لقد بلغ عدد المتحدثين باللغة العربية حول العالم ما يقارب 420 مليونًا، وكما تعد اللغة العربية إحدى اللغات الأكثر انتشارًا في العالم، كما أنها إحدى اللغات الرسمية المعتمدة لمنظمة الأمم المتحدة.

نؤمن نحن المسلمين بأن كتاب الله محفوظ إلى يوم الدين، وذلك لقوله تعالى «إِ‏نَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ»، وبما أن الله تعالى أنزل كتابه بلسان عربي مبين؛ فإن اللغة العربية محفوظة بحفظ الله تعالى على وجه الضرورة.

يعلق بعضهم ساخرًا بقوله: إن اللغة العربية هي اللغة الوحيدة التي تكتب ولا تلفظ، وأننا الأمة الوحيدة التي تفعل ذلك، وعليه لا بد أن نلجأ إلى استخدام العامية في خطاباتنا وكتاباتنا وتعليمنا، ولا أدري لماذا لا يكون الأمر على العكس من ذلك، أقصد لماذا لا نعمل على جعل اللغة العربية الفصحى هي اللغة السائدة في كلامنا بدلًا من العامية، وهل يمكن فعل ذلك في أيامنا هذه مع ما بلغناه من معوقات واقعية أو نظرية فيما يتعلق بذلك على الصعيد الثقافي؟

في الحقيقة لا أجد إجابة عن إمكانية عودة اللغة العربية الفصحى إلى ميادين الحياة العامة، وخاصة بعد وجود كم هائل من التراكمات التعليمية السلبية، إلا أنني سأورد مثالًا ذا علاقة بموضوع اللغة، فالأندلس، على سبيل المثال لا الحصر، قد حكم المسلمون فيها ما يقرب من 800 عام، وكانت اللغة الرسمية وكذلك لغة العلم والفن والآداب، هي اللغة العربية، وظلت كذلك حتى سقطت آخر ممالك المسلمين. غرناطة في سنة 1492. والذي أريد أن أبلغه من هذا المثال هو: أنه؛ وبالرغم من هذه الفترة الطوية لحكم اللغة العربية في تلك البقاع، فإنك لا تجد لها أثرًا في أيامنا هذه؟،فكيف تمكن الإسبان من محو اللغة العربية بهذا الشكل وإحلال اللغة اللاتينية مكانها وبوقت يعد غريبًا واستثنائيًا في تاريخ احتلال الشعوب وتغيير هويتها السابقة؟

أعتقد أن وجود المخلصين والساعين من الإسبان لدينهم وتراثهم وعقائدهم، هو الذي مكنهم من إحلال اللغة بهذا الشكل، حتى إنك لا تجد اليوم سوى بعض المفردات العربية التي بقيت عالقة في الأذهان، على عكس الأغلبية المثقفة عندنا، والذين يدعون ليلًا ونهارًا إلى التخلص من التراث ونبذ القديم والتمسك بالحداثة الغربية، هذا بدلًا من الدعوة والعمل إلى إحياء اللغة والتمسك بالمفيد من التراث والحفاظ عليه.

وبالرغم من عدم اختصاصي بأي مجال تربطه علاقة باللغة العربية مباشرة، فإنني أجد أن هنالك العديد من الوسائل التي يمكن العمل بها للنهوض باللغة العربية الفصحى، وإحلالها مكان العامية عمليًّا، وإن كانت هذه الجهود توجب على الدول والحكومات العمل بها وليس الأفراد، ومنها على سبيل المثال أن تقوم الدولة بتشجيع الطلاب على دراسة اللغة العربية، من خلال تقديم التسهيلات اللازمة لذلك، تأمين الوظائف لخريجي اللغة العربية، رفع مرتبات مدرسي اللغة العربية والساعين إلى إنقاذها، والعمل مثلًا على جعل لغة التخاطب بين المؤسسات الرسمية الحكومية باللغة العربية الفصحى فقط، والعمل على تعريب بعض العلوم المتنوعة، طبعًا هذه أمثلة بسيطة من –غير مختص– مثلي، يعلم مسبقًا أنه لن ينظر إليها أحد إلا عابر سبيل!

لكن وبالرغم من هذا، ربما يسأل بعضهم، ما الفائدة من عودة اللغة العربية إلى واقع الحياة؟ نقول: وبالرغم من وجود العديد من الفوائد لفهم اللغة العربية وتداولها؛ فإنه ولو لم تكن سوى فائدة فهم كتاب الله تعالى لكفى الأمر بأن يكون مطلبًا ضروريًا يُسعى إليه سعيًا دؤوبًا، في الوقت الذي أصبح كتاب الله «غريبًا» على الكثير من أبناء الدين واللغة، طبعًا هذا بالإضافة إلى أن اللغة العربية هي التي وحدت جميع اللهجات، كما أنها إحدى اللغات السامية، بالإضافة إلى مرونتها وغزارة ألفاظها… إلخ.

ربما يبتسم بعضهم الآن، ويتهمني بعضهم بعدم الواقعية، أو بأنني أعيش في عالم آخر، أو ربما يصل بعضهم إلى اتهامي بالجنون! لكن لا بأس في ذلك، فدعوني أحلم كما أشاء، فربما كان حلمي حلم الانطلاق، وكما قال الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري: «إن حلم الفصحى ليس «حلم العودة»، وإنما «حلم الانطلاق» نحو غد يمسك فيه العرب بزمام أمرهم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العربية
عرض التعليقات
تحميل المزيد