الهوية والثقافة لدى كلود ليفي شتراوس

من حق كل خصوصية ثقافية أو هوية لمجتمع ما أن تكون كونية تجمع بين الفصائل المجتمعية والعرقيات المختلفة تحت إطار الاختلاف والمنافسة النزيهة، ولكي نقر بهذه الأحقية علينا قبل كل شيء تحديد أبجديات التعاون والتعامل بين الدول وشعوبها كأساس لتحقيق الوحدة والتكامل ثم تحديد المناخ الملائم الذي ستبنى بين رياحه آفاق الخصوصية والكونية.

وللشروع في دراسة هذا المبحث الهام يجب على كل عاقل أن يهتم بكل تتابع حيوي وتفاعل واع بين التجارب الذاتية الممتهنة من قبل النفس الواعية والممارسة الجماعية، كذلك التفاعل بين الغيريات من محسوسات مادة وثروة، فهوية الذات تُبنى عن تجربة الأنا التي ندركها بفهمنا للملموسات كموضوع للكسب والامتلاك.

إن تشكل الثقافة والهوية هو عبارة عن اندماج لمستويات مختلفة من الرغبات الفطرية من حقوق كونية نذكر منها الحياة والاستمرارية، كذلك أيضًا تراكمات تاريخية من أعراف وقوانين وضعية ولغة، فالوظيفة الرمزية والروحية لعبت دورًا هامًا وكبيرًا في تأسيس مركزية تشاركية تقوم على تنوع العلاقات البينذاتية إلى جانب تفعيل الديناميكية الداخلية لقابلية التطور والانفتاح، نعم ديناميكية التنوع والإفراط في التواصل على حد عبارة الفيلسوف كلود ليفي شتراوس.

للمتأمل أن يلاحظ العبء الكبير واللحاف الثقيل الذي حمله الفيلسوف وعالم الانثروبولوجيا الفرنسي كلود ليفي شتراوس لكشف بنية التصورات للحكم على الثقافات والأفكار السائدة في التمايز بين الهويات.

يعتبر شتراوس شيخ البنيويين لتأثره بهذا المنهج في البحث ومعرفة أصول الأحكام وبناء المقارنات لبلوغ الأسس التي وقع تصديقها من قبل بعض المفكرين ومراجعتها لعله يدرك الحقيقة الموضوعية الناتجة عن التواصل بين الحاضر والماضي، كذلك بين الحكم وأساس تشكله وقد كتب الأخير العديد من المؤلفات منها الأنتروبولوجيا البنيوية ومداريات حزينة  كشف من خلالهما تصوره للمعرفة الضمنية والهوية الثقافية، إضافة إلى التجارب التي خاضها من رحلات واستطلاعات أججت دواعيه في الحديث عن الثقافة وتنوعها والانتهاكات الإنسانية في حق الهويات الضيقة من زاوية أركيولوجية وبنيوية بالأساس.

“إن كل قلوب الناس جنسيتي فليسقطوا عني جواز السفر” هكذا تكلم مارسيل خليفة في أغنيته التي تبرز رغبته في الانفتاح المشروط على القلوب والجنسيات، نعم نتحدث هنا عن فيدرالية الدول التي طرحها كانط وافتكها الفنان الإنسان الذي يتوق إلى الحرية والاكتشاف، فإن مشروع السلم الدائم وتوحيد الإنسانية هو هاجس كل الفلاسفة المحدثين فالصراع الحاصل في عصر العولمة هو صراع المجتمعات بدولها إلى جانب الصراع القيمي الذي هدد كيان الوحدة وهدم الخصوصيات.

لذلك دعا الفيلسوف كلود ليفي شتراوس إلى فهم العلاقة البينثقافية بين الشعوب بعيدًا عن الأيديولوجيات الهجينة والخطيرة من خلال التساؤل حول حقيقة الاعتراف بتماهي أو سمو هوية أو ثقافة على الأخرى وقدرة الإنسان على الحكم بأفضلية هذا عن ذاك فلا مسلمات أيديولوجية ثابتة تبرز هذا التفوق، لذلك نجده ينتقد كل المقاربات الفلسفية التي تتحدث حول الثقافات غير الأوروبية القائمة على المقدسات والأساطير.

إذ أنه يعتبر أن الوظيفة الرمزية الروحية ثابتة باختلاف الشكل فالأساطير لها قيمة وإن كانت لا عقلانية فتلك الهمجية التي سوقت من قبل الهمجيين على حد عبارة ليفي شتراوس هي خصوصية ثقافة حيث ذكر في كتابة مداريات حزينة بعد عودته من البرازيل ما يلي«أيتها الطرائد المسكينة، يا من وقعتم في فخ الحضارة الميكانيكية، يا متوحشي الغابة الأمازونية، والضحايا الطيّعين العاجزين، بوسعي أن أفهم القدَر الذي يفيدكم، ولكن هل سأبقى باعتباري السلف الأبيض لمغامري الأحراش هؤلاء، الوحيد الذي لم يحفظ شيئًا بيديه سوى الرماد؟ وهل سيشهد صوتي الوحيد لمصلحة إخفاق الهروب؟ إنني مثل هندي الأسطورة، ذهبت إلى أبعد ما سمحت لي به الأرض، وعندما سألت الكائنات والأشياء لم أجد سوى خيبة الأمل!» نعم خيبة أمل من عجز الإنسان على احترام الإنسانية واحترام الاختلاف، عجز ثابت خاصة مع انتشار العولمة التي تطمح لتدمير الخصوصيات هكذا تحدث كلود ليفي شتراوس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد