في الكثير مِن المناسبات الفكريَّة، يجب ألا ننتظر كثيرًا، تحسُّن وصفاء أجواء أحوالنا المزاجية، لأننا بهذا لن نحقق أي شيء خارق لاحقًا حتى لو فعلنا ذلك. بل نعتقد أنه مِن الواجب علينا، العمل بجدية على تحفيز وحث أذهاننا، بكل الوسائل المتاحة، والطرق الممكنة، إلى أن تفهم قيمة، معنى وضرورة العمل تحت جميع الظروف الطارئة، وكذلك إلزاميَّته ووجوبه، مما سيدفع عقولنا لا محالة، مع التكرار والاستمرار، إلى تقَبُّل الأمر، الاجتهاد، التركيز، الإنتاج، الإبداع، الازدهار والانتشار.

لا يتعلق الأمر بالثروة ولا بالصحة ولا بالحرية ولكن يتعلق الأمر بشخصيتك المستقبلية، وما هي السلوكيات التي تريد تغييرها، أنت تتذمر وأنت تلوم نفسك والآخرين، وأنت تخلق الأعذار. كيف تتحدث، وهل كلامك محدود.

اليوم خذ لك فقط أربعة أشياء وقم بالتوقف الفوري عن القيام بها، لكن العواطف ستوقعك في مشكلة كبيرة، خصوصًا إذا كنت تفتقد للمعرفة الكافية، أمَّا إذا كان لديك شك وتريد التأكد بنفسك من صحة ما نقول، فما عليك إلاَّ أن تغمض عينيك لنصف ساعة فقط، مع التركيز الصحيح على مكان ذهاب مخيلتك، ووجود عواطفك.

الآن؛ يجب أن تتقبل بكل روح رياضية هذه الحقائق، لا سيما وأنك قد أدركت قيمة ما نريد تعليمك. لكن يجب أن ترافق هذا التقبل بملاحظات دقيقة مفادها: أن هذا مجرد ذنب أو إحباط أو عدم الثقة بالنفس، ولهذا حاول إدراك ذلك وراجع ذاتك مع نفسك.

قد يقول المحيطون بك من الناس، إنه يجب ألا تركز على ما هو سيء، لكن يجب أن يعلموا أن ذلك يمثل 95% من هويتك، والقصد هو تفكيك وتغيير الكثير والكثير من تركيبة شخصيتك القديمة، وهذا يعني أنك ستكون ضد كل الرغبات الشعورية الموجودة بداخلك، وفي صباح كل يوم، أنت في حاجة ماسة إلى التأمل، لكن في الغالب ما تكون في حركة سير معرقلة، لهذا تريد أن نغضب، فإذا بجسدك يقول لك: أنت الآن خارج البرنامج المعروف، ولهذا دعني أبحث لك عن شيء مخطط له سابقًا في العقل وسأعمل على إحضاره واستحضاره، بجميع مواقف وحيثياته، ولو مِن الماضي البعيد، لكي لا تيأس، أو تشعر حقًّا بالإحباط والغضب.

نقول هذا كله لذواتنا مع أنفسنا بصوت عالٍ وبحضوركم في الشرق والغرب وبكل اللغات، فقط لكي تدركون معنى ذلك، وكذلك لنعمل بجدية في المستقبل القريب على ذواتنا وأنفسنا، حتى نكون واعين جدًّا بقيمة عدم الغياب عن الوعي مرة أخرى. وللأمانة هذا يتطلب قدرًا كبيرًا مِن العمل والاجتهاد، والكثير مِن الإدراك، مع العلم أنه يستحيل تحقيق الوعي المطلوب دون الحصول على الطاقة اللازمة، والوصول إلى مصادرها الحيوية، ولهذا فإنه يتوجب علينا التزود بالطاقة الكافية أولًا حتى تكون العودة بطريقة آمنة وطريقها سهل وصحيح، وإلاّ ستنفذ مِنَّا وسنضيع بعدها في غياهب الخمول والكسل.

لا سِيَّما وأن الأمر بعد بدايته قد يصبح مألوفًا، فالوعي بهذه الأفكار اللاواعية، يدفع العقل إلى عدم التفكير فيها بالمَرَّة، خصوصًا عندما يستطيع التحقق منها، لدرجة أن العديد مِن الأبحاث أقرت بإمكانية التحسُّن، مِمَّا يجعلنا موقنين وقادرين على الإحساس بالفكرة قبل تَشَكُّلِها، وهذا ما يسمح بالشروع في خلق أفكار جديدة وتحسينها.

الآن سأتوقف قليلاً عن الشرح والتحليل، لأعود بكم إلى بداية التجربة أعلاه، إذ ستقولون في أنفسكم، مباشرة بعد فتح أعينكم: من نكُون؟ وكيف يمكننا إحداث الفرق في عالم اليوم؟ مَن سنكون فعلًا على أرض الواقع مستقبلًا؟ وكيف سنعطي، وننتج ونخدم ونساهم في هذا العالم بعد اليوم؟ وما الأشياء المستعجلة التي نريد القيام بها؟

إن عملية غمض العينين والتفكير بعمق في الأمور التي تخصنا، مع التدرب باستمرار وجدية على ما يَلْزَمُنا فعله والقيام به، سيجعل العقل غير قادر على معرفة وتحديد الفرق. حتى وإن استحوذ علينا هذا الأمر مرة أخرى فإنه لن ينال منَّا، لأننا بخبرتنا المكتسبة حديثًا، وبالتقنيات الدقيقة التي تعلمناها معًا سنكون وكأننا قمنا بتثبيت جهاز عصبي في الدماغ، إلى درجة أننا نبدو وكأننا قمنا بكل ذلك مِن قبل، هذا بالإضافة إلى أننا نجحنا في جعل العقل الراهن لا يتوفر على أي فكرة تخص الماضي. وبالاستمرار في إعادة هذه التجربة بدقة عالية مرات عديدة دون إحباط أو فشل، لأن الجهاز العصبي سيصبح وكأنه برنامج، هذا يعني أنه بإمكاننا العيش بسعادة وهناء في المستقبل، بدون مفاجآت أو انتكاسات.

لقد رُكِّبت دائرة التكفير السليمة، إذ يقوم هرمون الضغط بتوجيه الجسم، إلى أن يُلْفِت انتباهنا إلى هذا الجسم، وهرمونات التوتر تنبه الدماغ، ولهذا فنحن على دراية تامة وشاملة بكل ما يقع ويحصل داخل بيئتنا، مثل ذلك الأخطبوط العملاق بأرجله الكثيرة التي تتجه لكل مكان، تجعلنا نتحكم ونتنبأ بكل شيء في حياتنا تحت طاقة وقدرة الإنسان المخلوقة فيه. بمعنى أدق؛ فإنه إذا كنَّا نعيش بهرمونات التوتر، فنحن دائمًا نستثمر انتباهنا وطاقتنا في مستقبل معلوم مبني على الماضي، وكأننا موجودين الآن على جدول زمني. هنا أجد نفسي غير قادر على إكمال الفكرة دون إعطاء مثال حي أو مجموعة مِن التساؤلات القيِّمة والواقعية، التي يمكن لها جعل الأمر قابل للفهم والتطبيق دون عقد كبيرة أو ضبابية.

نعم؛ دعنا نفكر بجديَّة في ذلك، لنرى كم الأفكار التي نستطيع خلقها، دون كلل أو ملل، حتى ننجح في جعل هذا التفكير أكثر واقعيَّة مِن أي شيء آخر، إذن؛ دعنا نغمض أعيننا مرة أخرى، حتى ننفصل عن البيئة مِن جديد، لأن هناك معلومات قيِّمة آتية إلى الدماغ، أقل حِسِّيَّة وأضعف تَلْهِيَّة، تستحق مِنَّا نوع مِن الهدوء في الخَلفيَّة الفكرية، وكذلك استعمال سليم لسدَّادات الأذن، أو أي شيء تريدون استخدامه حتى يكون في استطاعته التخفيف والتقليل مِن التداخلات الحسيَّة.

إذن إننا جالسون بدون أكل، أو بدون تَذَوُّق، ولا شَمْ، وبلا أي شعور عابر، بمعنى أننا نعمل على تحقيق أقل ما يمكن مِن مداخل الجسم الحِسيَّة، حتى تبدأ أمواج الدماغ في التغيير، كما تبدأ في التباطؤ، وتتحرك مِن نمط موجة الدماغ «بِيتَا» هذه. وكأننا نرى أن لدينا جسمًا عائمًا في الفضاء والزمن، يدفعنا إلى تركيز اهتمامنا على العالم الخارجي، وكذلك على الحواس التي تُقدم لنا المعلومة المفيدة.

إن المعلومات الحسيَّة القليلة الواردة، تجعل عالمنا الداخلي أكثر واقعيَّة مِن العالم الخارجي، لكننا أدمغتنا تعمل في العادة بالعكس، فالأصوات القادمة مِن عقولنا غالباً ما تحدثنا عن تغير حاصل في أمواج الدماغ. بعد ذلك مباشرة نبدأ في رؤية مجموعة لا بأس بها مِن الصور والرموز، أعتقد أنها أقل مِن العادة لا سيَّما في نبرة الصوت، وكذلك في النبرة الفرعيَّة.
إن أمواج الدماغ تبدأ في التغيُّر إلى «ألفا» وتبدأ في الاختراع والتظاهر، لا سيَّما إذا قلت لجسمك: ستجلس لمدة بعض الساعات وستبقى جامدًا دون أدنى حركة، عندها سيرد عليك بالرفض المطلق، ويقول: قد أختنق، أو تنفجر مثانتي، كما أن هناك الكثير من الأعمال تنتظر الإنجاز. نعم؛ هذا هو البرنامج الذي نحاول بشتى الطرق إطلاعكم عليه. فَتُلِحُّ عليه وتقول لدينا معركة حاسمة اليوم، لهذا يجب عليك الجلوس والتأقلم، مع العِلْم أن جسمك يحاول مرارًا وتكرارًا النهوض، لكنك ترغمه باستمرار على الانضباط والجلوس.

نقول هذا كله حتى نشرح لكم بالتفصيل أهمية بداية اليوم بهذا الأسلوب الذي سيجعلنا أكثر حبًا، طيبة، حضور توازن، صبرًا وسامح وأقل عدوانية وتهوُّرًا، والسبب أننا أصبحنا قادرين على التحكم في الوقت الحالي، لأننا لا نعيش في مستقبل يمكن التنبؤ به، كما أننا لَسْنا معتادين على الماضي، وهذا أساسه هو الانتباه إلى أين يمكن وضع طاقتنا مِن جهة، ومراقبة الوقت الحالي بدقة متناهية من جهة أخرى، حتى نحصل في نهاية المطاف، على طاقة عالية جدًّا جاهزة للاستخدام في الوقت الحاضر، قصد إنجاز أمور عظيمة ورائعة، لأننا سنستعيد جل طاقتنا مِن الأشياء والأشخاص المحيطين بنا، مما يعني أننا اكتسبنا مساحة تفكير أريح وأوسع، بمعنى مساحة تحليل أكبر وأشمل وأعمق، والعكس صحيح، وكلما زادت قدرتنا على التحليل، كان العقل التحليلي الذي يفرق بين الوعي واللاوعي أكثر دِقَّة.

إن المكان الذي نُعِيره اهتمامًا أكبر، هو بعينه المكان الذي سنضع فيه طاقتنا، لأننا نريد في قرارة أنفسنا لهذا المكان أن ينمو ويزدهر. هناك نحو 14 ألف مادة كميائية تعمل على إنشاء وتجديد الجسم، ولهذا فعند بداية شعور المركز بالحب يبدأ مباشرة في إفراز مادة كميائية تدعى «الأوكسيتوسين» تقوم بإعطاء إشارة على الفور لأحادي أكسيد النيتريت، الذي يشير بدوره إلى مادة كيميائية تسمى عامل إاسترخاء البطانة، الذي يسبب اتساع شرايين القلب، وبالتالي يمتلئ القلب بالدم والأكسجين وكل الأغدية.

إن هذا الأمر فسيولوجي يُشعر الإنسان بالراحة، أي حدوث هذا يدل على أن تجربتنا السابقة في الحب اجتازت كل مستويات الفهم، ولا يمكننا تجاوزها بسهولة، بأي حال مِن الأحوال. الآن؛ أغمض عينيك من على حياتك، انفصال عن جسمك، وابتعد عن بيئتك، وتخلى عن جدول أعمالك، خد لنفسك قسطًا كافيًّا جدًّا من الراحة، لأن الاستثمار في النفس اليوم، سيتبعه الاستثمار في المستقبل غدًا، فعندما تؤمن بنفسك، فأنت بالتأكيد تؤمن بالاحتمالات، وعندما تؤمن بالاحتمالات فأنت كذلك تؤمن بنفسك، والعكس صحيح، ولكن إذا كنت عضوًا حيًّا وفاعلًا، وتنتمي إلى مجتمع، فكل خطوة تقوم بها تكون بمثابة غداء جيد لهذا العضو الحي، وكل خطوة وكل جهد نقوم به، نحصل على تواصل خارجي مدهش، لأن ذلك الذي نسعى إليه هو في الأصل يبحث عنَّا.

لأنه عندما يكون لدى الناس هذه الإرادة المتصلة تمامًا كما يذهبون لاقتناء ما يحبون ويعشقون، بنفس الشدة ونفس اللهفة ونفس الشغف، وكأنهم يقفون في وجه أنفسهم ويقولون ما يجب قوله، خصوصًا إذا كان هذا الجسم يتوفر على كل يريد، فهذا هو الوقت المناسب فعلًا لقول كل شيء، عنده تصبح مسألة التغلب على جميع الصعوبات وعليه مسألة وقت فقط، أما الآثار الجانبية المترتبة عليه هي حصول السعادة دون سبب. إذ لا يوجد شيء في هذا الوجود كله يستطيع إغواءك في تغيير قناعتك وإيمانك القوي بأنك لا تحتاج إلى أي عامل خارجي في عملية تحسين نفسك أو بناء ذاتك. لأنك فعلًا تشعر بالتقدم والتحسن في كل يوم دون الاعتماد على أي شيء خارجي.

مشكلة الفرد الحقيقية هي نفسه، بمعنى أدق نستطيع القول إنه ولتحقيق النصر الظاهر المُقنع المُبِين؛ فإنه من الأفضل للإنسان مواجهة المواقف الداخلية الصعبة، وكذلك إعادة إصلاح مواضيع الفشل الداخلي المظلم والعميق.

الذي يُعشِّش في القلب والنفس والروح، حتى وإن كان هناك احتمال كبير للفشل، بدلًا من إلقاء اللَّوم على الآخرين، في كل صغيرة وكبيرة بهدف التلفيق والتضليل للهروب إلى الأمام، أو الانضمام إلى صفوف أولئك المساكين الذين يعتقدون في قرارة أنفسهم أنهم أذكياء، عباقرة وعظماء بالفطرة.

والحقيقة الدقيقة أنهم أقصى ما يمكنهم تحقيقه على أرض الواقع، أنهم أناس لا يستمتعون كثيرًا، ولا يعانون كثيرًا، لأنهم بصريح العبارة جبناء يهابون الشجاعة، سيعيشون في المنطقة الرمادية حيث لا يوجد نصر ولا هزيمة، إن لم نقل في الحضيض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد