الانتقاد قد لا يكون محببًا لكنه ضروري لأنه يقوم بنفس وظيفة الألم في الجسم وينبهنا إلى أمر غير صحي. “تشرشل”، وليس هناك أمر أشد خطرًا على صحة العقل العربي من التابوهات.

فما هو التابوه؟

هو كلمة تطلق على المحظور في المجتمع، أو ما اتفق العرف على رفضه، وقد تقترن أحيانًا بالحلال والحرام، وجميعنا نملك بشكل أو بآخر تابوهات لم يمسسها أحدنا بأي محاولة ولو فاشلة للتفسير. فحاول أن تنفرد بنفسك ولو قليلًا مراجعًا بعض أفعالك ستجد البعض لديك حتمًا.

من أين جاءت؟؟

“هذا ما وجدنا عليه آباؤنا”، غالبًا ما تكون التابوهات عبارة عن موروث ثقافي، وتجري مجرى البديهيات، بمعنى: هذا خطأ.. لماذا؟.. لأنه خطأ!! وهذا هو منطق الدائرة المغلقة للتابوه الذي يصعب كسره.

وكلما زاد جهل الإنسان تزداد تبعًا (التابوهات) لديه، ويزداد ارتباطه بمعتقداته وتشدده في التعلق بها ورفضه للمساس بمنطقها،  لكن ليس فقط الجهل.. فاستمرار وضع مغلوط لفترة طويلة من الزمن، وقهر العقل على تقبله والتعايش معه ينتج عنه منظومة مشوهة تستعيض عن الفكر بالنقل، ويتساوى في ذلك الدين والسياسة أو حتى التعاملات الاجتماعية، وبالتالي الفكرة المفروضة بالقوة اليوم هي تابوه مفروض ذاتيًّا مستقبلًا!

ولكن أين أصحاب العقول؟

“أصحاب العقول في راحة”، لطالما قيل إن الفكر والفلسفة وظيفة الآحاد وليس المجتمعات، فلكي تنير طريق يكفيك عدد قليل من المصابيح، ناهيك عن إنها ملكة يتفرد بها القليل، ولأن التفكير الحر عملية مرهقة فتجد العقل الجمعي غالبًا ما يميل نحو التسليم والانقياد، وكلما زادت البديهيات (التابوهات) استراح العقل، ويصبح تعكير صفو الجهل شيئًا مزعجًا ومؤلمًا. فلا أحد يريد أن يتخبط داخل دوامة الاحتمالات والحيرة والشك، وبهذا تصبح هذه الفئة القليلة ذات سلطان، ومن قديم تعلمت السلطة سياسية كانت أو دينية أن ترسخ تابوهات تصب لصالحها، ومحاربة حرية الفكر بتابوهات أخرى، وبمجهود متراكم منحت تلك التابوهات صبغة القداسة!

فما الحل؟

لا تشككوا أبدًا في قدرة مجموعة صغيرة من أصحاب الفكر على تغيير العالم لأن ذلك هو ما كان يحدث دائمًا. “مارجريت ميد”.
طرح السؤال المناسب قد يكون طوق النجاة لكسر دائرة التابوه المغلقة، فمهما بلغ العقل من جمود تبقى الفطرة السليمة كامنة فيه ألا وهي الحرية، وبالطرق المستمر بأسئلة تستفز تلك الفطرة قد تتفتح الأبواب المغلقة.

فلا تلح عليه بإجابات تنهزم أمام دفاعاته، ولكن تسرب إليه بأسئلة تخلخلها لتسمح بمرور الفكرة ونقيضها، ويتسع مجال الرؤية، ويستعيد العقل قدرته على فلترة المدخلات، وتستقيم منظومة مقاييسه مرة أخرى، وليس هناك شيء غير قابل للتغير، فلطالما كان العالم في حالة تغير دائمًا.. وسيظل.

وأخيرًا..

كان بين عمر بن الخطاب ورجل كلامٌ في شيء، فقال له الرجل: اتَّقِ الله يا أمير المؤمنين! فقال له رجل من القوم: أتقولُ لأمير المؤمنين اتّقِ الله؟، فقال عمر: دَعْهُ فلْيَقُلها لي! نِعْمَ ما قال؛ لا خير فيكم إذا لم تقولوها لنا، ولا خير فينا إذا لم نقبلْها منكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد