في كُل مناسبة كُروية كبيرة «كالكلاسيكو مثلًا» تعود المُناكَفات لتملأ ساحات التواصل الاجتماعي، بين شغوفي الرياضة الذين لا يجدون شيئًا في الدنيا -مهما عَظُم قَدرُه– يستحق أن يشغلهم عن هذه الوظيفة المقدسة –التشجيع الرياضي- وبين أصحاب، أو مُدَّعي المِثالية الذين يجدون ضالتهم للشتم، والقذع، وإلصاق التهم للطرف الأول أنه سخيف وتافه وغير مهتم لعظائم ما يحدث للأمة؟

أنا شخصيًّا لستُ مُتابعًا للرياضة أو أي من المسابقات التي يُطلق عليها -فنية- الأخرى، وأحمد الله على هذه العافية، وأدعوه أن لا يبتليني يوما بهكذا داء.

لكن بالله عليكم ما الفرق بين مُشجع الرياضة الذي يُكرس كل إمكاناته الفنية على مواقع التواصل لدعم فريقه المحبب خلال دورة الألعاب، وبين مُحب الحلويات مثلًا الذي ملأ صفحته صورًا لما لذ وطاب من أصنافها، أو ذاك الشغوف في الطعام الذي يُطل لنا كل دقيقة بوصفة جديدة، وصور لما يمكن ليديه أن تُبدعه من أشهى وألذ أصناف الطعام تحت عنوان «تفضلوا، شغل إيدي»، وطبعًا تفضلوا تفرجوا أو حملوا الصورة إذا أحببتم، يعني بالعربي «عزومة مراكبية»، أو حتى تلك الحسناء المفتونة بكل تقاليع الموضة، وقد أحالت صفحتها إلى معرض أزياء إلكتروني، وذاك الذي رزقه الله مولودًا، فملأ صفحات التواصل صورًا للمشفى وما أعد فيها من بذخ في التزيين وتوزيع الحلوى، أو ذاك الذي تَخَرَّج بمُعدَّل ٥٥ تَفَوُّق فأسهر الناس ثلاثة أيام بلياليها يُسمعهم الطرب الأصيل «وما هو بأصيل»، و… إلخ .

أليس كُل ما سبق ذكره من المُلهيات التي هي في الأصل مُباحة، ولكن المبالغة فيها واستخدامها في أوقات حرجة بصورة كبيرة يُعد وقاحة؟

يقول صلى الله عليه وسلم واصفًا الحال الذي يجب أن تكون عليه أمة الاسلام : «مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى».

هل رأيتم يومًا رَجُلًا محمومًا تَذهب رجلاه للعب الكُرة، بينما رأسه يغلي كالمرجل؟

أو رجلًا مبطونًا يذهب فمه ليتناول ما لذ وطاب من مأكل ومشرب، والبطن يتقطع ألمًا؟

أو امرأة في أثناء المخاض تذهب لتصفيف شعرها؟

اذا أردنا أن نتكلم عن الحال الأمثل الذي يجب أن يكون عليه المجتمع الإسلامي من تضامن واهتمام، فهذا هو.

وقديمًا قالت العرب تصف حال العاشق:

لا يَعرفُ الحُزنَّ إلاّ كُلُ مَن عَشِقا ** وَليسَ كُل مَن قال إني عاشِقٌ صَدقا

للعاشقين نُحولٌ يُعرفون به ** من كُثر ما حالفوا الأحزانَ والأرقا

فإذا كان العاشق يَحدث له كل هذا، فما بال من يَدَّعي عِشق الأمة، والاهتمام بقضاياها المصيرية؟ وخاصة في هذه الأوقات الحساسة من عمر أُمتنا وأوطاننا؟

هل يُمكن أَن يُزاحِمْ هَمَّ الأمة همًّا آخر، كَبُرَ أم صَغُر؟

باختصار، كُلُّنا مُقصِرون بدرجات متفاوتة، كُلّنا مُدانون شِئنا أم أبينا، ولم نَرقَ بَعد إلى مستوى الحدث الذي يحدث لأمتنا، وأوشك أن يقع بنا ونحن لاهون!

يروى عن السلطان العادل نور الدين زنكي أنه من شدة اهتمامه -رحمه الله- بأمر المسلمين، حين نزل الفرنج على دمياط أنه قرئ عليه جزء من حديث كان له به رواية، فجاء في جملة تلك الأحاديث حديث مسلسل بالتبسم فطلب منه بعض طلبة الحديث أن يبتسم لتتم السلسلة على ما عرف من عادة أهل الحديث، فغضب من ذلك وقال: «إني لأستحي من الله تعالى أن يراني مبتسمًا والمسلمون محاصرون بالفرنج».

وهكذا كان تلميذه صلاح الدين الأيوبي صاحب القول الشهير: «أأضحك والأقصى في الأسر؟».

عندما تكون هموم أمتك أولى أولوياتك، عندما تتناول قدح الماء لتشرب فترى دماء إخوانك السوريين ماثلة في إناء الشرب، فلا يهنأ لك شراب، عندما تجلس لتتناول طعامك فترى أشلاء إخوانك العراقيين منثورة على مائدة الطعام، فلا يهنأ لك مطعم، عندما تحمل طفلك الجميل النظيف الأنيق لتقبله قبل النوم، فترى أطفال اليمن وسوريا وفلسطين والعراق وبورما أجسادًا هامدةً مزقها القصف، وأضجعتها الغازات السامة ضجعة الموت، عندما تذهب لتصلي في المسجد ملبيًا نداء المآذن فتتخيل لك مآذن القدس التي منع فيها الصهاينة هذا النداء، ومآذن سوريا التي أحالها الروم والمجوس يبابًا فيعتريك الغضب…

عندها فقط تستطيع أن تقول إن همَّ الأمة قد أضحى همك، ووجع الأمة قد أضحى وجعك، وأنك تتمثل حديث رسولنا صلى الله عليه وسلم بالوصف الدقيق «تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر».

عزيزي العربي: كُلما هممت أن تملأ الدنيا طنينًا وضجيجًا لأي تافه تَظُنَه أولى الأولويات، تذكر أن عالمك العربي بغالبيته يعيش في حالة «كلاسيكو» مفتوح، اسمه «كلاسيكو الدَّم»، أبطاله الغرب، وكُراته نحن العرب، أما ميدانه فهو عواصم تاريخية أصبحت أثرًا بعد عين!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد