انتهى عصر الأسرات الفرعونية بقدوم الإسكندر المقدوني إلى مصر عام 333 ق.م وهزيمته للفرس، وبدأ عهد جديد على يد ذلك الملك الذى توج نفسه ملكا على نهج الفراعنة، لكنه لم يعش طويلًا، ولم ير مدينته التي حلم بها، فقد عاد إليها من إحدى غزواته وهو مسجى في تابوته الذهبي ليدفن بها، وتبعه في حكم مصر بطلميوس الأول (سوتير) أحد قادته الذى أنشأ أسرة البطالمة التي استمر حكمهما لمصر قرابة الثلاثمائة عام، وكان من بينهم بطلميوس الحادي عشر (الملقب بالزمار) – لأنه كان يعزف على الناي – وكان حاكمًا ضعيفًا، وقد أنجب الزمار عددًا من الأبناء كان من أهمهم شخصيتنا، الملكة الساحرة.. كليوباترا!

ولدت كليوباترا عام 69 ق.م، ونشأت في بيت ملكي.. استمتعت فيه باللذات فلبست أجمل الأقمشة الحريرية، وتحلت بأروع الجواهر واللآلئ، وتعطرت بأرقى الزيوت والعطور التي جلبت من بلاد الهند وبلاد بونت.

ولكن وبالرغم من كل مظاهر الترف التي عاشتها كليوباترا في طفولتها، إلا أنها كانت دائما قلقة وغير مطمئنة.. فهي تعلم أنها من أسرة بطلمية لا تخلو من المكائد والدسائس.. حتى أنها كانت تنظر بعين الحسد إلى السكندريات المطمئنات اللاتي كانت تراهن عندما كانت تُحمل على أريكتها وهي تمر بشوارع الاسكندرية المزدحمة!

وبالرغم من أن كليوباترا هي الابنة الثانية لأبيها بعد (برنيكي) وكان يليها أخوان صبيان كان يسمى كل منهما بطلميوس أيضا، ثم أختها الصغرى والأخيرة (أرسينوي).. إلا أن أسرتها تلك لم تعرف مظاهر الحب بين الإخوة والأخوات!

كانت كليوباترا على العكس من أخويها وأختيها ذات قلب حنون قادر على الحب، كما كان لها عقل راجح أيضا، وكانت مؤمنة بالمعبودات المصرية بصدق وإخلاص على عكس كثير من البطالمة، وكانت تذهب في طفولتها إلى هياكل هذه المعبودات لتؤدي الطقوس الدينية مثل أي فتاة مصرية أخرى!

وعندما زادت الضغوط على والدها من دائنيه فر إلى روما كملك لاجئ، فاستغلت أختها برنيكي هذا الأمر وأعلنت نفسها ملكة على مصر!

واحتارت كليوباترا في أمرها، فهي وإن كانت لا تحب والدها حبًا كثيرًا، إلا أنها كانت مخلصة لفكرة المَلكية، وكانت ترى أن أختها اغتصبت السلطة اغتصابا، ولكنها – ولأنها فطنة – لم تظهر مشاعرها!

وبعد ثلاث سنوات جاءت قوة رومانية ومعها الملك الضعيف (الزمار) وأعادوه إلى حكم مصر، وهربت برنيكي، ومنذ ذلك الحين بدأت المظاهر الحقيقية لجعل مصر ولاية رومانية!

ولم يستطع بطلميوس الحادي عشر أن يغير من حاله، بل سعى للاستدانة، وبدأ يتهرب من المسئولية، وكان عزفه على الناي يزداد حزنًا مع مرور الأيام، وبعد أربع سنوات وقبل وفاته كتب وصيته بأن تُنصب كليوباترا وأكبر الولدين شريكين في الملك، وأصدر أمرًا رسميًا بأن يتزوجا إرضاءً لشعور المصريين، ونص في وصيته قائلًا: (إنني أستودع باحترام هذين الاثنين في حماية الشعب الروماني النبيل)!

ولكن الدسائس لم تتوقف بين الملكة ذات الثمانية عشر عامًا وأخيها الزوج الذى يصغرها بثمانية أعوام؛ حيث انتشرت الشائعات بأن كليوباترا عميلة لروما، وأنها سوف تبيع الاسكندرية لقيصر، وأنها فاسدة، وأنها سوف تزيد الضرائب، وأنها تغتصب السلطة من أخيها الزوج، وأنها تتمنى موته!

وفعلت هذه الدسائس أفاعيلها؛ فقد استيقظت ذات يوم على محاصرة الجماهير لها ومطالبتها بالتنازل عن العرش، فلم تجد كليوباترا مفرًا من الهرب إلى سوريا، وهناك جمعت جيشًا وعادت إلى مدخل مصر الشرقي!

وبعد فترة جاء قيصر إلى مصر غازيًا، ولم تفقد كليوباترا الحيلة والدهاء بعدما علمت بضعف قيصر أمام النساء فاستغلت نقطة الضعف هذه ووصلت إلى مقر إقامته بطريقة ماكرة وعجيبة وخطيرة في نفس الوقت، حيث جاء أحد الملاحين بمركبه يومًا أمام القصر، وطلب من الحراس أن يسمحوا له بأن يسلم البساط الملفوف – والموجود بقاع المركب – إلى قيصر كهدية من أحد الملوك، ولما دخل الملاح إلى قيصر فك اللفة فخرجت منها ساحرة مصر الفاتنة؛ الملكة الشرعية كليوباترا، فازداد إعجاب قيصر بها ووقع في حبها، وأيدها في حكم مصر بجانب أخيها الزوج!

ولم يكن الزوج راضيًا بمشاركتها له في الحكم، كما لم يكن راضيًا بتلك العلاقة التي جمعت بينها وبين قيصر، فصنع المكائد ضدها بمساعدة شقيقته الصغرى أرسينوي، واستمر السجال وانتهى بانتصار كليوباترا والتخلص من بطلميوس الثاني عشر وأرسينوي!!

ولما كان قيصر هائمًا بحب كليوباترا التي كانت حاملًا منه بطفل؛ أعلن استقلال مملكة مصر بقيادتها، ولم يعد إلى روما التي استدعته؛ فقد كان قلبه معلقا بالملكة الساحرة!

كانت كليوباترا تريد إنجاب طفلًا من قيصر لتملك به روما، وكان (قيصرون) الطفل الناتج من تلك العلاقة لم يكن ابنًا شرعيًا في نظر القانون الروماني، بالرغم من أن الرومان قد اندهشوا بالملكة المصرية – أو الساحرة المصرية كما كانوا يصفونها – عندما ذهبت إلى روما في موكب خيالي!

وسرعان ما تبخر حلمها في أن تصبح ملكة على روما؛ عندما قُتل قيصر على يد أحد أتباعه وتولى بعده الحكم (مارك أنطونيوس) الذى سرعان ما هام هو أيضًا بحبها، وتخلى عن مستقبله في روما ليتبع الملكة الساحرة إلى الإسكندرية ويستمتع بحبها الذى انتهى بإنجاب طفلين!

وبالرغم من الحب الحقيقي الذي كان بين كليوباترا ومارك أنطونيوس؛ إلا أن قادة جيش مارك أنطونيوس استبد بهم الحنق والمرارة بسبب ما كانت تجنيه – الساحرة المصرية – من هذا الحب، فهجموا على الاسكندرية للتخلص منهما معا؛ وانتهى بهما الحال إلى الهزيمة في معركة (أكتيوم) عام 30 ق.م، وانتحرا معًا؛ هو بالسيف وهى بالسم بعدما وقعت في الأسر!

ماتت كليوباترا آخر بطالمة مصر ميتة ملكية، مفضلة الموت على فضيحة مخزية واستهزاء روما بها، ماتت وهي في التاسعة والثلاثين من عمرها بعد اثنتين وعشرين عامًا قضتها في حكم مصر، ودُفنت مع مارك أنطونيوس تنفيذا لوصيتها!

ماتت الملكة التي كانت المرأة الوحيدة التي حكمت بمفردها في العالم القديم، ماتت كليوباترا التي كانت محبوبة ومحترمة في مصر؛ والتي كانوا يؤلهونها بعد موتها، والتي قال عنها المؤرخون: (إن سحرها كان يجد طريقه إلى أغوار نفوس الرجال)، ولذا فإن روما لم تكن تكرهها فحسب، ولكنها كانت تخشاها أيضًا!

ماتت كليوباترا – وللحقيقة العلمية أستطيع أن أقول – مازال الغموض يحيط بسيرتها العاطفية ومسيرتها التاريخية!

المراجع:

1- أحمد شوقي، مصرع كليوباترا، مؤسسة هنداوي للتعليم والنشر، القاهرة 2012

2- ستايسي شيف، كليوباترا سيرة حياة، ترجمة سعيد الحسنية، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت 2012

3- محمود محمد كحيلة، كليوباترا البطلمية فى الثقافة العالمية، دورية كان التاريخية، العدد الرابع، يونيو 2009

4- ونفر هولمز، كانت ملكة على مصر، ترجمة سعد أحمد حسين، الهيئة العامة المصرية للكتاب، القاهرة 1998

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد