* (وخامسًا): “الأفق النفسي”

 

أ- منذ بدأ اصطِباغُ قطاعات منا بـ “الروح العنصرية”، والتي وصلت إلى حد إيجاد ضروب من “التفرقة الأسمنتية” بينهم وبين بني البشر (مسلمين كانوا أو غير مسلمين) في شتى المناحي (الدينية والمعرفية والحضارية والأخْرَوية .. إلخ)؛ بحيث جَعَلَت هذه القطاعاتُ لنفسها “المكانةَ العليا” (وكأنما هي “ثابتٌ كوني” لها، و”جزءٌ لا يتجزأ” من تكوينها وكينونتها وصيرورتها)، ولغيرها “المكانة الدنيا” (وكأنما هي “ثابتٌ كوني” في غيرهم، و”جزءٌ لا يتجزأ” مِن تكوينهم وكينونتهم وصيرورتهم).

 

ب- ومنذ الانتشار المعاصر لـ “منطق ونفسية وذهنية التناحر والاجتثاث” بين مختلف الأطياف السياسية والفكرية في المجتمع الواحد (وهو سببٌ ونتيجةٌ – معًا- لكثيرٍ مما سبق وما سيأتي ذكره).

 

وهذا كله يساهم – ضمن ما يساهم – في خَلْق “روح الاستبداد” و”قابليتنا له”، وفي استمرارهما والنَّفْخ في كِيرِهما.

 

* (وسادسًا): “الأفق التربوي والأسري والسلوكي والأخلاقي”

 

أ- عندما سادت “الروح البَطْركية التسلطية الوصائية” في العلاقة بين “الزوج وزوجته”، وفي علاقة “الوالدَيْن بأولادهم”، وفي علاقة “الأخ الأكبر بإخوته الأصغر”، وفي علاقة “الأخ الذكر بأخته الأنثى”، وفي علاقة “المعلم بطلبة العلم”، وفي علاقة “الداعية بالمدعُوِّين” .. إلخ.

 

ب- وعندما شاعت “النظرة الدونية والمُحْتَقِرة” للمرأة في العقل الجمعي للمسلمين، وماذا يُنتظر مِن مجتمع يَنظُرُ إلى أحد نِصفَيْه هذه النظرة الرَّدِيَّة؟! وماذا يُنتَظَر – كذلك – مِن كائنٍ مُحتَقَرٍ إلا أنْ يُخْرِجَ لنا أطفالًا مُشَوَّهين ذهنيًا ونفسيًا وعقليًا ومعرفيًا وإدراكيًا وسلوكيًا!

 

ج- وعندما شاعَ أمرُ “قَبْضِ” النَّفْس واليد عن البذل والعطاء، على اختلاف أَوْجُه وميادين البذل والعطاء، معنويًا وماديًا (وهو سببٌ ونتيجةٌ – معًا – لكثيرٍ مما سبق وما سيأتي ذكره من آفاقٍ عامةً، والنقطتان الآتيتان خاصةً).

 

د- وعندما بدأ فهمُنا للأخلاق التي دَعَا إليها دينُنا يتشوه[1]؛ بحيث – مثلًا – أصبح الصلاحُ والفضيلةُ والرقيُّ قاصرًا على “مجرد اجتناب المحرمات”، وكأنَّ ما وراءَ ذلك كله لا يساوي شيئًا؛ في حين أنَّ “اجتنابَ المحرمات” هو “أخلاقٌ وصلاحٌ من جانبِ السلب”، فأين الأخلاقُ والصلاح من جانبِ الإيجاب؟!

 

لقد أصبح لقبُ ومفهومُ “المرء الصالح” قاصرًا – في أذهاننا وتصوراتنا ولا وعينا معًا – على: مَن لا يزني ولا يسرق ولا يشرب الخمر ولا يقامر، أو على مَن نرى السّبْحَةَ لا تفارق يديه، وورقات المصحف لا تفارق أصابعه .. إلخ.

 

بينما مَن تقوم حَرَكته في الحياة على الجِد والنظام واليقظة والتعاون والسماحة .. إلخ[2] أصبح مُسْتَبْعَدًا – في أذهاننا وتصوراتنا ولا وعينا معًا – من أن يندرج تحت لقب ومفهوم “الرجل الصالح”، بينما هو أَوْلَى وأجدر الناس به؛ لأنَّ إيمانه القلبي قد أثمر وأينع وظَلَّلَ حركته في الحياة![3]

 

لقد تشوهت مفاهيمُنا عن دين الله وهديه وإرشاده ونوره، بحيث – مثلًا – أصبح المنهي عنه (وهو في حقيقته مجردُ مُتممٍ وخادمٍ لجانب المأمور به) هو غايةُ مرادِ الله من عباده، وأنه بمجرد “الامتناعِ” عنه، وشيوعِ ذلك، نكون قد “أقمنا” – بحقٍّ – دينَ الله وهديه، وستأتينا النهضةُ جاثيةً على الرُّكَب!

 

وبهذا الفهم المُشَوِّه: تَرْجُحُ كفة جانب “السلب”، وتَطِيشُ كفة جانب “الإيجاب”؛ وبهذا نَدخُلُ جُحْرَ “أضعف الإيمان”؛ وأنْ تعيشَ على “أضعف الإيمان” يعني ويُثمِرُ ويَؤُول معًا إلى أن تعيشَ بوصفك “أضعف الأمم”؛ وهذا هو ما نحنُ فيه!

 

هـ- وعندما تغافلنا عن أنَّ كثيرًا من أنماط حركتنا في الحياة إنما يتركب من رُكنين/عنصرين أو أكثر، وأن على أساس “حُسن” أو “سوء” هذا التركيب تتحدد درجة رقينا وتَزَكِّينا الأخلاقي، ومن ثم فاعليتنا العمرانية والإعمارية، وبالمثال يتضح المقال:[4]

 

فتقوى + إيجابية = فاعلية عمرانية وتغيير للمنكر.

 

وتقوى + سلبية = قعود عمراني وصمت على المنكر.

 

وورع + تحرر فكري = اجتهاد محكم.

 

وورع + تقديس للسلف = تقليد وجمود.

 

وإخلاصٌ لله + سماحة = تعاون.

 

وإخلاصٌ لله + تعصب جاهلي = تنافر وتباغض.

 

ومحبة + يقظة = تعاون.

 

ومحبة + بلادة = مجرد عاطفة.

 

و- وعندما تغافلنا عن أن الأمم إنما تنهض وتقوم وتتقدم وتتزكى وتقوى، في حركتها في الحياة، بـ “غَلَبةِ تأثيرِ مجموعةٍ معينةٍ من القيم والأخلاق” (مثل: الثقة بالنفس، الطموح، الجد، الإتقان، النظام، اليقظة، البسالة .. إلخ)؛ بحيث إذا بَرَزَت هذه المجموعة المعينة من القيم وسادت: امتد دورُها حتى إلى التخفيف من ظهور آثار بعض الانحرافات القيمية والأخلاقية الأخرى الموجودة أو الحادثة (مثل: الزنا والخمر والقمار .. إلخ)؛ لأنه لا يُضيرُ حَرَكَةَ الأممِ في الحياة وجودُ “بعض أخلاق الباطل والشر” مع وجودِ وبروزِ وغَلَبةِ وسيادةِ “أخلاقِ الخير الإعمارية القوية”،

 

عم، مُضِيُّ الزمن (بما يحمل في أحشائه من تقلبات وتغيرات وعوامل شتى، مثل: الحروب، أو انتشار الترف، أو انتشار الفقر المُدقِع، أو الفراغ الروحي .. إلخ) قد يُوقِعُ في “جُبِّ الإسراف في أخلاق الباطل والشر وطُغيانها”، وعندها تتحطم “أخلاقُ الخير الإعمارية القوية” أو يَضعُفُ ويَتَضَعْضَع تأثيرُها وأَلَقُها ونفاذيتها، وبالتالي يَؤُول أمرُ هذه الأمم إلى التقهقر والانحلال[5].

 

وهذا كله يساهم – ضمن ما يساهم – في خَلْق وتأصيل وتجذير “روح الاستبداد” و”قابليتنا له”، وفي تغلغلهما في النسيج الضام اللاحِم المُكَوِّن للَبِنَاتِ المجتمع، وفي توسيع نطاقهما، وفي استمرارهما، أفقيًا ورأسيًا، في المكان والزمان.

 

* (وسابعًا): “أفق بِنية ونُظُم ومؤسسات وآليات وأدوات ووسائل الحُكم السياسية الحديثة والمعاصرة”

 

إذ منذ نشأة/ تدشين مشروع “التحديث/ التطوير/ البناء من خلال السلطة” (أي منذ مشروع محمد علي ودولته المتوغلة وتحديثه/ تطويره/ بنائه القَسْري) [6] و[7]:

 

أ- بدأت – بالتدريج – الشرعنة “الحضارية” و”الفقهية” (أي “الحَضْرَنَة” و”الفَقْهَنَة”) لتغول وتوغل الدولة على حساب أنفاس المجتمع/ الجماعة/ الأمة/ الشعب/ الجماهير.

 

ب- وتم – بالتدريج، ولكنْ بحسم – تنحية مختلف الهياكل المجتمعية والاجتماعية القائمة، و/ أو ضربها.

 

ج- وبدأ – بالتدريج – إنشاء هياكل أخرى بديلة عنها، ولكنها كانت:

  • “سلطويةً” في بِنيتها (تُفرَضُ – مِن أعلى – بالسوط والعصا، ويُساق إليها – قهرًا – المجتمع/ الجماعة/ الأمة/ الشعب/ الجماهير).

 

  • و”مُهَيْمِنَةً” في مقاصدها و/ أو مساراتها و/ أو مآلاتها.

 

د- وبدأ – بالتدريج – “التحكم الكامل والشامل والمطلق للسلطة في العملية التعليمية” [8] (والذي كان من مقاصده وثمراته – معًا – النقطةُ “هـ” التالية مباشرةً)، فتوقف بذلك انبثاقُ العلمِ عن الأمة، وبدأ انبثاقُهُ عن السلطة، مما جعله لا يدور إلا في فلك تصوراتها وإرادتها وخِدْمَتِها؛ أليس قد دخل “جُحرَ” السلطة ووقع في “جُبِّها”؟!

 

هـ- وبدأ – بالتدريج – إنشاء وتكوين “نخبة سُلطوية” (قوامها الأساسي من “العسكر الضباط” أولًا وثانيًا، ومن “الموظفين التكنوقراطيين” ثالثًا) [9] و[10]، تُصنع على عين “المتحكمين في السلطة والمُسَيْطرين عليها”، وبرعايتهم المباشرة، وتحت إشرافهم المباشر (عبر المدارس والجامعات والمناهج والآليات التعليمية والإعلامية “الرسمية”؛ حيث كلها – شكلًا ومضمونًا – إنما تقرره وتفرضه السلطة الحاكمة القائمة، ويتغير بتغيرها)؛ ليتم استخدامها – دون غيرها أو قَبْل غيرها -:

 

  • في “تنفيذ مخططات ومشروعات ورؤى وأهداف” هؤلاء المتحكمين المسيطِرِين.

 

  • وفي التحكم في مختلف المفاصل الهامة للدولة (بتعيينهم في مختلف المناصب الرئيسية “الحساسة” و”الهامة” و”الحيوية” و”الخدمية”)[11].

 

وبهذا كله، نصبح أمام أمرين:

 

أولهما: أمامَ تَكَوِّنِ طبقةٍ كاملة من “المُوَظفين/ مُوَظَّفي السلطة”[12]: “الإداري الموظف/ إداري السلطة”، و”العالِم الموظف/ عالِم السلطة”، و”المعلم الموظف/ معلم السلطة”، و”المثقف الموظف/ مثقف السلطة” و”التِّقَنِي الموظف/ تِقَنِي السلطة”، و”العسكري الموظف/ عسكري السلطة”، و”الطبيب الموظف/ طبيب السلطة” .. إلخ.

 

والفئات العليا – في سُلِّم الوظيفة والثروة – من هذه الأنواع: هم من أهم مصاديق “الإقطاعيين الجدد” و”طبقة الحُكم الجديدة” اللذين ستأتي الإشارة إليهما في النقطة “ز” بعد قليل.

 

وثانيهما: أمامَ تَكَوُّنِ ما يمكن تسميته بـ “جيش السُّلطة” (وبالتدريج، ومع مرور الوقت، سننتقل من حالة “جيش السلطة” إلى حالة “سُلطة الجيش”).

 

و- وبدأ – بالتدريج – النزوع إلى ما يمكن تسميته بـ “محاولة ضبط الإسلام”؛ أي “التحكم فيه”؛ بإدخاله إلى “حظيرة الدولة/ السلطة/ النظام الحاكم”، حيث بدأت نُظُمُ حُكمنا المعاصرة تسعى دومًا لكي تُقيمَ “جِسْمًا رسميًا من علماء الدين” تُنِيطُ به “احتكارَ الشؤون الدينية”، وبهذا يتم “تأميم” الإسلام من خلال:

 

  • “تحويل علمائه إلى موظفين”.

 

  • “إنشاء” مؤسسات دينية مركزية تابعة لها و/ أو “دعمها” و/ أو “استتباعها” (المدارس والجامعات الدينية الرسمية).

 

ز- وبدأ – بالتدريج – تَكَوُّن ما يمكن تسميته بـ “الإقطاع الحديث” و”الإقطاعيين الجُدد”، إفرازًا مباشرًا، وثمرةً مباشِرةً، من إفرازات وثمرات النقطة “هـ” سابقة الذكر[13]؛ حيث وضع “مشروع محمد علي” يده – بعدة طرق ووسائل – على مساحات شاسعة من مختلف الأراضي المصرية، مما خَوَّلَ له حريةَ التصرف فيها؛ فأخذ يُقْطِعُ المُجِيدين من “النخبة السلطوية” سابقة الذكر (ومن غيرهم من “أفراد الأسرة المالكة” و”حاشيته” و”رجال حُكمه” و”الأعيان”) “أراضِيَ” و”عِزَبًا” و”أَبْعَدِياتٍ” و”جَفَالِك” و”وَسَايا” و”مَمْسُوحات” – فضلًا عن الهِبات المالية – مكافأةً لهم على التميز في – و/ أو مِن أجل ضمان – الخدمة والولاء والطاعة والتبعية .. إلخ.

 

وبنشأة وتوسع وتمدد شبكات وعلاقات ومصالح هذين – “النخبة السلطوية” و”الإقطاع الجديد” -: بدأ يتكون – بالتدريج – ما يمكن تسميته بـ “طبقة الحُكم الجديدة” المسيطرة على – وشِبْه المُحتَكِرة لـ – مصادر السلطة والقوة والثروة والجاه في البلاد.

 

ح- وبدأ – بالتدريج – تَرَسُّخ منطق الاعتماد على الدولة/ السلطة/ القانون/ الفَرْض القانوني، في ضبط أو إصلاح أو الشروع في كل شيء وأي شيء يُرادُ ضبطه أو إصلاحه أو الشروع فيه، حتى انغمسنا في حالةٍ من “القَنَنُوت” (نسبةً إلى “القانون”؛ ونظيرًا لـ “الكهنوت”) سيطرت على مجريات تحركاتنا الطبيعية المعتادة في الحياة، إلى درجةٍ صار فيها “مبدأُ الفَرْضِ القانوني/ التقنينِ” المُنَظِّمِ – أو بالأحرى المُكَبِّل – لكل كبيرةٍ وصغيرةٍ ولكلِّ شاردةٍ وواردةٍ = كالماء والهواء!

 

فتَحَوَّلَ المجتمعُ/ الأمة/ الجماعة/ الشعب/ الجماهير (الذي انُتِزَعت منه وقُتلت فيه – جراء ذلك- فاعليته وحيويته وحريته) إلى موقف “الرضيع أو الرضيع المشلول أو الرضيع المُشَل” (الذي يصبح ويَضْحَى ويُمسِى منتظرًا وملتمسًا ومتلهفًا فقط على صدر أمه؛ ليَغْتَذِي بلَبَنِها الذي هو – في حالته تلك – الغذاء الوحيد الصالح النافع له، والذي يَصِلُه – دون غيره – بحَبْل البقاء والنمو)، ومنه إلى موقف “الرَّضِيخ أو الرضيخ المذلول أو الرضيخ المُذَل” (الذي يُساق بالعصا والسوط؛ كالماشية والأنعام، أو كالأسود في حَلَبة السيرك).

 

ط- وبدأ – بالتدريج – تَرَسُّخُ نمط “المركزية الطاغية” في إدارة شؤون البلاد والعباد.

 

ك- وبدأ – بالتدريج – “تهميشُ الإنسان” (سواء كان ذلك مقصدًا قائمًا بذاته، أو ثمرةً ومآلًا لكل ما سبق)، ما دام لا يدخل في سياق تحقيق طموحات “مشروع محمد علي” العسكرية والسياسية (فهو هنا “تهميشٌ بالتَّرْكِ والإهمالِ والإبعادِ والنبذ”)، بل إن “التهميش” كان يطال أيضًا كل مَن أُدْخِلَ في هذا السياق؛ وذلك عن طريق المعاملة “غير الإنسانية” التي كانت تحيط بالمرء عن يمينٍ وشِمالٍ (وهو هنا “تهميشٌ بالقَمْع والإذلال والإجبار”).

 

وهذا كله أسهم ويساهم – ضمن ما أسهم ويساهم- في خَلْق وتجذير “روح الاستبداد” و”قابليتنا له”، وفي توسيع نطاقهما، وفي تغلغلهما في الفضاء العام، وفي استمرارهما والنَّفْخ في كِيرِهما.

 

* (وثامنًا): “الأفق الحركي/ أفق التنظيمات والجماعات والحركات والأحزاب الحديثة والمعاصرة” [14]

 

أ- حيث نَشْأَة ما يسمى بـ “الحركات/ التنظيمات/ الجماعات الإسلامية”؛ إذ قد تضخم في وعيها ومسالكها – بالتدريج ومع مرور الوقت – كل ما هو “سياسي سلطوي”، على حساب كل ما هو “تربوي/ تزكوي” و”توعوي/ معرفي” و”تنموي/ اجتماعي”، سواء كان ذلك بحُسن نية أو بغير.

 

ب- وقد كمن في وعي هاتيك الحركات، وسيطر عليها، واستبطَنَت، بالتدريج، حالة “القَنَنُوت” سباقة الذكر؛ حيث أصبحت الرؤى التغييرية والإصلاحية والتطويرية والتزكوية .. إلخ، لهاتيك الحركات قائمةً – في لا وعيها/ لا شعورها – على حد الفرض القانوني/ القانون وسيفه؛ فهيمنت عليها، وعلى تصورات تعاطيها مع مختلف المشكلات والموضوعات، نزعةٌ ذِئبيةٌ شَرِسةٌ لفرض، كل شيء – يريدون فرضَه – بالقانون، ومنع كل شيء – يريدون منعه – بالقانون، وتعديل كل شيء – يريدون تعديله – بالقانون، وتطوير كل شيء – يريدون تطويره – بالقانون، وإشاعة كل شيء – يريدون إشاعته – بالقانون، وتحجيم كل شيء – يريدون تحجيمه – بالقانون .. فأصبح – في وعيهم وشعورهم أو لا وعيهم ولا شعورهم – القانونُ والسلطة والسلطان ومَسَالك الفرض السلطوية الضبطية العقابية ( = “آلية المقاربة القانونية”): هي الأول والآخر، وهي الظاهر والباطن!

 

وبهذا، ولهذا، تم ويتم – شعوريًا أو لا شعوريًا – تنحية ووأد “آلية المقاربة الاجتماعية”؛ عبر “الحوار” و”النقاش والجدل والإقناع” و”التفاعل والتواصل البيني” و”المجتمع الأهلي/ المدني” و”المبادرات الشعبية” و”وسائل الإعلام” و”التربية” و”التزكية” و”الدعوة” .. إلخ.

 

وهذا، كما لا يخفى، يستبطن ويَؤُولُ معًا – في النظرة للمجتمع/ للأمة/ للشعب/ للجماهير – إلى موقفَيْ “الرضيع أو الرضيع المشلول أو الرضيع المُشَل” و”الرَّضِيخ أو الرضيخ المذلول أو الرضيخ المُذَل” سابقي الذكر كذلك.

 

ج- فضلًا عن جَو “الجيتو الإسلامي” (المعنوي و/ أو المادي، الفكري و/ أو السياسي، إلخ) الذي تَخْلِقه وتُخَلِّقُه هذه الحركات لنفسها – بالتدريج – [15]، ثم تتقوقع فيه (كليًا أو جزئيًا)؛ والذي من ثم:

 

  • تدور – فيه وبسببه – حولَ نفسِها؛ فتتضخم – تضخمًا سَرَطانيًا – “ذاتيتها”، ويتضخم – تضخمًا سَرَطانيًا – شعورُها بـ “الطُّهْرانية”.

 

  • وتخوض – بسببه – في معارك أيديولوجية/ صراعية/ طائفية جاهلية مُهلِكةٍ مُجدِبةٍ غير مُثمِرة ولا نافعةٍ.

 

  • وتنعزل – بسببه – (كليًا أو جزئيًا) عن الواقع الفعلي والهموم الحقيقية والاحتياجات الملحة لمحيطها وبيئتها (أي تَفقد بسببه القدرةَ على “تَحَسُّسِ” محيطها وعلى “التواصل الإبداعي الفاعل الفعال العميق المتشابك” معه).

 

حتى تَخِرَّ – وكثيرًا ما حدث ويحدث وسيحدث- مُنهَكَةً صريعةً (بِيَدِهَا و/ أو بِيَدِ عمرو).

 

وبَيِّنٌ أن هذا “الجيتو” مِن أكبر المحفزات على – والمُسَهلات لـ – انتشار وترعرع الاستبداد، سواء في داخل هاتيك الحركات (نتيجةً للانغلاق وعدم تجدد الهواء)، أو في البيئات والمجتمعات المحيطة بها (نتيجةً لتكون عدد من “الجِيتُوهات” الجماعاتية الأخرى – إسلامية وغير إسلامية – [16]، حيث يؤدي انتشار فكرة “الجيتوهات” المعنوية و/ أو المادية هذه إلى التفكيك – الناعم والتدريجي والمستمر – لأواصر وروابط المجتمع وشبكة علاقاته؛ ومن ثم سهولة “السيطرة” عليه مِن قِبَل مَن أراد واسْتَهْدَف).

 

د- فضلًا عن أنه قد بدأ – بالتدريج – وفي اللا وعي في كثير من الأحيان (بسبب التماهي/ الترادف النفسي بين “الدعوة” و”التنظيم”):

 

  • غَلَبة مقصد “الحفاظ على هذه التنظيمات؛ كيانًا ومصالح”.

 

  • على مقصد “تزكية الناس – داخلها وخارجها – ليكونوا دُعاةً حيويين” (مصطلح “التزكية” يشمل عندنا، دومًا، البُعدَيْن “الفردي – الشخصي” و”الجماعي – الاجتماعي”).

 

فتم الانزياح التدريجي:

 

  • عن مقصد “الدعوة لله، والتزكية للنفس الإنسانية، والتنمية والخدمة العامة للمجتمع”.

 

  • إلى مقصد “الدعوة للتنظيمات، والتزكية للذات التنظيمية، والتنمية لقدرات التنظيم أو لِما يحقق مصالحه”.

 

فأصبحت الأولوية – في كثير من الأحيان والممارسات والرؤى – هي للمقصد الثاني على المقصد الأول، ولو بحسن نية، ولو في اللا وعي.

 

وهذا كله، من أوله إلى آخره، يساهم – ضمن ما يساهم – في خَلْق وتجذير “روح الاستبداد” و”قابليتنا له”، وفي تديينهما، وفي استمرارهما والنَّفْخ في كِيرِهما.

 

ونكمل بقية الآفاق في المقال القادم بإذن الله تعالى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1] انظر وقارن بـ: "حول أزمة الخُلق المسلم المعاصر"، عبد الحليم أبو شقة، مجلة المسلم المعاصر، العدد (1- 2)، يونيو 1975م.
[2] وكلها من أهم مضامين الهَدْيِ الذي يحمله المصحف بين جنبيه، والذي أرشد إليه وحثَّ عليه.
[3] الإيمانُ - في الإسلام كما نفهمه - مستويان: - مستوى "الإيمان الجَذْبي": الذي به "يَنجذب الفردُ إلى النور". - ومستوى "الإيمان الإشعاعي": الذي به يُصبح المرءُ "مُفَعِّلًا للنور في حركته في الحياة". وبَيِّنٌ أنَّ الاقتصارَ على المستوى الأول والانحصارَ فيه يؤول بك إلى جانب "ما آلت إليها الرهبانية النصرانية" التي لم يأتِ بها ولا لأجلها الإسلامُ.
[4] انظر وقارن بـ: "حول أزمة الخُلق المسلم المعاصر"، مرجع سبق ذكره.
[5] نفس الهامش السابق.
[6] ليس من مقاصد هذه الدراسة التعريف بـ "مشروع وتجربة ودولة محمد علي باشا"، ولهذا، ولتكوين فكرة عامة، أقرب ما تكون إلى التكامل والتوازن، عن هذا الموضوع، يمكن - على سبيل المثال - الرجوع إلى: محمد علي ونظام حُكمه، المستشار/ طارق البشري، (ص 11- 14، 17- 52، 55- 62)، ط 1، 2013م، دار الشروق - القاهرة. ومحمد علي وأولاده - بُناة مصر الحديثة، جمال بدوي، (ص 19- 107)، ط 1999م، مكتبة الأسرة - القاهرة. وكل رجال الباشا - محمد علي وجيشه وبناء مصر الحديثة، د. خالد فهمي، (ص 12، 13، 22- 26، 89- 91، 98- 105، 107، 128- 129)، ط 3، 2012م، دار الشروق - القاهرة. ومحمد علي الكبير، محمد شفيق غربال، (ص 28، 29، 39- 41، 63- 66، 73- 142)، ط1، 2010م، دار الكتب والوثائق القومية - القاهرة. والأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمد عبده، جمع وتحقيق وتقديم د. محمد عمارة، (1/ 97- 98، 833- 840)، ط 2009، مكتبة الأسرة - القاهرة.
[7] نحن لا ولن نتحدث هنا عن شخص محمد علي، ولا عن نواياه، ولا عن مقاصده، بل عن ما أثمره وآل إليه مشروعُهُ، سواء في حياته أو بعد مماته، وسواءٌ قَصَد إلى ذلك أو لم يقصد، وعاه واستهدفه أو لم يَعِه ويستهدفه. كما إننا ههنا، وبسبب طبيعة ومقتضيات دراستنا هذه، سنركز على "السلبيات الرئيسية/ الجوهرية/ المفصلية" التي أثمرها وآل إليها هذا المشروع دون "إيجابياته"، رئيسيةً كانت أو هامشيةً. وهذا "التركيز" لا يعني عدم وجود إيجابيات من وجهة نظرنا، وإنما هو "انعكاسٌ ومقتضىً طبيعي لِمَا يتطلبه موضوع هذه الدراسة". كما أن ما سنذكره - في المتن أعلاه - عن "مشروع ودولة وتجربة محمد علي" غيرُ قاصرٍ عليها فقط، لأن تجربته تلك قد عُمِّمَت واستُحْضِرَت واستُلْهِمَت واستُبْطِنَت - بعد ذلك -: في عدد من البلدان الأخرى في أنحاء وطن العروبة ودار الإسلام، قبيل وإبان حقبة الغزو والاحتلال العسكري الأجنبي الحديثة. وهنا، بخصوص تجارب هذه البلدان، تُستَحْضَر مختلف السلبيات التي سيأتي ذكرها في المتن أعلاه. وفي "الدول القُطرية" التي خَلَفت الغزوَ والاحتلالَ الأجنبي بعد رحيله المادي. وهنا، بخصوص تجارب هذه الدول القُطْرية، نُضِيف إلى السلبيات التي سيأتي ذكرها في المتن أعلاه، سلبيات أخرى كثيرة، من أهمها: - سلبية "التغريب الحضاري" المعنوي و/أو المادي الذي تبنته ودَعَت إليه وساهمت في نشره "الكثيرُ" من هذه "الدول القُطرية ومؤسساتها ونُخَبها"؛ أثرًا من آثار، وامتدادًا من امتدادات، حقبة الغزو والاحتلال الأجنبي. - وسلبية "السيطرة العسكرية المباشرة والصريحة" - والممتدة والعميقة والراسخة حتى هذه اللحظات - على الحُكم/ السلطة/ الدولة في كثيرٍ من تلك الدول القطرية (ولا يَخْفَى أنَّ جرثومة/ أصل/ بذرة هذه السلبية قد نَشَأَتْ وبَزَغت مع "تجربة محمد علي" كما سيأتي بيانه في المتن أعلاه).
[8] هذه النقطة إفرازٌ مباشرٌ من إفرازات النقطة "ج" السابقة عليها، ولكنها، لشديد أهميتها ومحوريتها، تم ذكرُها منفصلةً وقائمةً بذاتها.
[9] نعني بـ "العسكر الضباط": مختلف مكونات وعناصر وأجهزة "المنظومة الأمنية" التي تطورت وتوسعت وانتشرت وتوغلت وتغولت بمرور الوقت؛ مكونات وعناصر وأجهزة كيانات: الجيش، والشرطة، والمخابرات.
[10] للتوسع بخصوص بيان وتَبَيُّن عدة جوانب "معاصرة" متعلقة بـ "العسكر الضباط"، انظر هذه الدراسات الرصينة: - "فوق الدولة - جمهورية الضباط في مصر"، يزيد صايغ، أغسطس 2012م، ط مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، مكتب كارنيجي للشرق الأوسط - بيروت. - و"مصر - جمهورية الجنرالات المتقاعدين"، د. زينب أبو المجد، دراسة منشورة في موقع جريدة الوفد المصرية على الإنترنت (بوابة الوفد الإلكترونية)، في 13/ 5/ 2012م. وقد تَرْجَم هذه الدراسة إلى العربية أ. محمود حسام، حيث نُشرت - في الأصل - في مجلة "فورين بوليسي"، في 8/ 5/ 2012م. - و"الداخلية أساس الحُكم والحداثة في مصر"، علي الرَجَّال، مقالٌ منشورٌ في موقع جريدة السفير اللبنانية (ملحق "السفير العربي") على الإنترنت، في 29/ 7/ 2015م.
[11] ولهذا أُنْشِئَ في عهد محمد علي: مدرسة المشاة، ومدرسة الفرسان، ومدرسة المدفعية، ومدرسة الحربية، ومدرسة الهندسة (المهندسخانة)، ومدرسة الطب، ومدرسة الصيدلة، ومدرسة الولادة، ومدرسة الطب البيطري، ومدرسة الفنون والصنائع، ومدرسة الترجمة/ الألسن، ومدرسة الزراعة، ومدرسة المحاسبة، والمدارس التعليمية - الموازِية لِمَا يُسمَّى الآن بمدارس الابتدائي والإعدادي - .. إلخ، وخاصةً على أثر عودة مَن ابتعثهم من مصر إلى أوروبا (وخاصة فرنسا) لدراسة علوم وفنون وصناعات: الطب والصيدلة والهندسة والميكانيكا والعسكرية والملاحة والبحرية والمعادن والإدارة والطباعة والنسيج والشمع والصباغة والمفروشات والسفن والزراعة والري .. إلخ.
[12] وبالتدريج، ومع الوقت، أصبحنا أمام "شعب كامل من الموظفين".
[13] نقطة إنشاء وتكوين "نخبة سلطوية".
[14] سيتم التركيز، في هذه الفقرة، على الحديث عن "أهم السلبيات" المتعلقة بالمذكورين أعلاه، من وجهة نظرنا، وهذا لا يعني عدم وجود "إيجابيات" متعلقة بهم، وإنما هو ما يقتضيه مقام وميدان ومقاصد هذه الدراسة.
[15] حيث لكل حركة من هذه الحركات "مؤسساتها وحياتها الخاصة القاصرة عليها دون غيرها" (كلما سمحت الظروف والأوضاع)، والتي تدور فيها حولَ نفسِها؛ من المؤسسات الإدارية والتعليمية والصحية والخدمية والمدارس والمَحَال، إلى المطبوعات والمجلات والصحف والمواقع والقنوات والكتب والأفكار، إلى الدعاة والمشايخ والمُنَظرين والمفكرين والكُتاب، إلى الملابس وطريقة التحدث، إلى المناسبات والأغاني والأناشيد .. إلخ.
[16] معظم ما قيل في الهامش السابق بخصوص قطاعاتٍ عريضةٍ مِن حركاتِ وتياراتِ وجماعاتِ وأحزاب مَن يُسَمَّوْن بـ "الإسلاميين" (ومن ضمنهم الطرق الصوفية)، يقال كذلك، وسواء بسواء، في قطاعاتٍ عريضةٍ من حركات وتيارات وجماعات وتجمعات مَن يُسَمَّوْنَ بـ "غير الإسلاميين"، من العلمانيين والقوميين واليساريين والليبراليين والحزبيين السياسيين .. إلخ.
عرض التعليقات
تحميل المزيد