المناخ وعبث الانسان ...والزلازل

الزلازل وحُقن المياه «الهيدروليك»

العديد من الدراسات تتحدث عن العلاقة الوطيدة بين الزلازل، وبين عمليات حقن المياه المنتجة التي تنتج إنتاجًا ثانويًّا إلى جانب النفط والغاز أثناء عمليات التنقيب- في الآبار، فالجدل قائم وسيستمر حول ارتباط النشاط الزلزالي مع آبار الحقن؛ فقد أصدرت عدد من هيئات المسح الجيولوجي دراسات خلال العشر سنوات الماضية أن معظم الهزات الأرضية التي تحدث في العديد من مناطق التقوقع خارج الأحزمة الزلزالية المعروفة في السنوات الأخيرة، سببها «حقن المياه المنتجة في آبار تصريف».

وتنتج آبار النفط أحيانًا كميات كبيرة من المياه المالحة مع النفط، في حين أن آبار الغاز تنتج مياهًا بنسبة أقل، ولاستخراج أقصى قدر من النفط يتطبق غالبًا مبدأ «الإغراق»، إذ تحقن المياه في آبار أرضية لدفع النفط للتوجه إلى آبار الإنتاج.

أصبحت الزلازل التي يسببها الإنسان موضوعًا مهمًا في المناقشات السياسية والعلمية؛ نظرًا إلى أن هذه الأحداث قد تكون مسؤولة عن أضرار واسعة وزيادة شاملة في الزلازل.

وعُرِفَ منذ فترة طويلة أن احتجاز الخزانات، والتعدين السطحي والجوفي، وسحب السوائل والغاز من تحت سطح الأرض، وحقن السوائل في طبقات الأرض قادرة على إحداث الزلازل؛ فأصبحت الزلازل الناجمة عن الحقن نقطة محورية، إذ إن تقنيات الحفر الجديدة واكتمال الآبار تمكن من استخراج النفط والغاز من الطبقات التي لم تكن منتجة من قبل.

وتعتمد عملية استخراج النفط من باطن الأرض على عملية التكسير الهيدروليكي، وهي عبارة عن ضخ ملايين الغالونات من المياه المخلوطة مع أحماض ومكونات كيميائية أخرى، تكسر الصخور والرمال الجوفية المشبعة بالنفط والغاز. وبعد عملية الضخ والتكسير تتحرر كميات النفط والغاز؛ نتيجة الضغط المتولد في طبقات الأرض لتتدفق خارج البئر، وتحقن هذه الآبار الماء الملوث في طبقات عميقة جدًّا في الأرض؛ لحماية المياه الجوفية من التلوث. وتستخدم شركات التنقيب هذه الآبار نظرًا إلى تكلفتها المنخفضة، مقارنة بالحلول الأخرى.

فقد اكتشف علماء زلازل أمريكيون ارتباطًا بين ضخ مياه الصرف في آبار النفط المستخدمة في ولاية تكساس الأمريكية والهزات الأرضية المحلية هناك، وذلك عبر إجراء رصد بواسطة الأقمار الصناعية، ويعتقد العلماء أن مواصلة استخراج الموارد الطبيعية سيثير وقوع زلازل جديدة في المنطقة.

وقد أثبت الباحثون أن النشاط الزلزالي ازداد في العديد من المناطق التي يستخرج منها النفط. وربط الباحثون هذا الواقع بضخ المياه في آبار الغاز والنفط مما يزيد الضغط الهيدروديناميكي في مسامات الصخور، وهذا يزيد بدوره تشقق الصخور، كما يؤدي إلى صعود سطح الأرض، وهو ما يمكن رصده بواسطة الأقمار الصناعية.

ويدرس علماء الزلازل العلاقة القائمة بين ازدياد الضغط ضمن طبقات الصخور، والنشاط الزلزالي المراقب في مناطق شرقية من ولاية تكساس بشكل دقيق.

وأكدت نتائج الدراسة أن الزلازل كذلك الذي حدث في ولاية تكساس في عام 2014، واتصف بشدة 4.8 درجات، يتسبب بها ضخ مياه الصرف في آبار الغاز والنفط. يعتقد العلماء أن استخدام الأقمار الصناعية لمراقبة تأثير استخراج الموارد الطبيعية قد يزيد من دقة التنبؤ بمواقع الهزات الأرضية التي يسببها النشاط البشري وشدتها.

الزلازل والاستنزاف المفرط لباطن الأرض

فقد حذر العديد من الجيولوجيين من خطر الزلازل والاستنزاف الهائل لباطن الأرض، وكمية ما يستخرج من الذهب الأسود (البترول)، طيلة العقود الماضية التي أثرت بكل تأكيد على جيولوجية المنطقة، وهو الأمر الذي يؤدي إلى تفريغ الأرض وفتح تشققات صخرية وصدوع جيولوجية، وهو ما يعد أيضًا من دوافع حدوث الزلازل التي يتسبب بها الإنسان، وفي حالة أي تصدع اليوم في إيران فإن تسربًا نوويًا سيقضي على حياة الآلاف من البشر، خصوصًا في منطقة الخليج العربي، خاصة المدن الكبيرة على الساحل، وتُعرف الهزات على أنها ظاهرة كونية فيزيائية بالغة التعقيد، تظهر على هيئة حركات عشوائية للقشرة الأرضية، على شكل ارتعاش وتحرك وتموج عنيف، وذلك نتيجة لإطلاق كميات هائلة من الطاقة من باطن الأرض، وهذه الطاقة تتولد نتيجة لإزاحة عمودية أو أفقية بين صخور الأرض عبر الصدوع التي تحدث لتعرضها المستمر للتقلصات والضغوط الكبيرة.

أكثر من ثمانية عقود من الاستنزاف اليومي لباطن الأرض لاستخراج الذهب الأسود، والذي بالتأكيد أحدث فراغات ومسامات وفجوات في باطن الأرض، وعلى مسافات متقاربة وقريبة من سطح الأرض، مما يدل على زحزحة في طبقات الأرض التي ستتسبب في حدوث انهيارات أرضية في طبقات الأرض، التي باستمرارها وديمومتها ستحدث انهيارات كبرى في سطح الأرض مستقبلًا.

تتراوح الزلازل في شدتها من هزات خفيفة بسيطة الضرر، إلى هزات عنيفة تؤدي إلى تشقق سطح الأرض، وتكوين الحيود والانزلاقات الأرضية وتحطيم المباني، ويتعاظم تأثير الهزات في الأراضي الضعيفة، خصوصًا في الرواسب الرملية والطينية حديثة التكوين، ويعلل ذلك بأن هذه الرواسب تهتز بعنف بسبب انخفاض معامل مرونتها وصلابتها، وعدم مقدرتها على تخفيف التأثير التسارعي، الذي تتعرض له الحبيبات بفعل الزلازل.

وبشكل عام، تقسم أسباب الزلازل إلى أسباب طبيعية، لا دخل للإنسان بها، وأخرى غير طبيعية تنتج بسبب نشاطات الإنسان التي تخل باتزان القشرة الأرضية، وتعد الزلازل ذات الأسباب الطبيعية الأكثر شدة ودمارًا؛ فقد بينت بعض الدراسات الإحصائيات الزلزالية في منطقة ما، أن بعض الزلازل تتكرر في خلال فترة معينة نتيجة لتراكم الإجهاد عبر السنين، وبعد أن يصل مقدار الإجهاد إلى المنطقة التي لا تتحملها القوة على جانبي الفالق المستدير، مما يؤدي إلى حدوث زلزال شديد. إن أي تدخل أو إضافة عامل آخر «كالعامل البشري» قد يجعل تكرار مثل تلك الزلازل، بحكم زيادة اختلال التوازن الطبيعي للمنطقة، ونقصد بالعامل البشري التدخل والتعامل مع الطبيعة بشكل مفرط، مثل بناء المشاريع الضخمة العمرانية، الصناعية، المائية (السدود) أو إجراء التفجيرات الجوفية.

لكن علينا الانتباه إلى أنه ليست كل الهزات الأرضية تحدث في المناطق النشطة زلزاليًا، وقد سجل التاريخ حدوث العديد من الهزات الأرضية في أماكن تصنف بمناطق مستقرة جيولوجيًا، ولعل أهم حدث قريب زلزال وادي المسيسبي في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1812، إذ يعد أعنف زلزال عرفته أمريكا الشمالية بقوة 8.7 مقياس ريختر، وما تزال أسباب حدوثه من المسائل الغامضة، ولا يوجد تفسير علمي جيولوجي مقنع لهذا الزلزال حتى الآن، إلا أن بعض العلماء ربطوا ذلك بالثروة المائية الهائلة وجريان الأنهار، وكثرة الأمطار التي يعتقد أنها قد تكون سببًا في حدوث الانشقاقات لتسرب المياه إلى باطن الأرض، محدثة ضغطًا بين الصخور لتخرجها على شكل هزات في طبقات الأرض، تتفاوت درجتها بين الخفيفة والشديدة القوة حسب درجة التسرب والانشقاق الصخري، مما يعطي مؤشرًا على ضرورة دراسة احتمالية تعرض أي منطقة في العالم للهزات الأرضية.

وتقرّ هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أنّ عمليات ضخ أي سوائل في جوف الأرض تتسبّب في إحداث الزلازل؛ إذ ينتج من حقن السوائل في طبقات الأرض الجيولوجية ضغطًا متزايدًا على مناطق التصدّع (أو الفوالق)؛ ممّا يُحدث انزلاقات وهزّات أرضية. ولكن فيما يتعلق بربط النشاط الزلزالي مع تزايد أنشطة التكسير الهيدروليكي وضخ المزيد من السوائل إلى باطن الأرض، من خلال آبار تقليدية (غير صخرية)، التي تعتمد على تقنيات تحسين الاستخراج، ومن خلال حقن الماء الملوث الذي يستخدم للتخلص من المياه الناتجة من عمليات التنقيب وإنتاج النفط، وتعتقد هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أنّ آبار الحقن قد تكون السبب الرئيسي وراء تزايد النشاط الزلزالي.

لقد أصبحت الزلازل في مواقع غير متوقعة، وهذا أصبح موضوعًا مهمًا للمناقشة في كل من أمريكا الشمالية وأوروبا، بسبب القلق من أن النشاط الصناعي يمكن أن يسبب زلازل مدمرة.

ومن المفهوم أن الزلازل يمكن أن تحدث عن طريق احتجاز الخزانات الأرضية، والتعدين على السطح وفي جوف الأرض، واستخراج السوائل والغاز من تحت سطح الأرض، وحقن السوائل في طبقات الأرض.

وأصبحت الزلازل الناجمة عن الحقن، على وجه الخصوص، محور النقاش؛ إذ إن تطبيق التكسير الهيدروليكي لتشكيلات طبقات الصخر الزيتي الضيقة هو إمكانية إنتاج النفط والغاز من الطبقات غير المنتجة سابقًا.

العلاقة بين الأمطار والزلازل:

ومن الدراسات الحديثة اليوم هو إثبات علاقة الأمطار بالزلازل بعد موجة الأمطار في المنطقة أعقبتها سيول، فهنالك بحث علمي لعالم الجيولوجيا جون راندل، البروفيسور بجامعة كاليفورنيا يو سى دافيس، يوضح فيقول: «مياه الأمطار تتسرب إلى أحد الفوالق في الأرض وتحدث ضغطًا بين الصخور بشكل كافٍ كي يحرك الصخور، ويحدث هزة في الأرض في صورة زلزال، ممكن أن يكون محسوسًا لنا، أو غير محسوس، كما هو في الغالب، ولا يزيد على درجتين ريختر». ومن الواضح أن علاقة نزول المطر بحدوث الزلازل علاقة قائمة وموجودة فعلًا ويدرسها بالفعل علماء الجيولوجيا، كما أنها علاقة مرصودة ومسجلة في سجلات هيئات الطقس وسجلات مراصد الزلازل، والهزات الأرضية والزلازل.

تعد الأمطار من أهم عناصر المناخ ارتباطًا بحياة الإنسان، كما أنها تتحكم في عناصر البيئة المختلفة، كالتربة، ونوع الغطاء النباتي وكثافته، وتوزيع السكان.

كما وتعد الأمطار أحد الأسباب الرئيسة التي تؤدي إلى الانهيارات والانزلاقات الأرضية، نتيجة لتأثر الصخور بالعديد من الشقوق والفواصل أثناء تكوينها، أو من خلال العمليات الجيولوجية اللاحقة لتكوينها، بالإضافة إلى عوامل التعرية الأخرى.

كما أن وجود بعض الطبقات الطينية التي تتموضع عليها الكتل الصخرية المعرضة للسقوط تساعد على حدوث الانهيارات الصخرية؛ لأن هذه الطبقات لها قابلية شديدة لامتصاص المياه والانتفاخ والتشقق بعد فقدانها المياه، وبذلك تكون محفزة لحدوث الانهيارات وتساقط الكتل الصخرية.

وهنا يمكن القول إن الزلازل تعد عاملًا محفزًا لحدوث الانهيارات والانزلاقات الأرضية، وأن الاستخراج المفرط من المياه من تحت سطح الأرض يؤدي إلى خلق أجواء مناسبة لتنشيط النشاط الزلزالي، وتظهر تلك الأنواع من الزلازل في حالة انخفاض أو زيادة الضغط والطاقة بين الطبقات، ذلك ما دعا البروفيسورة جيلان فولجر وعدد من زملائها بقسم علوم الأرض في جامعة درهام بإنجلترا نشر دراسة في مجلة the conversation قالت فيه إن هناك علاقة بين نزول الأمطار والزلازل، واستندت إلى سجلات نزول المطر وحدوث الزلازل في مناطق معينة بألمانيا عام 2002 وسويسرا في عام 2005 لتؤكد وجود علاقة بينهم، ودللت بتصريحات الدكتور كليف كولين، خبير الزلازل الشهير بأستراليا، التي قال فيها إن «حدوث الزلازل مفيد جدًّا للإنسان، ومهم جدًّا للحياة على كوكب الأرض».

كما يورده لنا القران الكريم: أن نزول المطر يحدث هزات أرضية، وأن الهزات الأرضية هذه تعطى حياة لكوكب الأرض، يقول تعالى: «وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيج»، ويقول تعالى: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِى أَحْيَاهَا لَمُحْيِى الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

بيئة

المصادر

عرض التعليقات
s