ربما يكون آخر ما سمعت عن التجارب على البشر يعود إلى القرن الماضي أو خلال الحروب العالمية، لكن لشدة الأسف مازالت التجارب السريرية تحدث على الفقراء في الدول النامية، وبالطبع لمصر نصيب من هذه الكارثة؛ فهي الأولى عربيًا والثانية أفريقيًا.

فالأوضاع في مصر تتدنى يومًا بعد يوم، وتشمل في ذلك الخدمات الصحية في القطاعات العامة التي تخضع للحكومة المصرية؛ مما جعل بعض المرضى ميسوري الحال يتجهون إلى القطاعات العلاجية الخاصة، أما الفقراء فقد كانوا ضحايا كالعادة، فبعد فضائح الإتجار بالأعضاء البشرية، والتي تورط بها أطباء من أعرق الجامعات والمستشفيات المصرية، ظهر لنا عمل فج جديد وهو استغلال الفقراء في التجارب الطبية (فئران تجارب).

فلقد علمنا من قبل، أن الفقر يجعل كل شيء مباح، فأينما وجد الفقر والحاجة وجدت الفظائع، فالحاجة كفيلة بأن تدفع الفقراء لفعل أي شيء من أجل العلاج أو الطعام، وبحسب التقارير الرسمية فعدد الذين هم تحت خط الفقر في
مصر يقارب 25 مليون مواطن أي 27.8%.

وفي ظل هذه الظروف يجد الخبث مكانه ويتوسع، فيظهر استغلال المرضى الغير قادرين على العلاج، وما أكثرهم، وتكون مراحل التجريب الدوائي في ظاهرها الرحمة، أما في باطنها فالعذاب، حيث يعتقد الكثير من الفقراء أن تجارب الأدوية ما هي إلا علاج مجاني، والكارثة غير المفاجئة هي أن التجارب تتم بمباركة مستشفيات مصرية بالتنسيق مع شركات عالمية، ويشرف عليها أطباء وباحثون باعوا ضمائرهم ومبادئهم مقابل بضع دولارات على حساب الفقراء.

التجارب السريرية
تعتبر التجربة السريرية بحسب منظمة الصحة العالمية، هي أي دراسة بحثية تقوم مقدمًا بتوزيع المشاركين أو المجموعات البشرية على تدخل أو أكثر من التدخلات المتعلقة بالصحة لتقييم التأثيرات على النتائج الصحية. قد يطلق على التجارب السريرية أيضًا تعبير تجارب التدخلات. وتشمل التدخلات بجانب أمور أخرى: الأدوية، والخلايا والمنتجات البيولوجية الأخرى، والإجراءات الجراحية، والإجراءات الشعاعية، والأجهزة، والمعالجات السلوكية، وتغيرات طريقة الرعاية، والرعاية الوقائية وغيرها. وهذا التعريف يشمل تجارب الطور واحد إلى الطور أربعة.

التجارب السريرية على الإنسان ومراحلها

بحسب منظمة الصحة تمر التجارب السريرية على الحيوان أولًا، ثم تمر بأربع مراحل لتطبق على الإنسان، بالإضافة للمرحلة الصفرية.

المرحلة الصفرية: وهي مرحلة أضافتها إدارة الغذاء والدواء لأي دواء تجريبي جديد؛ وهي تهدف بشكل عام لمعرفة حركية الدواء داخل جسم الإنسان باستخدام جرعة ضئيلة، وليس الهدف من هذه المرحلة معرفة السمية، أو فعالية المادة الدوائية.
المرحلة الأولى: وهي المرحلة الأولى لاختبار الدواء على مجموعة من المتطوعين من الأشخاص ما بين 20 إلى 80 شخصًا لتقييم سلامة العقار وأمانه.
المرحلة الثانية: يتم اختبار الدواء على مجموعة أوسع من 100 إلى 300 شخص للتأكد من فعالية الدواء.
المرحلة الثالثة: في هذه المرحلة يتم اختيار ومراقبة مجموعة أكبر ونطاق أوسع، ما بين 300 إلى 3 آلاف شخص، وقد تؤدى هذه المرحلة في عدة مراكز مختلفة لإعطاء صورة توضيحية بشكل أفضل للمادة الدوائية.
المرحلة الرابعة: وتعرف عادة بمرحلة التسويق أو مرحلة التوعية أو الرقابة الدوائية، وقد يسحب الدواء حتى ولو تم تسويقه في السوق في حالة تسجيل حالات خطيرة من الأعراض الجانبية، أو الوفاة.

تسييس الصحة

التجارب السريرية لازمة وأمر مهم في التقدم الطبي والحفاظ على العنصر البشري، لكن لا تطبق بطريقة أخلاقية كما وضحت منظمة الصحة ولا تتبع المراحل الأربعة، فعندما يجتمع العلم مع جشع القانون، وحب المال، وغياب الأخلاقيات، وتفضيل المصلحة الشخصية على العامة، دون الأهتمام بتطوير البحث العلمي في مصر، ويصبح المرضى من الفقراء بين هذا وذاك، في مصلحة هو الخاسر الوحيد فيها.
وبسبب وجود مصالح للشركات الكبرى للأدوية، فالشركات العالمية هي من تقف ضد الدوائية الجادة والأبحاث الهامة، فتعرقل تسجيلها، لتكون السبب في التحايل على القانون واستغلال مرض الفقراء، فتزدات الشركات غنى بينما يموت المئات وينتظر الآلاف الدواء وحق العلاج.

طريقة اصطياد فئران التجارب

يقوم بعض الأطباء والباحثين وأيضًا شركات بتسجيل براءات اختراع للأدوية الطبية الجديدة في مكتب براءات الاختراع التابع لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وتكون أدوية لعلاج الأمراض الأكثر انتشارًا كالسرطان، وفيرس سي.
وفي حالة رفض مكتب براءات الاختراع الأدوية، تذهب الشركات إلى المكاتب الدولية للتسجيل، وتوافق المكاتب الدولية مقابل مبلغ من الدولارات كتأمين.
ويستهدف الباحثون الناس في المناطق النائية البعيدة والتي تتسم بالجهل، ويستغلون عدم قدرتهم على القراءة وجعلهم يوقعون على أوراق تنص بموجبها أنهم موافقون على أن يكونوا تحت التجارب، ويخبرونهم  أن التجربة والعقاقير ليس له أي تأثيرات جانبية، بل هو علاج جديد في السوق ومعتمد من الجهات المعنية، ويظن الفقراء أنهم يُعالجون بالمجان، لكنهم ضحاية اختبارات وتجارب قذرة.

التقارير الدولية
في دراسة دولية نشر مؤخرًا من مؤسسة ويمز للصحة العالمية، أعربت فيها عن قلقها من زيادة التجارب السريرية في مصر في ظل الظروف السيئة، ونشر التقرير في عام 2017، وطرح التقرير: لماذا مصر جذابة لشركات الأدوية، وكانت نتائج الدراسة:
1- شعب يتكاثر بسرعة كبيرة، ويكثر في الفقر، وليس لديه أي اطلاع مع التعامل العلاجي.
2- انتشار الأمراض المختلفة بين نسيج الشعب المصري.
3- البنية التحتية المصرية جذابة للتجارب.
4- تكلف رخيص في إعداد وتطبيق مراحل التجارب السريرية في مصر.
5- غياب القانون الوطني الرسمي وسهولة التحايل عليه، بمعنى عام يسهل الإفلات من العقوبة في حالة الوقوع في القبض.

دراسة ثانية نشرتها صحيفة Géopolis الفرنسية، وقالت إن شركات الأدوية العالمية تستغل عدم القدرة المالية لبعض المصريين في الحصول على العلاج، واستخدامهم حقول تجارب لبعض الأدوية، عبر إجراء التجارب السريرية والتي زادت نسبتها في أعقاب 2011، وأكدت أن مصر تحولت إلى الوجهة الثانية بعد جنوب أفريقيا لشركات الأدوية متعددة الجنسيات، وجاء في التقرير أن المريض يوافق بطرق الخداع على إجراء التجارب السريرية في مصر، والتي تتنافى مع المعايير الدولية، على الرغم من أن الموافقة بحرية كاملة ووضوح شرط أساسي لإجراء التجارب بحسب القانون المصري والقانون الدولي، أغلب المرضى لا يدركون المخاطر جراء هذه التجارب، ولا يدركون أن بعض الشركات قد تستغلهم في تجارب دواء وهمي.

فضحت التقارير الدولية الكارثة التي يعيشها المرضى من الفقراء في مصر، ورغم أن الدستور المصري يجرم التجارب على البشر في المادة رقم 60، والتي تنص على أنه لا يجوز إجراء أية تجارب طبية أو علمية، إلا بعد موافقة الشخص نفسه وبكامل حريته مع توضيح الآثار التجربة، وبدلًا عن تفعيل القانون وتجريم ما يحدث داخل المستشفيات المصرية، من تجارب سريرية على المرضى، بطرق غير أخلاقية، يتحايل كبار المسؤلين  والشركات الصحية الدولية على القانون، مستغلين جهل، وفقر، وحاجة المساكين من أجل حفنة من الدولارات والمصالح الخاصة في أبشع الصور، فبدلًا عن أن يكونوا يد الله الشافية، أصبحوا يد الشيطان وعصابات التجارب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد