أثارت عمليات القصف الجوي الأمريكية ضد أهداف لتنظيم داعش (بعد طلب من حكومة الوفاق الوطني)، عاصفة من ردود الفعل المحلية والأجنبية المرحبة والمنددة، مما يعكس أهميتها ليس فقط على الصعيد الميداني العسكري في إطار دعم عملية البنيان المرصوص لتحرير مدينة سرت، ولكن أيضًا على الصعيد السياسي، من ناحية الدوافع والنتائج والآثار الجانبية المحتملة.

قصف مواقع داعش في ليبيا أو غيرها من قبل قوات أجنبية في إطار الحرب الكونية المستعرة ضد هذا التنظيم ليس بالأمر الجديد، ولم يعد يحتاج لتبرير أو تفسير ولا حتى «أذن» حكومات الدول التي يتواجد على أراضيها مثل هذه التنظيمات الموصومة بالإرهاب.

لا يمكن الاحتجاج هنا بالسيــادة الوطنية في وجه هذه التدخلات، فمن باب أولى على الحكومات فرض سيطرتها على كامل إقليم الدولة ومنع وجود مثل هذه التنظيمات على أراضيها، واستغلالها لشن هجمات أو تهديد السلم الدولي أو مواطنيها بالدرجة الأولى.

نذكر بالضربات الجوية التي تنفذها الـCIA بواسطة طائرات بدون طيار ضد هذه التنظيمات في العديد من الدول الأكثر استقرارًا من ليبيا ومن ضمنها دولة بقوة نووية وتمتلك أحد أقوى جيوش المنطقة «باكستان»، إلا أن هذا لم يمنع مثل هذه الهجمات، وحتى عن القيام بعمليات عسكرية على الأرض أشهرها قتل واختطاف جثمان «أسامة بن لادن» على يد نفس الإدارة الأمريكية.

في ليبيا نفسها نفذت الولايات المتحدة الأمريكية عدة عمليات جوية وبرية من ضمنها على سبيل المثال لا الحصر، عملية قصف مواقع لتنظيم داعش في صبراتة على الحدود التونسية واختطاف كل من أحمد أبو ختالة من مدينة بنغازي وأبو أنس الليبي من مدينة طرابلس، بالإضافة إلى العديد من الضربات الجوية السابقة والتي نُسبت إلى مجهول.

يقال في علم السياسة؛ «السياسة الخارجية هي امتـــداد للسيــاسة الداخلية»، وقيام إدارة أوباما في هذا التوقيت بالذات بالإعلان عن الموافقة على تنفيذ ضربات جوية ضد داعش/ليبيا وتصريح، ما هو إلا جــزء من الحملة الإنتخابية للحزب الديمقراطي لدعم مُرشحه -وزيرة الخارجية السابقة في إدارة أوباما الأولى– هيلاري كلينتون، والتي يرى الكثيرين إلى أن فوزها سيشكل دورة ثالثة لأوباما نفسه وسياسته في البيت الأبيض.

إذا الغرض من هذه الضربات أو بشكل أدق «الإعلان عن هذه الضربات» هو لتجيير الانتصار في معركة سرت الليبية لصالح كلينتون، ومنع منافسها الشرس الملياردير/ دونالد ترامب من استغلال الفوضى في ليبيا للدلالة على فشل السياسة الخارجية للديمقراطيين.

وخصوصًا إذا أخذنا بعين الاعتبار تصريحات أوباما نفسه «أن ليبيا تشكل أكبر فشل لإدارته» نتيجة للفوضى التي أعقبت التدخل الغربي عام 2011 والإطاحة بنظام القذافي، والذي يحمل المسئولية فيه لحلفائه الأوروبيين (فرنسا وبريطانيا) والعرب (الإمارات وقطر) بالإضافة إلى وزيرة خارجيته آنذاك «هيلاري كلينتون» نفسها، والتي قادت فريق ضمن إدارته ممن أصروا على أن تُلقي الولايات المتحدة الأمريكية بثقلها وراء «الثوار» وحملة الإطاحة بالأنظمة في المنطقة لنشر الديمقراطية والنموذج الأمريكي، والتي أسفرت عن صعود وانتشار التنظيمات الإرهابية المتطرفة وعلى رأسها «داعش»، قبل أن تنقل عملياتها إلى الغرب والولايات المتحدة ذاتها.

ربما تكون الضربات أتت ردًا على تصريح ترامب المثير للجدل حول أن على تنظيم داعش أن يكرم هيلاري ويمنحها جائزة بصفتها «المؤسس الحقيقي لداعش» (مجازًا بتوفير الظروف الموائمة لظهورها وانتشارها وليس حرفيًا كما يحلو لمدمني نظرية المؤامرة الترويج له).

على الرغم من أن المستفيد الأكبر من هذه الضربات هي كلينتون في إطار التنافس الإنتخابي على الوصول إلى البيت الأبيض، إلا أن هذا لا يلغي عدة حقائق وآثارًا جانبية على الداخل الليبي، فالإعلان عن الضربات جاء من طرابلس وبطلب من حكومة الوفاق في كلمة متلفزة لرئيسها «فائز السراج» وموجهة إلى الشعب الليبي.

من ناحية فهي جراءة سياسية أن يعلن طرف حكومي داخلي في هذه الظروف الحساسة التي تمر بها ليبيا، وبصراحة عن الاستعانة «بالأجنبي»، خصوصًا بعد بيان الاستنكار الذي أعلنه المجلس الرئاسي ضد الوجود الفرنسي السري في شرق البلاد لدعم قوات حفتر ضد نفس العدو تقريبًا (الذي كشفه الرئيس الفرنسي عقب مقتل 3 جنود فرنسيين) ولم تتبنه بل ونفته الحكومة الموجودة شرق البلاد!

الاستعانة بالقوات الأجنبية من المحرمات الشعبية الوطنية وقيام السراج بالإعلان عنه يُعد مقامرة بمستقبله السياسي، فلا أحد بإمكانه التنبؤ برد الفعل الشعبي عن مثل هذا التدخل، فالتجارب السابقة ليست مشجعة ويوجد ما يبرر القلق من أهداف ونتائج مثل هذه التدخلات (خصوصًا بالنظر إلى الاتهامات التي لطالما روجها مناوئي الاتفاق السياسي، بأنها حكومة وصاية وأتت لإعطاء الغطاء التدخل الأجنبي).

ممارسة السراج لدور القائد الأعلى للقوات المسلحة ودخوله المباشر وبفاعلية على خط سير العمليات على الأرض في عملية تحرير سرت، ستُكسب السراج شخصيًا والمجلس الرئاسي الهيبة وسيُنظر له بجدية من طرف المؤيدين والمعارضين على السواء وعلى الصعيدين الدولي والمحلي، وسيظهره بمظهر القائد القوي القادر على اتخاذ قرارات جريئة وحاسمة وتحمل المسئولية في الأوقات الصعبة.

وأخيرًا، نجاح السراج في قيادة عملية تحرير سرت من قبضة التنظيم الإرهابي الذي بث الرعب في العالم، سيكسب السراج وحكومته شرعية (شعبية وثورية) إضافية وجديدة تفوق شرعية الاتفاق السياسي ودعم المجتمع الليبي والدولي، وذلك بالنجاح فيما فشلت فيه العديد من حكومات وتحالفات جيوش دول أقوى وأكبر في أماكن أخرى حول العالم، وهي ذات الشرعية التي لطالما سعى خلفها الجنرال العتيد حفتر، دون جدوى تُذكر بعد حوالي عامين على بداية عمليته «الكرامة» في شرق البلاد، مما سينعكس سلبًا عليه في نظر مؤيديه والذين سيتجهون بأنظارهم ناحية السراج.

«بِذا قَضَتِ الأَيّامُ مابَينَ أَهلِها ** مَصائِبُ قَومٍ عِندَ قَومٍ فَوائِدُ»

المهم؛ لم يحن الوقت للاحتفال بعد، فما تزال أمام تحالف (أوباما-السراج) المستجد، مهمة النجاح في تحرير سرت أولًا قبل التفكير في استثمار ذلك سياسيًا داخليًا وخارجيًا، وللقراء الأعزاء ننوه إلى أنه «في عالم اليوم المتداخل فإن جميع الدول بحاجة إلى عقد تحالفات وتبادل المصالح، خصوصًا في مواجهة التحديات والأخطار العابرة للحدود مثل الإرهاب».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كلينتــــون
عرض التعليقات
تحميل المزيد