في روتين الحياة وضغط الأيام، نهرب أحيانًا من واقع عمل منهك وإرهاق يومي. إلى فيلم لإسماعيل ياسين أو لعبد الفتاح القصري أو حسن فايق أو محمود شكوكو. أو إلى مقال ساخر, لنتنفس ونضحك، لنُرَوّح عن أنفسنا. السخرية أو الخرافة أو الفكاهة أو الملهاة؛ كلها أسماء تعبر عن معنى واحد للضحك. هي فن جميل وراق. له تاريخ قديم. في كل حقبة كان له شكل مختلف؛ ففي الجاهلية كان عبارة عن شعر ساخر يسمى هجاء رأيناه بين الفرزدق وجرير وغيرهم, تطور عند الإغريق, فكانوا ينظمون المهرجانات السنوية للسخرية من الأشياء التي تنغص عليهم حياتهم. ويتبارون في إطلاق النكات حولها.

مرورًا بعصر النبوة فتلك الحقبة لم تخلُ من التهكم والاستخفاف والسخرية, فقد نزل القرءان الكريم بلسان العرب وبأساليبهم وبأنماط حياتهم المختلفة, لم أتكلم من الهواء, كانت السخرية لها نصيب بالفعل إبان تلك الفترة, فقد عبر عن ذلك القرءان بمنتهي البلاغة في آيات عدة, منها على لسان النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام في قوله تعالي ﴿قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم, قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون﴾!

في القرون الخمسة الأخيرة مرورًا بعصرنا هذا تطورت أكثر, فكانت في المقالات والرسوم الكاريكاتيرية والكتب والشعر والحلقات المتلفزة متمثلة في جلال عامر ابن الحارة المصرية، والغائب الحاضر صلاح جاهين، وعمرو سليم وفؤاد نجم وعزب شو وأكرم حسني وغيرهم، فدائمًا ما كانوا يسخرون من سياسات الدولة وعادات المجتمع.

السخرية والخفة طالت الكرة أيضا, فأضفت عليها روح الفكاهة عبر المعلق الكبير محمود بكر, الذي شابه إلى حد كبير الساخر جلال عامر في ملامح الوجه, وانضمامهم سويًا للجيش المصري وخوضهم ثلاث حروب ضد إسرائيل, غير اهتماماتهم بما يدور في الإسكندرية من مشاكل وإبرازها دوما عبر الكتابة والتعليق.

تميز أيضًا محمود بكر بخفة الظل والحيادية وعدم التكلف، وإلقاء روح المرح والدعابة على المشاهد, مما يحد من تعصبه, فيأخذه نحو الاستمتاع بالمشاهدة في جو غير مشدود, كان لا يفتر عن تذكيرنا بإنجازاته مع نادي الأوليمبي وحصوله على دوري الستينيات مع النادي, وبمحطة سيدي جابر والتروماي وبمحافظ الإسكندرية, ونطق أسماء اللاعبين بالخطأ وعدم إبلاغه بأسماء البدلاء والحكام ومونوتور الشاشة العاطل دوما! كل هذا لم يُلهِه عن قراءته التحليلية للمباراة وإعطاء “روشتة” للمشاهد لما يحتاجه الفريقان من خطط الملعب والتكتيكات المستخدمة والتغييرات المطلوبة. فبعد توقفه عن التعليق لأسباب صحية هو والمعلق ميمي الشربيني، ورحيل حمادة إمام، فلا حيادية ولا خفة تلقى ولا تحليل وقراءة تلقى مما دفعني لمحاولة المشاهدة بدون تعليق قدر المستطاع!

وهناك في أمريكا المئات من المهرجين, على رأسهم جون ستيوارت الذي سخر من كل شيء, لم تمنعه أمريكا, بل كان يحضر برنامجه رئيس الدولة, نجحت شعبيته, تخطت حدود دولته, استنسخ الكثير في أوروبا تجربته, عندنا كان لنا منه نصيب قلده باسم يوسف, كنا ننتظره كل أسبوع لنضحك ما وسعنا الضحك. يعلق على وزير شارد هنا أو إخواني يمرح هناك. تحول برنامجه إلى مادة ثمينة للضحك, بعد 30 يونيو الأمر أصبح مختلفًا, الذين كانوا ينتظرونه بفارغ الصبر أصبحوا يتأففون منه! بعد أن كان ساخرًا أصبح ماسخًا! اعتقد رجال الدولة أنه خطر على الأمن القومي, تعاملوا معه على أنه سياسي! فتوقف البرنامج ورحل هو.

القمع لا يفيد, الدولة التي تكبت الحريات وتلاحق المهرجين لن تقوم أبدًا, لابد أن تطلق العنان لأصحاب الرأي. حذار من القبضة الأمنية, ستهوي بنا جميعًا!

تمت إقالة محافظ الشرقية لمجرد التعبير عن رأيه تجاه وزير العدل! نفس ما حدث للسحيمي عندما بيت له النية الوزير نفسه! اعتداء أمناء الشرطة على أطباء المطرية! التحفظ على إسلام جاويش لساعات ثم الإفراج دون معرفة الأسباب! الدولة التي اهتاجت على ظهور شباب بالبلالين في التحرير وإن كانت طريقتهم مبتذلة فوسعتهم بأسوأ الألفاظ. كل هذا في حوالي شهر أو يزيد, عال والله!

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد