يبدو الحديث عن حقوق الإنسان في سياق التغير المناخي – ولا سيما في المنطقة العربية – ترفًا زائدًا نحن في غنى عنه؛ إذ يشهد العالم انتهاكات حقوقية جسيمة بما فيه الكفاية، من الاعتقال السياسي وحبس الصحافيين والمدونين مرورا بالتمييز والعنف الجنسي إلى التفقير والحرمان والحروب، فلماذا نريد إضافة «انتهاكات التغير المناخي» إلى كل ذلك؟!

في الواقع، تَعْتبِر الأمم المتحدة تغير المناخ واحدًا من أكبر المخاطر التي تُحدق بحقوق الإنسان في القرن الواحد والعشرين، ويشكل تهديدًا جِديًّا على حياة الأفراد وصحتهم وغذائهم ومساكنهم، بل يهدد وجود مجتمعات بأكملها على المدى المتوسط، بخاصة المجتمعات الفقيرة، وهذا ما يسعى إلى توضيحه هذا المقال.

أولًا ما علاقة التغير المناخي بحقوق الإنسان؟

لم يسبق لفكرة ما، سواء كانت دينًا أو فلسفة أو قانونًا، أن حظيت بقبول وإجماع عالمي مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، عندما أصدرت الوثيقة التاريخية في 10 ديسمبر (كانون الأول) 1948 بموجب القرار 217 ألف، وُصف الأمر بأنه أهم حدث في تاريخ البشر. أخيرًا توصلت كافة الشعوب والأمم إلى معيار مشترك للعيش بسلام، وغدا للمسحوقين حول العالم سند شرعي دولي يحتجون به ضد الظلم، وحق في العيش حياة كريمة مثل جميع الناس.

تُرجمت تلك الحقوق إلى 500 لغة من لغات العالم، وبُني عليها العشرات من القوانين والمعاهدات الدولية، التي تهدف إلى ضمان الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للأفراد والمجموعات، بالإضافة إلى تلك الاتفاقيات المتعددة الأطراف المتعلقة بحقوق الطفل والمرأة والأقليات واللاجئين والبيئة.

على الرغم من أنها مجرد «فكرة جماعية نؤمن بها وتساعدنا على الانسجام والتعاون فيما بيننا، شأنها شأن المال والقوميات والأديان»، على رأي يوفال نواح حراري، فإن فكرة «حقوق الإنسان» اجتاحت العالم، وأدرك الرجال والنساء في كل مكان أنهم يتمتعون بحقوق لا ينبغي لأي حكومة أن تأخذها منهم.

بالطبع من السهل القول إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ظلَّ منذ ذلك الحين حبرًا على ورق، خصوصًا عندما نرى على شاشات التلفاز الحرب والمجاعة تفتكان بالأطفال اليمنيين، والوحشية تسود في سوريا، والفارين من بلدانهم البائسة يغرقون في عرض البحر. وهذا إلى حد ما صحيح في جزء كبير من المنطقة العربية العصية على التطبيع مع حقوق الإنسان.

لكن عند النظر إلى الصورة الأكبر، واستنادًا إلى الإحصائيات، نجد أن واقع حقوق الإنسان عمومًا شهد تحسنًا مطردًا في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تراجع الجوع والحرمان وتناقص بشكل كبير معدل وفيات الأطفال وقلت الحروب، فيما ازداد مستوى الصحة ومتوسط العمر وارتفعت نسبة التعليم. علاوة على ذلك، انكمشت الظواهر المهينة للبشر، من مثيل التعذيب والعبودية والاضطهاد العرقي والديني، والتي كانت إلى عهد قريب شائعة في جل المجتمعات. فضلًا عن أن الحركة الحقوقية تكتسب زخمًا يومًا بعد يوم حتى داخل جدران البلدان المستبدة.

وبالتأكيد لا تزال حقوق الإنسان تعاني الأمرين في بعض الأماكن، سواء بسبب المتعصبين المجانين أو هواة الحروب أو المستبدين الذين بدؤوا يظهرون ثانية في كل مكان، مثل الضفادع بعد هطول الأمطار. إلا أن التحدي الرئيسي الذي يهدد حقوق الإنسان الأساسية اليوم هو التغير المناخي.

ويعود السبب ليس فقط لآثاره البيئية المدمرة، بل أيضًا لأنه في أوقات الأزمات الكبرى، دائمًا ما توضع حقوق الإنسان خلف الدرج وتصبح الغلبة للأقوى والأغنى ببساطة. ولنأخذ مثالًا على ذلك أزمة وباء فيروس كورونا، والذي من المحتمل أن تكون له صلة مباشرة مع تغير المناخ، بالنظر إلى أن المرض يزيد بقاؤه وتكاثره وتنقله في الظروف البيئية المضطربة.

عندما حلَّت الجائحة، سارعت البلدان الغنية إلى تأمين شعوبها أولًا وأخيرًا، واستولت على جل المنتجات الطبية والصحية المتاحة في السوق العالمية، بما في ذلك اللقاحات، تاركة البلدان الضعيفة تواجه مصيرها أمام الفيروس القاتل. فيما استغلت البلدان المستبدة في الشرق الأوسط وأفريقيا الوباء لإطلاق جائحة من انتهاكات حقوق الإنسان، واستخدمت حالات الطوارئ الصحية لسحق المعارضة  وتجريم الحريات، وإخراس صوت الصحافيين والناشطين.

أما على مستوى الأفراد، ولا سيما في بلدان العالم الثالث، فقد انقلبت حياة مئات الملايين من العائلات والفقراء رأسًا على عقب، بعد فقدانهم وظائفهم وتراجع مداخيلهم إلى القاع، وغدت الفوارق الطبقية بين الفقراء والأغنياء في المجتمع الواحد واضحة أكثر من أي وقت مضى، حيث حصَّن الأثرياء أنفسهم وعائلاتهم مستخدمين المال والنفوذ، بينما واجه المعدمون الوباء وتداعياته بصدور عارية.

فمن كان يظن أن «أزمة كورونا» ستؤدي إلى زعزعة أوضاع حقوق الإنسان بهذا الشكل وبروز نزعات الأنانية، في حين يُتوقع أن تكون الأزمات العالمية التي سيتسبب فيها التغير المناخي في السنوات القادمة أكبر من ذلك بكثير.

كيف يؤثر تغير المناخ في حقوق الإنسان؟

تُعبِّر حقوق الإنسان عن حق جميع الناس في أن يعاملوا على قدم المساواة وأن يعيشوا حياة حرة وآمنة وكريمة، وهذا يشمل الحق في الحياة والصحة والغذاء والسكن اللائق والبيئة النظيفة، ومن واجب حكوماتهم حماية هذه الحقوق بقوة القانون الدولي لحقوق الإنسان. وتغير المناخ يمثل تهديدًا هائلًا لهذه الحقوق الأساسية، وعلى رأسها الحق في الحياة.

يتمثل الخطر الأول للتغير المناخي في الكوارث الطبيعية المباشرة الناجمة عنه، من فيضانات وحرائق وأعاصير تدمر السكن والسكان، بالإضافة إلى أشكال أخرى من التدهور البيئي، مثل الجفاف والتلوث، التي تقوض ببطء وصول الملايين إلى الغذاء والماء والمأوى والرعاية الصحية والصرف الصحي. أما الخطر الثاني فيتجلى في تداعياته البشرية الممثلة في التنافس على الموارد الشحيحة بين الدول وبين أفراد المجتمع الواحد، وما قد ينجم عن ذلك من اضطرابات وحروب وتهجير وعدم مساواة.

وهذا ليس مجرد تخمين سوداوي لرؤيا ما في المستقبل، إنه بالفعل واقع وثَّقه خبراء الأمم المتحدة منذ عام 2015 بالتفصيل، في تقرير كامل بعنوان «تغير المناخ وحقوق الإنسان». ووفقًا لمجلة «لانسيت» العلمية فإن «أزمة المناخ هي أكبر تهديد للصحة العالمية في القرن الحادي والعشرين، قد تعكس خمسة عقود من التقدم إلى الوراء في مجال الصحة العالمية، خاصة وأنها تعرض الحق في الغذاء للخطر».

وقد شهدنا سلفًا في المنطقة العربية بعض تداعيات التغير المناخي خلال السنوات الأخيرة، حيث سجلت البصرة في العراق درجة حرارة تاريخية بمقدار 53.9 درجة مئوية، كما شهدت منطقة تافيلالت بالمغرب جفافًا قاحلًا هَجَّر قرى بأكملها، وأخرج الناس في بلدة زاكورة إلى الشوارع احتجاجًا على العطش، فيما يواصل البحر الزحف على سواحل الإسكندرية بمصر.

غير أن كل ذلك ليس سوى لمحة بسيطة لما هو قادم، إذا تتضاعف تداعيات الاحترار العالمي بشكل أُسِّي مع مرور السنوات، وهو ما يحعل تغير المناخ تهديدًا جسيمًا لحياة الإنسان والمجتمعات.

ومن المتوقع بحلول عام 2050، أن ترتفع درجات الحرارة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمقدار 4 درجات مئوية، وتعرف المنطقة نقصًا حادًّا في المياه العذبة والغلة الزراعية بشكل يعرض حياة الملايين للخطر في العقود القليلة القادمة، وفقًا لمعهد ماكس بلانك الألماني. وبحلول نهاية القرن حسب دراسة منشورة على مجلة «نيتشر» العلمية، قد تصبح معظم المنطقة غير صالحة للسكن.

والأسوأ من ذلك كله، أن الأفراد والمجتمعات حول العالم لا يواجهون تداعيات التغير المناخي بطريقة متساوية، وإنما يتلقى الفقراء الخسارة الأعظم.

في الحاجة إلى عدالة مناخية

يُنظر عمومًا إلى حقوق الإنسان على أنها «حقوق غير قابلة للتصرف»، يحصل عليها الفرد طبيعيًّا لمجرد أنه إنسان، وهي متأصلة في جميع البشر، بغض النظر عن جنسهم أو عمرهم أو عرقهم أو دينهم أو أصلهم الجغرافي أو موقعهم الاجتماعي أو أي وضع آخر، إنها حقوق لازمة التطبيق في كل مكان وزمان، بمعنى أنها عالمية تشمل جميع الناس بطريقة متساوية.

لكن في الواقع، التغير المناخي لا يعامل الناس بشكل متساوٍ، فمن المتوقع أن تحدث التأثيرات الأكثر دراماتيكية في البلدان الفقيرة والمستبدة، حيث سيتعرض السكان المحرومون أكثر من غيرهم إلى تداعيات المناخ، بسبب افتقارهم إلى الموارد اللازمة للتكيف مع التغييرات الفجائية في حياتهم، بعكس الأغنياء، وقد علَّمتنا جائحة كورونا درسًا في هذا الشأن.

 بهذا المعنى، فالحكومات التي تترك التغير المناخي يسحق الطبقات المحرومة بدون حماية ترتكب انتهاكًا منهجيًّا لحقوق الإنسان للناس الفقراء تحديدًا، إنه أمر يتعلق بالعدالة المناخية وتكافؤ الفرص في مواجهة الخطر البيئي القادم.

وبالتالي فإن مكافحة التغير المناخي يعد دفاعًا عن حقوق الإنسان، بل يجب أن يصبح الحق في بيئة مستدامة، على حد قول حنة أرندت، «مبدأً جديدًا للإنسانية، له الأسبقية على الحقوق الأخرى»، لما له من تهديد وجودي ولا سيما على الطبقات الشعبية الفقيرة في المجتمعات المستبدة.

من هنا تنبع الحاجة الملحة، كمجتمعات عربية وعالمية، إلى مساءلة حكوماتنا عن انتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بالتغير المناخي، سواء بسبب تقاعسها عن حماية البيئة والمناخ، أو غضها الطرف عن جرائم الشركات في حق البيئة، أو بسبب عدم المساواة التي تزيد معاناة الفئات المحرومة من تداعيات الاحترار العالمي.

لذا نأمل أن تتبع البشرية، وعلى وجه خاص بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الطريق الصحيح، وتنهج التحول الفوري إلى اقتصادات الطاقة النظيفة، وحماية الغابات، وغيرها من السياسات الخضراء المعروفة. وقبل كل ذلك، نحتاج إلى بناء أنظمة ديمقراطية عادلة، تقدم لجميع الأفراد الفرص المتكافئة لمواجهة آثار التغير المناخي التي لا مفر منها، إذ في النهاية أزمة المناخ هي أزمة عدالة وحقوق إنسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد