للمزاح/التهريج فضلٌ يتعدى كونه ترويح عن النفس في مجالس الأنس، ففيما أرى، فإن المزاح طريقة كاملة للتعامل مع الحياة، بل وفيما يراه البعض ممن يحكي عنهم الجاحظ في الرسائل، الرسالة السابعة عشر؛ فالمزاح رؤية فلسفية، وإن كان لم يذكر ذلك لفظًا، ولكنه أورد تعاطيهم مع المزاح كوجهة نظرٍ في قضايا الوجود والأخلاق والمعرفة.

فماذا كالمزاح يؤكد على أن الخير والشرّ مقدران، وأن تدابير الكون في يد الله، فليس من رجاحة العقل أبدًا أن نتعامل مع نوائب الدهر بالهم، فنحن ممن يقولون بـ “متخدش الحاجات بجد”، فإذا كان الفعل الإنساني مكتوب في اللوح المحفوظ، فبأي الحق على نفسك أن تهتم لخطأ فلان، أو لنائبة من نوائب الدّهر؟!، فـ “المزاح داعيةٌ إلى مجاوزة القدر”.

وفي المقولة الخالدة التي ذكرناها: “متخدش الحاجات بجد”، حكمة أصيلة في التعامل مع الواقع عمومًا، والتعامل مع الأنا والآخر، فالمازح شخص لا يأخذ نفسه على محمل الجد، يفضل راحة البال، وغالبًا ما يكون متسامحًا إزاء الآخر وكل ما يقابله في الحياة. لا نقول إنه متفائل في المجمل، ولكن “روحه حلوة” و “نفسه سمحة” تعبيران ينطبقان عليه، أو كما يقول الجاحظ في رسالته الدرّة، فإن المزاح “دليلٌ على حسن الحال”.

وهذا المازح الذي نتحدث عنه، وكما أنه مراوغٌ ذكي، وخلّاقٌ، إذ يرى في كل جملة مقولة، وكل موقف حادث نكتةً وطرفةً تستحق أن تقال أيًا كانت جدّية الموقف، فهو أيضًا أوّل الناظرين لمشاكله وعيوبه، حيث أنها مادة دسمة لأن تتناول بسخرية، فيقوم بذلك في تصالحٍ تامٍ معها، وتقبل يفيده أن يتجاوز ثقل الجدّ، فـ “الجد نصبٌ وبغضة”.

ولكن وجب أيضًا التنبيه بأننا لسنا من أصحاب مذهب الإفراط في المزاح، وعلى العموم لسنا على الإفراط والتفريط، ولكن ما بين هذا وذاك، مع تفضيل المزاح، وترجيحه على الجدّ في العموم، على أن نحتفظ لقاعدة “لكل مقام مقال” دورها في الفصل والتحكيم.

ثمّ إن المزاح يسقط الحرج بينك وبين جليسك، وتتحوّل أي بوادر شدّ وجذب في موضوع النقاش، الذي يبدو للمتحدث – وللأسف – أنه جاد؛ لضحك وهزار، ويتحوّل الجو المشحون، للصفاء، وتلين الأنفس وتتقارب.

قد يقول قائل ممن يخالف مذهبنا، إننا بهذا نسخف من كل شيء، ونقول الهزل في غير موضعه، كما ذكرنا في الفقرة السابقة، ولكننا نرد بما أكدّنا عليه سابقًا، وهو الحفاظ على قاعدة “لكل مقام مقال” في الفصل والتحكيم، ونستشهد بقول الجاحظ: “القول السخيف في أماكنه، كالقول السديد في مواطنه”.

 

وبالطبع أنا في حلّ أن أعرض للجاحظ، وأعرّف به، وهذا قوله وهو من هو. وأيضًا قد يقول مخالفونا في المذهب إن هذا قولٌ لا يحتجّ به لعلّة فيه من حيث المنهج، وهذا في رأينا هو القول المعلول، لأننا حقيقةً نرى أن قولًا سخيفًا في مكانه قد يكفينا شر بلاء سنين آتية، وعلى العكس، فإنّ تعاملًا جادًا في غير موضعه قد يقيمُ حروبًا، أو يصطنع مناضلًا وزعيمًا “بلَا ولَا شِي” كما تقول السيدة فيروز.

تعامل وقولٌ جادٌ في غير موضعه من الرئيس المؤمن أنور السادات لطالبٍ ما عقب كلمةٍ نضالية ألقاها، جعلت من الطالب مناضلًا وزعيمًا. قُتل السادات وانتهت حقبته، وبقي “الزعيم” وتمددت ظاهرته فصارت مثلًا يحكى، وصار بلوةً، ديْنها في رقبة جديةٍ مفرطة.

 

في المقابل لو أنّ الرئيس المؤمن تعامل بأبوّة – كما كان يصدّر نفسه عادةً – مع ذاك الطالب، وحاول أن يتفهم مشاكله الخاصة، أو قال له: “روح اتلهي”، لمات الطالب قبل أن يُقتل السادات، وكُفينا شر عزوته، وصارت مواقف الساحة السياسية المصرية، ما بين طرف وآخر، بلا ثالث يتوسطهما بلا عزاء. وهذا مثال ندلل به على حجّية قول الجاحظ.

وللأسف وفي معرض سابق ما ذكرناه، فإنّ “الجد لا يكون إلا من فضل الحاجة”، فيما أن “المزاح لا يكون إلا من فضل الغنى”، و “صاحب الجدّ في بلاء ما كان فيه”، في حين أنّ “صاحب المزاح في رخاء إلى أن يخرج منه”، أو كما أورد الجاحظ.

وحتى لا يرمينا رامٍ بأنّ عرّاب مذهبنا واحد من الأولين وهو الجاحظ ولا غيره، فنسوق لكم أمثلةً من تفضيل أهل العلم للمزاح والانبساط، بل وتفضيل الصحابة الكرام رضوان الله عليهم له، حتى أن حَبر الأمة، ابن العباس، رضي الله عنهما، قد ذهب بأنّ المزاح سنّة، إذ يُروى عنه قوله: “مزح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصار المزح سنّة”.

ومن هذا ما يروى عن الإمام عليّ بن أبي طالب، كرم الله وجهه، أنه كان صاحب دعابة، فمن ذلك قوله المشهور عنه: “من طال أير أبيه تمنطق به”، وأيضًا لمّا جاءته سيدة تقوله له إنها زوجت بنتها وهي أربعة أشبار، فطلبها زوجها أن يدخل بها، فردّ عليها، كرم الله وجهه: “أربعة أشبار تُدخِلُ شبرًا”، أو ما قاله الصحابي المغيرة بن أبي شعبة، رضي الله عنه، وكان مشهورًا عنه كثرة زواجه، واشتهائه للنساء، كما اشتهر عنه فروسته وبطولته في الحرب والغزو والفتح، وفي مرّة خطب امرأة من أبيها، لكنّها امتنعت عنه، فقال لها، رضي الله عنه، ملاطفًا ومداعبًا: “إن تزوجتني، ملأت بيتك خيرًا، وبطنك أيرًا”.

ومن مواقف المزاح التي تروى عن الإمام الأكبر سيدي محيي الدين بن عربي، أنه رحمه الله بات يومًا عند أحدهم، وكان بين جمع من الناس، وكلهم لزم الأدب احتشامًا له، فأراد رحمه الله أن يعمل موقفًا يباسطهم ويمازحهم فيه، وكان صاحب المنزل قد سأله أن يذكر شيئًا مما كتبه، فردّ عليه الإمام: “عليك من تصانيفنا كتابٌ أسميناه “الإرشاد في خرق الأدب المعتاد”، فإن شئت عرضت عليك فصلًا من فصوله”، فأجابه صاحب البيت برغبته في ذلك، فما كان من الإمام الأكبر رحمه الله إلا أن مدّ رجله في حجر الرجل صاحب البيت وطلب منه أن يكبس قدمه – أي يدلّكها -، ففهم الجمع المزحة وضحكوا عليها.

وفي مثل هذا الموقف، وما ذكرناه أعلاه، قد يقول مخالفٌ لنا متعّصب، إن ذلك من باب المجون، فردنا عليه إذ ذاك، قول الإمام سفيان بن عيينة، لمّا زعم أحدهم أنّ المزاح مُجون، فردّ عليه الإمام قائلًا: “بل سنّة، ولكنّ الشأن فيمن يضعه في موضعه”، وعودٌ إلى قاعدة “لكل مقامٍ مقال”.

وختامًا فليس أحسن من أنّ رجلًا يبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بدخول الجنّة وهو ضاحك، لما كان عليه من كثير المزاح والضحك بين يدي رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: “أما أنه يدخل الجنة وهو يضحك”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ, تراث

المصادر

الرسائل للجاحظ
نهج البلاغة للشريف الرضي
أساس البلاغة للزمخشري
نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب للتيفاشي
شرح السنة للبغوي
اللطائف والظرائف للثعالبي
عيون الأخبار لابن قتيبة الدينوري
عرض التعليقات
تحميل المزيد