كنت دومًا ما أتساءل: كيف يتحكّم بتسلّط أب مجنون في أولاده، دون أن يثور لهم جانب؟ كيف نقبل أن يعذّبنا أحد، ولا نستطيع أن نبتعد عنه؟ حتى لو قلنا له: لا! يكفي! لعل قد استرعاك منظر شحّاذ يهان. أو لعلك قد ضحكت على صديقكم الذي تتخذونه مضربًا. لنفهم هذا، تعالوا نفهم كيف يسيطر مهرج على قرية، ولنفهم كيف، يجب أن نفهم شخصيات القرية «الرواية»، ولنفهم الشخصيات، نحتاج أن نعرف كيف رسمها دوستويفسكي، وبناء على هذا كيف يمكن أن نفهمها.

مسار الحدث: شاب يتيم غاب عن عمه زمنا، يعود إلى بيت عمه في قرية ستيبانتشيكوفو التي ورثها، وقد امتلأ هذا البيت بالناس. فيتعرّف على الشخصيات، ويعرّفنا إياها.

ويستعمل لرسم شخصياته: تاريخ الشخصية، الوصف المادي والمعنوي، التفاعلات مع الآخرين «المحادثات».

ويلزم وضع في الاعتبار قبل الدخول إلى الشخصيات – وفق الرواية:

1- الأشياء التي تسمو إليها ذوات الراوية: الأدب والعلم والطبقة النبيلة بأخلاقها والمسيحية والجمال والرتب العسكرية، والمال وهو أساسي وقوي.

2- الطبقات المهم معرفتها في نظام الطبقية في القرية: مالك القرية، وأهله. الخدم، والفلاحون بأراضيهم، والسكان. وهم ضمن ملكيات المالك. المتملّقون.

نستطيع الآن أن نحلّل الشخصيات:

1- الجنرالة: يتحتّم لنفهمها أن ندرك: أنّها غير واعية بما تفعل ولا عاقلة له. أنّ ذاتها هي التي توجّهها نحو الأفعال، عند الشعور بشيء.

ينفتح تاريخها بشعورها لأي فعل لابنها بالظلم والإهانة. فتوبّخه منهارة أمامه، هذا الابن العاق! تتزوج هذه المظلومة، الجنرال كراخوتكين فيذلِّلها. ولكنّها لا تتفوه لهذا الطاغية. بل تلعب به. نقول: لأن ذاتها تُحس بسببه علوًّا. سمّيت جنرالة، وُهبت شقةً مستقلة، تعامل كشخصية مهمة، يجيئها كل القيل والقال، أصبحت لها تابعات «طفيليات». هنا يمكننا تصوّرها تذكر محاسنه. هذا الجنرال فقد عمله، فقد ساقه. يُجرّ بكرسي متحرّك! يأتي لهذا الجنرال مهرِّجٌ، فيسلب الجنرالة بعظاته المبكية، عن شفاء الروح، والمسيحية، ومآسي حياته، وبوضعها فوق كل مقام. وكلما كان الجنرال يعذبه ويهينه، كان يرتفع في نظرها، وتتعلق به أشد. هذا الخيّر المسكين يتعذّب لأجل الجنرال البائس. صارت كالذيل منه. هو سيطر عليها. وحين يدخل الراوي البيت يصور كلّ تحركاتها لتحركاته. هنا نؤكّد: لأنها تحس بسببه علوا، نحو كل ما هو خير، نحو الجنة. حتى إن الراوي يقول: إن شخصًا قال له إن بين المهرج والجنرالة علاقة آثمة! لكن ليست أية علاقة آثمة. هو باختصار كان ذاتها.

2- الآنسة بيريبيليتسينا «نجيّتها»: لنفهمها جيدًا، يجب أن يكون في اعتبارنا: أن اسمها يقول إنها لم تتزوج حتى الآن. ثم وصف الكاتب بأنها الأشرس طباعًا، والأصعب مراسًا. وبأنها ذات عينين صغيرتين، دون حاجبين، وشفتين أرق من خيط رفيع. وبأنها تحتقر الجميع. بهذا كله نذهب: إنّ زواجها تأخر بسبب قبحها، فشعرت بنقص ذات. ولعلها تعرّضت للسخرية. حتى اختلت رؤيتها لذاتها. وللعالم. لهذا تحاول دائمًا أن ترفع من قدر ذاتها بأنها بنت كولونيل «رتبة عسكرية» وباحتقارها للجميع. وهذا ما يدل عليه تصوير الراوي. إذ تقول إحدى الشخصيات له: أن الآنسة تحب ابن الجنرالة، ولكنها علمت أنه يحب غيرها، فأخذت تثير حوله الشائعات. مؤكد أنها اعتقدت بأنه رآها حقيرة دميمة لا تستحق أن يتزوجها هو العقيد. لذلك ما انفكّت تؤنبّه مع الجنرالة والمهرّج.

3- طفيلياتها: هنّ مجموعة نساء يتبعنها هي الجنرالة، لأنها ترفع ذاتهم.

4- براسكوفيا إيلينيتشنا «ابنتها»: ليس لها إلا تصريح الراوي: تنكر ذاتها أمام من تحبهم، وتنسى نفسها، وتحقق أدنى نزواتهم، وتخدمهم بلا انقطاع. باختصار: هي خاضعة جاهزًا للأم والمهرج. ولكنها توصف أثناء الرواية بالعنوسة. وبهذا نذهب: إنها أحست بنقص الذات، بسبب عدم زواجها. أدّى إلى جعل نفسها كأم في خدمة الجميع، لتشعر بذاتها. وأيضًا لعل الجنرالة كانت تؤنّبها، وزادت عليها عندما لم تتزوّج. فكانت ما كانت.

5- العقيد ييغورإيليتش «ابنها»: كان معتقدًا بفرض سماع كلام أمه لمجرد أنها أمه. هي كانت قوله، خطأه وصوابه. ولكنّه لم ينل منها إلا انتقاص الذات. ومرةً! لم يسمع رضاها. هنا يمكننا تصوّره دائما: واقفا أمامها، خائفًا متردّدًا. لا يدري ماذا يفعل. حتى فقد القدرة على رؤية نفسه رؤيةً صحيحة، والعالم. صار يرى نفسه أنانيًا حقيرًا. والجميع خيّرون لا شرّ فيهم. الشر ينبع منه هو. هو المذنب. يفرح أن يسعدهم، أن يأتي على نفسه لهم، وخاصة الأشقياء. أؤكد هنا: أن ذاته تذهب إلى هذا بكلها هربًا عن كل ما تُدهس به. لأنها قد وجدت فيه سموًا لها. وحين يجيء المهرج مع الجنرالة إلى بيته بعد وفاة الجنرال، يصير المهرج مورِّد أفعاله ورؤيته عن العالم. معبوده. العقيد كان يعشق الثقافة مفرغًا منها. والمهرج أفهمه أنه رجل ثقافة ودين وعلم، وبؤس. مع تأنيبه مع الجنرالة تأنيبًا شديدًا على أي فعل. اعتبر العقيد نزوات هذا المهرج، مجرد تعبير عن بؤسه، ولم يسمح لأحد أن يعترض عليه. بل أمره نافذ. جعل المهرج والجنرالة يقنعانه بأنه فظ لمرحه، وبأنه قليل الصبر لاستعجاله، وبأنه جاهل لحب الكلام في الثقافة، بتكبره وتباهيه. ومع ذلك كله أناني جاحد. وهو المسكين لم يعد يرى ذاته إلا هكذا ولا يدري لماذا؟ كل تصوير الراوي بعد أن يدخل، تعبر عن تعاملات عمه هذا ضعيف الشخصية. يعترف للراوي:

أنني ضعيف الإرادة؟ أكمل كلامك! ماذا بوسعي أن أفعل يا أخي؟ أعرف ذلك جيدًا.

1- أتباعه: الأتباع خاضعون للمهرج، بخضوع الملّاك له.

1- فالالي الخادم: ثقل على المهرج اهتمام الجنرالة وابنها به. ولم يستطع تغييرها عنه. فوجد أن يعلّم هذا الفتى السيئ، الأخلاق واللغة الفرنسية، ليتعامل مع الجنرالة العظيمة. فشل الفتى، فلم يكن إلا أن انكب على العقيد أكثر وأكثر. لنفهم كيف سيطر عليه: هذا الفتى ضعيف الشخصية، عاش يتيمًا منذ المهد، في رعاية زوجة العقيد، ثم انتقل إلى رعاية الجنرالة، تدلله وتعامله كلعبة، مطيعة، مأمورة. ولعلّ: هذا ما ضعّف شخصيته. كان يأتي إلى المهرّج ويحكي له كل ما يفعل، وما يحلم به. لا يفكر ولا يعبأ. وكان المهرج يستخدم كل ما يقوله، ليألّب عليه الجنرالة، ويخزي العقيد. ولكنّ الفتى لم يكن يحمل شيئًا له، بل بعد كل ثورة للمهرج يعود إليه، ويضحك.

2- غافريلا رئيس الخدم: اعترض على الفرنسية. فعاقبه المهرج بتعلّمها. كان يشعر بأنه قد سيطر على كل شيء. فكان ساخطًا، وغاضبًا أن يهان سيده العقيد على اللقطة والسقطة. وزاد حميه سخرية الجميع منه بتعلم الفرنسية. فثار على المهرج. ولكنه أخيرًا كما الجميع تأثّر بكلامه الديني الفصيح.

3- فيدوبلياسوف وصيف العقيد: علم المهرج الأديب بأنه كاتب، فقرّر أن يعلّمه الكتابة على أصولها، وأن ينظم ديوانًا بإشرافه. وجعله يترك الخادمة التي سيتزوجها. وقال له: إنه لشرف له أن يكون له شاعر من بين مماليكه كما في الزمان القديم. فتكبّر الخادم. فراحت الخادمة تحرّض الخدم على السخرية منه، بجعل اسمه في قافية. وجعل يغير اسمه، ويصطنعون له قافية. حتى جُنّ، وتوفّي.

4- الفلاحون: المهرج سيطر عليهم لجهلهم.

6- إيجيفيكين: لنفهم شخصيته، ولنفهم جميع الشخصيات، سنتكلم قليلًا عن طبيعة النظام الاجتماعي الروسي في العموم. عدم الوصول أو الوجود في أي من الأشياء التي يسمو إليها أفراد المجتمع الروسي، يؤدي إلى إحساس بفقر الذات. وهذا يصاحبه – بحسب رؤية قوة وضعف الشخص – انتقاص من الآخرين، لأنّك صرت مجرّد عالة، لا قيمة لك. هذا مع ذاك يؤدي إلى معانة، تجلد فيها الذاتُ، وتحرّض على الوصول إلى أي شيء يحسسها بنفسها. وعندما يكون الفقر الذاتي من أسبابه فقر مالي بالذات، يُنتج مهرجين. المهرّج هذا شخص، يدخل عند الأغنياء، بحثًا عن ضحكهم، لعله يشعر بذاته حين بإضحاكهم. وأحيانًا يعطى مالًا، فيكون المكسب مكسبين. هكذا كان إيجيفيكين. وهذه هي شخصيته التي يصورها الراوي عندما يدخل: ثيابه رثة قذرة، يتملّق، يُضحكهم. وهنا يعلّق الراوي تعليقًا مهما يخص شخصيته: هو يسخر منهم خلال إضحاكهم، لينفّس عن غضبه. وسبب رضى المهرج عنه: حبه في أن يكون له هو مهرج، كما الأغنياء.

7- تاتانيا إيفانوفنا: منتج من الفقر الذاتي والمالي. نشأت بطبعها المرح، السريع التأثر، المرهف الإحساس، في سجن معذّب. أدّى ذلك إلى حساسية مرضية. فذهبت لتعوض نقصان ذاتها، إلى العيش في أحلامها. ولكن هذا الأحلام كانت في يقظتها، تتمثّل أمام عينها. بالثروة الطائلة، والعاشقين الأنيقين الأمراء، الجنرالات. وتحت تأثير هذه الأحلام وضغط الواقع، ضعف عقلها. فإذا إرث ضخم يهبط عليها من قريب لا تعلم عنه شيئًا. ففقدت بذلك عقلها كليًا. وغرقت في بحر أحلامها من العشّاق الوُلَّه. كيف لا؟ وقد تحقق أحد أحلام يقظتها وهو الثروة. فإذا الجنرالة تستغل هذا الضعف، وتدّعي أنها قريبة لزوجها الجنرال المتوفي، بدعم المهرج. لتزوجها لابنها العقيد.

8- المهرّج المسيطر فوما فوميتش: فوما أبأس صورة من هذا المجتمع. فهو لم يجد نفسه عائشا في فقر. بل هو عمل في عمل وعانى. واتّجه للأدب وفشل. كل أحلامه وآماله تحطّمت. فلم يعد له إلا الفقر والذل، السخرية من الناس. إلى أين تذهب ذاته؟ كيف يمكن أن تقول له إنك لك قيمة؟ في الحقيقة، لم يعد إلا الغرور. أنت تُعذّب لأنك أفضل منهم. أنت أديب عالم مثقّف، رجل أخلاق ودين. من هم أمامك؟ ولكن كيف يقدر أن يعيش؟ لم يكن له سوى أن يعمل مهرجًا. لعله يجد قيمة لذاته. فعمل عند الجنرال كراخوتكين الذي ذلّله وجعله يقلد الحيوانات. ولكنه وجد عنده طريقًا إلى علو ذاته. أخذ يعظم نفسه أمام الجنرالة وطفيلياتها. يحكي حياته البائسة. يناولهم ترياقًا من علمه. يقول لهم: أنا أهرّج لأجل الجنرال. فوما كان حساسًا لدرجة لا تحتمل. لا تستطيع أن تقول له أنت على خطأ. لأنه سينفجر فيك. وعندما لا يقدر، يبدأ بذكر بؤسه ليستعطفك، ثم يهجم عليك بأنك حقير لأنك تقول إنه على خطأ، وتنسى ماضيه. وعندما سيطر على القرية، أخذ يظهر في كل مكان. ويمدح نفسه حين لا يمدحه أحد. ينصح لكل ما يراه خطأ. ويدلي بآرائه العميقة. وكلماته المبكية الفصيحة. ملك كل ما كان يحلم به، على حساب العقيد. الكتب والمكتبة، وريش الكتابة. له غرفتان في البيت، على آخر طراز. ببساطة، فوما هذا الذي لا يعتبرون له وجود، سيطر عليهم بكل ما يحبون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد