بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:

ففي العنوانِ غموض، وإثبات معناه يرويه الواقع، ولا نقصد بالواقع أي العصر الحالي فقط، بل من العصور الغابرةِ الأولى، فما المقصود بهذا العنوان؟

كثيرٌ من المتأسلمين (ونقصد هنا المنتسبين إلى الإسلام مع ترك العمل بمقتضاه) ذوي خسيسة لا قيمة لهم في مجتمعاتهم، فعن عبد الله بن بُريدة عن أبيه قال: جاءت فتاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، قال: فجعل الأمر إليها… (1)، وفي هذا الحديث دلالة واضحة على مبتغانا؛ إذ يحاول الرفع من قيمة نفسه البالية بمكانة ومقام غيره.

لم يسلم علماء المسلمين من المتأسلمين اليوم، فرغم أن روح الإسلام تقتضي احترام العلماء وانزالهم في المنزلة التي تليق بهم، واعتبار الاختلاف بينهم سنة إلاهية، إلا أنهم أعرضوا عن مقتضاه ومالوا كل الميل إلى إشباع شهواتهم واتجاهاتهم وتعصبهم ونزواتهم، وعادةً ما يكونوا من ضعفاء النفوس، ومحبي الظهور، فيحاولون رفع خسيستهم بمراتب غيرهم، فيتسلقون حبال الظهور تحت مسميات عدة، وأبغضها الدفاع عن الدين! فيظهر نفسه أمام الناس بأنه المدافع عن الحق الراد للباطل، وأنه ما من أحد على وجه المستديرة أعلم منه، فيرمي كل عالمٍ أتى باجتهاد معتبر بالفسق والفجور، ويطعن فيه، ويلبسه من الاتهامات ما فيها، محاولًا تسلق حبال الظهور، ورفع خسيسته باسم الدين، والدين منهم براء.

هذه الظاهرة بدأت ولا أظن بقرب انتهائها، إذ أصبحت كمجرى الدماء في العروق، ولعل أكبر أسبابها الموروث الديني، قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [البقرة:70]، فأكبر مشاكلنا اليوم حاصلة بسبب الجمود الناتج عن الموروث، قال صلى الله عليه وسلم: لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبرًا شبرًا وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم (2)، وقد صدق رسولنا الكريم، فنجد الجاهل الذي لم يقرأ كتاب علمٍ قط يعيب على علماء عصره لفتوى تخالف ما زرع في عقله من الجلسات والتعاليل! وما هذا إلا تحقيقًا لما جاء في نص القرآن في إتباع الآبائية، وما أخبرنا به رسولنا عليه الصلاة والسلام بالاتباع الأعمى، وحبذا لو كان ذلك من منطلق ديني حتى! بل هو من منطلق رفع خسيسته وحب الظهور والبروز، وما هم إلا كما قال تعالى: كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارً [الجمعة:5]، وقال تعالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: 44] صدق الله العظيم.

أن يكون الإنسان مسلمًا يقتضي الالتزام بما أُنزل من رب العالمين، والاختلاف من السنن الإلهية التي أقرها الإسلام، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ العَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ(3)، وفي هذا دلالة واضحة على إقرار الاختلاف فمنهم من فهم النص على ظاهره بمنع الصلاة إلى أن يأتوا بني قريظة، ومنهم من فهم النص على أنه يطلب الاستعجال في الأداء والسير، ولم يعنف أحد من الطرفين وفي هذا إقرار على سنة الاختلاف في الفهم.

ولم يقف الأمر على الجاهلين من أبناء الأمة، بل تعدى ذلك إلى رموزها وأعلامها من المتدينين، فكثيرًا ما نجد لهم المقاطع المصورة بعناوين الرد على فلان، ولا تخلوا عباراتهم من القدح والتجريح والطعن في شخوص العلماء المخالفين، وكل ذلك تحت مسمى الدفاع عن الدين، وما ذلك إلا إساءة للدين الذي ينبذ التعصب والتشدد ويفرض احترام المخالفين، قال صلى الله عليه وسلم: إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب فله أجران، واذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر، فإذا الله سبحانه منحه الأجر على اجتهاده حتى وإن كان خاطئًا فكيف لهؤلاء أن يصفوه بالفسق والفجور والطعن؟ ما هذا إلا اعتداء على حكم الله، وإساءة للإسلام والمسلمين، ومحاولة ماكرة تخدم أعداء الإسلام في إسقاط اعتبار القدوات من علماء الأمة، فعلى المسلم أن يلتزم بأوامر الله ونواهيه، ويكف أذاه عن غيره ليتمثل بروح الإسلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد