لا يقتصر تأثير التغير المناخي على اقتصادات الدول العربية ونسيجها الاجتماعي، بل تعداها ليشمل صحة الأفراد بشكل يهدد جودة الحياة خصوصًا في ظل تفاوت الرعاية الصحية بها.

يتسبب التغير المناخي في زيادة الظواهر المناخية الشديدة مثل موجات الحر والجفاف والفيضانات والأعاصير، والتي تمثل البيئة الخصبة لانتشار الأوبئة والأمراض المعدية مثل الملاريا وحمى الضنك علاوة على دوره في ظهور أمراض جديدة مرتبطة أساسًا بالاحتباس الحراري، تنتقل بين الحيوانات وتتميز بسرعة العدوى إلى البشر كفيروس النيل الغربي وحمى الوادي المتصدع وطاعون الأحصنة.

في هذا الصدد، تشير اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى أن غبار العواصف الرملية يشكل مصدرًا رئيسيًا لأمراض الجهاز التنفسي، إذ ترتفع مستويات مسببات الحساسية المنقولة بالهواء بسبب تغير أنماط الرياح المساهمة في نقل الغبار وحبوب اللقاح والجراثيم والعفن والمواد المسببة للحساسية والالتهابات الرئوية والجلدية في الهواء خاصة في الحر الشديد، ومن المتوقع أن يزداد هذا العبء بفعل الزيادة المستمرة في درجات الحرارة.

كما تسبب ارتفاع درجات الحرارة في زيادة الأوزون الأرضي، وهو ما يساهم في ارتفاع معدل وشدة نوبات الربو، ويسبب تهيج العين والأنف والسعال والتهاب القصبات الهوائية والتهابات الجهاز التنفسي خصوصًا في دول الشرق الأوسط، كما أن بلدان شمال أفريقيا ليست بمنأى عن هذا التهديد حيث شهدت تونس، والمغرب، والجزائر موجات حر غير مسبوقة في صائفتي 2016 و2017 وتفش لأمراض اعتبرت حتى الأمس القريب جزءًا من الماضي على غرار السل والجرب، إيذانًا بمرحلة عصيبة إذا لم تتخذ الإجراءات اللازمة.

من ناحية أخرى، أظهرت الأبحاث أن متوسط درجة الحرارة سيزداد في منطقة الشرق الأوسط بمعدل درجة إلى درجتين بحلول عام 2050، كما سترتفع وتيرة موجات الحر في المنطقة مما يهدد الصحة بشكل جدي، كما أن طبقة الأوزون المسؤولة عن امتصاص الأشعة الضارة المنبعثة من الشمس ومنها الأشعة فوق البنفسجية، تأثرت بسبب غازات الدفيئة التي أدت إلى ترققها مما أدى إلى انخفاض امتصاصها للأشعة الضارة، وهو ما يؤدي إلى زيادة تركيز الأشعة فوق البنفسجية، وبالتالي خطرًا متزايدًا بسبب التعرض للشمس، منه تلف الجلد وحروق الشمس ومضاعفة خطر الإصابة بسرطان الجلد.

في ظل هذه الصورة القاتمة، ينبغي على البلدان العربية الإسراع باتخاذ إجراءات التكيف لتخفيض العواقب الصحية المرتبطة بتغير المناخ ودمجها لإيجاد حلول للعمل على التقليل من الآثار المدمرة لتغير المناخ وذلك من خلال: القيام بأبحاث من أجل تقييم التغيرات المناخية وأثرها على الصحة في الوطن العربي وتقييم قدرة كل بلد على التكيف،الحد من انبعاث غازات الاحتباس الحراري من خلال التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة وزيادة فعالية استخدام الطاقة واعتماد الأبنية الخضراء وزرع الأشجار وحماية التنوع البيولوجي والإدارة المستدامة للأراضي والمياه والنفايات، بناء القدرات وتطوير الأنظمة الصحية وتكيفها واستعدادها للاستجابة لتغير المناخ، تحضير خطة استعداد ورسم خرائط المخاطر والتي تبين المناطق المعرضة للخطر مثل الأراضي القاحلة والمدن الساحلية والمدن ذات الكثافة السكانية العالية وخاصة التوعية بأخطار تغير المناخ على صحة الإنسان من خلال تنظيم حملات تحسيسية تشارك بها شخصيات فاعلة في المجتمع للتأكيد على وجود إرادة سياسية فاعلة في هذا الإطار.

تعتبر السيطرة على الأمراض أمرًا محوريًّا لتطوير الرعاية الصحية للبلدان العربية، وبالرغم من التقدم العلمي الملحوظ في القضاء على انتقال الأمراض إلا أنه يخشى من أن يفسد تغير المناخ هذا الإنجاز، حيث تبدي كثير من الأمراض الفتاكة حساسية شديدة تجاه تغير درجات الحرارة مما يؤدي إلى انتشارها.

هذا التحدي يجعل من معادلة التغير المناخي والصحة أولوية قصوى على أجندة الدول لحماية البشرية قبل فوات الأوان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد