبر، أصبح الحياء عفوًا الحياء ولــــى زمانه وانقضــــى.

الأزمة إذًا أزمة أخلاقية – بنيوية حيث كل المؤسسات تقاعست عن الدور المنوط بها، وأول مؤسسة هي مؤسسة التعليم؛ حيث تعد البنية الأساس وتهميش المعلم مباشرة سيؤدي ذلك إلى انحلال أخلاقي، ناهيك على دور مؤسسة الأسرة ومؤسسة الإعلام التي لها دور حاسم في تكريس ثقافة سخيفــــــة.

ومن هنا يجب على كل من يمتلك مثقال حبة خرذل من وعي أن يكتب في مجال الأخلاق والقيم سيرًا على ما كتبه الأولون في مجال الأخلاق أملًا في تقويم ما أمكن وسعيًا نحو التغير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!