تعتبر مسألة التغيّر المناخي بالدول العربيّة من المسائل الشائكة التي لم تنل قسطًا كافيًا من الاهتمام، سواء على المستوين الحكومي أو الشعبي، واقتصرت التوعية بها على مبادرات محدودة الصيت الإعلامي من منظمات المجتمع المدني والمؤسسات المالية العالمية كالبنك الدولي وغيره.

لا يتجاوز نصيب الفرد حاليًّا أكثر من 1000 متر مكعب من موارد المياه المتجددة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بالمقارنة بنحو 4500 متر مكعب للفرد في بلدان شرق آسيا، و9000 متر مكعب في الولايات المتحدة. وتضيف المطالب التنافسية من قبل الزراعة والنمو السكاني والتوسع السريع في المناطق الحضرية ضغوطًا هائلة على موارد المياه الشحيحة في المنطقة.

هذه المؤشرات الخطيرة تستوجب اعتماد حلول عاجلة للحد من آثار التغيّر المناخي، لعلّ من أهمّها دعم تمويل البرامج الكفيلة بضمان التكيّف مع الواقع المناخي الجديد لتنفيذ البنود الواردة في اتفاقية باريس للمناخ على غرار العمل على تخفيض الانبعاثات الغازية المسبّبة للاحتباس الحراري، وتحسين كفاءة الطاقة، والاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة (الطاقة الشمسية…) فضلًا عن اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ والتي تعترف «بالأولوية الأساسية لحماية الأمن الغذائي والقضاء على الجوع وتحديد نقاط الهشاشة الموجودة في أنظمة إنتاج الغذاء أمام الآثار السلبية لتغير المناخ».

في هذا السياق، يوفر «صندوق المناخ الأخضر» الفرصة لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للاستجابة لاتفاق باريس وتطبيق مساهماتها المعتزمة المحددة وطنيًا والخطوات الخاصة بها للتأقلم مع التغير المناخي خاصة تلك المتعلقة بالزراعة والمياه والغابات وعلاقتها بالأمن الغذائي والتنمية المستدامة قصد حماية الموارد الطبيعية الشحيحة والمعرضة للخطر بصفتها من أهم الأولويات بالمنطقة.

رغم أهميّة هذه التحدّيات، إلا أنّ تنامي الوعي بتأثير التغيّر المناخي على اقتصادات الدول العربية يمثل حجر الأساس لوضع خطة مدروسة تتلائم مع واقع المجتمعات. هذه الخطة تقوم أساسًا على الحد من التلوث الناتج عن التصنيع والنقل والنفايات،والتأكد من قدرة المدن الكبرى على مجابهة آثار تغيّر المناخ وتعزيز الأمن الغذائي والمائي خصوصًا في الدول ذات الموارد الاقتصاديّة المحدودة. كما أنّ الضغط المسلط على الدول «الغنية» على غرار دول الخليج من المنظمات الدولية لفرض مصادر الطاقات المتجددة بديلًا لمصادر الطاقة الأحفورية (النفط والفحم والغاز)، باعتبار النفط والفحم المصادر الأكثر نفثًا لغازات الاحتباس الحراري، يجعل من الاستثمار في دعم التمويل المناخي ضرورة قصوى تساهم في دعم الجهود المبذولة للتصدي لتحديات تغير المناخ.

من ناحية أخرى، يجب على الدول ذات المناخ الجاف والمتقلب إيلاء هذا الأمر عناية قصوى باعتبار تأثيره المباشر على حياة السكان. في هذا الإطار، أجمعت مختلف التقارير التي نشرتها منظمات وطنية وعالمية بكل من تونس، والمغرب، والكويت والسعودية على ضرورة دعم إصلاح السياسات التي ترسي دعائم المستقبل الأخضر، وذلك من خلال تشجيع التنوع الاقتصادي، التحول نحو الطاقة منخفضة الكربون، وتحسين لوائح الإدارة الأفضل للموارد الطبيعية، وإلغاء دعم الوقود الأحفوري الذي يستفيد منه الأثرياء أكثر من الفقراء ويشجع على الإسراف في استهلاك الطاقة.

يعتبر انتهاج السلوك النموذجي في مجال البيئة ودعم مبادرات الاقتصاد الأخضر، خطوة مركزية لإرساء منوال تنموي مستدام بالدول العربيّة، والكرة الآن في ملعب ساسة هذه الدول لترسيخ التعاون الإقليمي من خلال تبادل أفضل الممارسات في مجال التأقلم والحد من تأثير تغير المناخ في المنطقة، لتعزيز المعرفة المكتسبة وتعزيز استراتيجيات الحد من خطر الكوارث د فيما يخص تأثير التغير المناخي لا سيما في ما يتصل بالمتغيرات الهيدرولوجية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد