بددت التصريحات المسيئة لقوات الحشد الشعبي التي جاءت على لسان السفير السعودي الجديد في العراق ثامر السبهان، آمال وتوقعات البعض بتصحيح مسار العلاقات العراقية– السعودية، التي ظلت حتى بعد سقوط نظام صدام تتحرك في دائرة التآمر والعدوان والإيذاء والنزعات الطائفية المذهبية الضيقة.

وبدلا من أن يطلق السفير السعودي في أول إطلالة إعلامية له من العراق، رسالة إيجابية من شأنها أن تفتح آفاقا لمرحلة جديدة يعاد فيها النظر بسياسات الماضي الخاطئة، اختار الطريق الخطأ ليضع قدمه عليه، وكان كمن يحمل وعاء للزيت وراح يصبه على نار الفتنة ليزيدها اضطراما.

بنفس الأسلوب الذي تتعاطى فيه وسائل الإعلام والأوساط والمحافل السعودية مع الحشد الشعبي، تعاطى السفير السبهان مع شأن عراقي داخلي بطريقة استفزازية بعيدة كل البعد عن السياقات والضوابط الدبلوماسية المتعارف عليها، ناهيك عن غياب الموضوعية في كلامه.

من بين ما قاله السفير السبهان عبر شاشة قناة السومرية الفضائية العراقية: “إن رفض الكرد وأهل الأنبار دخول الحشد إلى مناطقهم يبين عدم مقبولية الحشد من المجتمع العراقي”.

ويتساءل السبهان: “لماذا كل السلاح فقط بيد الحشد، وهل تقبل الحكومة العراقية بتشكيل حشود سنية؟”.

ويدعي السفير السعودي: “أن أحداث المقدادية محاولة للتغيير الديموغرافي بعد خسارة الشيعة بالانتخابات الأخيرة، ومن يقف وراء أحداث المقدادية ليسوا أقل من داعش”.

إضافة إلى ذلك وصف السبهان الإعلام العراقي بأنه “طائفي”.

ومن يتوقف قليلًا عند ما قاله ممثل الدبلوماسية السعودية في بغداد، لا بد أن يشخص عدة ملاحظات، من بينها، أن السفير السعودي تحدث بنفس طائفي مقيت ومستهجن، قافزا على كل الأعراف والقيم الدبلوماسية، وبدا أنه يتحدث بصفته رجل أمن أكثر مما هو شخصية دبلوماسية تمثل حكومتها في بلد آخر.

الملاحظة الثانية، هي أنه إما تعمد قلب الحقائق والقفز عليها، وإما أنه جاهل بها تماما، فالحشد الشعبي الذي يعتبره شيعيا ويتساءل عن إمكانية تشكيل حشود سنية مماثلة، هو الذي تصدى لتنظيم داعش الإرهابي في مدن ومناطق ذات أغلبية سنية، وقدم عشرات -إن لم يكن مئات- الشهداء والجرحى، فأبناء البصرة وميسان وكربلاء والنجف وذي قار والمثني، لم يواجهوا عصابات داعش لأنها استهدفت واستباحت مدنهم، وإنما واجهوها وتصدوا لها بعدما استباحت نينوى والأنبار وصلاح الدين، ومناطق في بابل وبغداد وديالى وكركوك. والحشد الشعبي قوبل بالكثير من الترحيب من أبناء المناطق والمدن ذات الأغلبية السنية بعدما خلصهم من سطوة عصابات داعش، بيد أن الماكينة الإعلامية السعودية ومن يدور في فلكها شنوا حملات ممنهجة لتشويه صورة الحشد الشعبي، وهذا ما انطلى على فئات وشرائح اجتماعية وأوساط سياسية في داخل العراق وخارجه.

والملاحظة الأخرى، هي أن الحشد الشعبي لم يواجه تنظيم داعش بمفرده، وإنما كان وما يزال يتحرك إلى جانب قوات الجيش العراقي، ويخضع لتوجيهات القائد العام للقوات المسلحة، وهيئة الحشد الشعبي، باعتبارها جهة رسمية، فضلا عن ذلك، فإن تشكيلات من أبناء العشائر في الأنبار وغيرها، وكذلك قوات البشمركة الكردية كانت في أغلب المعارك تقاتل مع قوات الجيش والحشد الشعبي.

ومن يتحدث هنا وهناك عن تجاوزات وإساءات للحشد الشعبي في المدن والمناطق التي حررها، فإن ذلك في بعض جزئياته صحيحا، بيد أنه لا يمثل السياسات والتوجهات الحقيقية للحشد، بقدر ما هو سلوكيات وتصرفات شخصية خاصة لبعض أفراده ومجاميعه، وقد أدانتها واستهجنتها المرجعية الدينية، والجهات الحكومية المسؤولية، وقيادات الحشد الشعبي نفسها، ومثل تلك التجاوزات والإساءات يمكن أن نجدها تنطلق من أشخاص داخل المؤسسة العسكرية الحكومية، ومن التشكيلات المسلحة لأبناء العشائر السنية، ولعله من الخطأ بمكان التعميم في إصدار الأحكام الظالمة والمجحفة.

والملاحظة الأخرى، هي أنه إذا كان هناك رفضا كرديًا وسنيًا لدخول قوات الحشد الشعبي للمدن والمناطق ذات الأغلبية الكردية والسنية، فهو في الواقع مرتبط بأجندات سياسية خاصة لقوى خارجية في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا والسعودية، محكومة بمخاوف وهواجس بعيدة في مجملها عن الواقع، وإلا كيف ترحب بعض الأطراف السياسية بدخول قوات تركية إلى نينوى، وتهلل وتستبشر بدخول قوات أمريكية إلى أي مكان في العراق، بينما ترفض رفضا قاطعا مشاركة قوات الحشد الشعبي في تحرير الأنبار ونينوى من عصابات داعش؟

والملاحظة الأخرى على ادعاءات السفير السبهان، هي أنه فيما يتعلق بأحداث قضاء المقدادية، خرج محافظ ديالى وقائم مقام المقدادية، وظهرت تقارير تلفزيونية مصورة، وشهادات موثقة لعدد من أبناء المدينة، تؤكد بما لا يقبل الشك، بأن ردود الأفعال التي رافقت التفجير الإرهابي المزدوج في أحد المقاهي قبل حوالي أسبوعين، وتسبب في استشهاد وجرح عشرات المدنيين، قد تم تهويلها إلى حد كبير من قبل جهات إعلامية وسياسية تسعى إلى خلق فتنة، ولعل كلام السفير السعودي يأتي في إطار تلك التوجهات.

والأكثر من ذلك كله، والملاحظة الأهم، تتمثل في أن السفير السعودي، تطرق إلى أمور لا ينبغي له التطرق لها والخوض فيها، لأنها تعد شأنا داخليّا صرفا، وهذا ما يستوجب اتخاذ الإجراءات المناسبة بحقه من قبل الحكومة العراقية، متمثلة بوزارة الخارجية، كما طالبت جهات عديدة بذلك، من بينها لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب، وهيئة الحشد الشعبي، وقوى وشخصيات سياسية مختلفة، بعضها تمثل بشكل أو بآخر المكونين السني والكردي.

وسواء انطلقت تصريحات السبهان من جهل وتسرع وانفعال ونزعة طائفية، أو أنها كانت مدروسة وأريد من خلالها إطلاق رسائل معينة، فإنها أشارت إلى حقيقة مهمة للغاية، ألا وهي أن الرياض لم تتبلور لديها الإرداة والرغبة الجادة، ولا النية  الصادقة في طي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة من العلاقات مع بغداد، وبدلا من تصحيح المسارات الخاطئة، توجهت إلى الدخول من بوابة الدبلوماسية لتنفيذ ما عجزت عن تنفيذه عبر ماكينتها الإعلامية، وأجهزتها الأمنية، ومؤسساتها الدينية طيلة الأعوام الاثني عشر الماضية.

وقبل الإطلالة الإعلامية الأولى للسفير السبهان، كان باكورة تحركه الأول بعد وصوله بغداد، هو عقد اجتماع مع ممثلي اتحاد القوى العراقية الذي يتزعمه أسامة النجيفي، وائتلاف العربية الذي يتزعمه صالح المطلك، لبحث ما يواجهه المكون السني من مشاكل وأزمات وضغوطات، وكيفية تقديم الدعم والإسناد السعودي له. وهذا بحد ذاته ترجمة عملية لطبيعة الوجود السعودي الدبلوماسي الجديد في العراق، الذي لا يعدو كونه يمثل الوجه الآخر للوجود الخفي التخريبي الذي ما زال قائمًا.

يبدو أن السعودية بأوضاعها الراهنة، ونظامها السياسي المنغلق، وأيديولوجيتها الدينية التكفيرية لا تستطيع أن تكون جسرًا بين الفرقاء والمختلفين في أي مكان، ولا حلقة للتواصل والتفاهم والحوار، بقدر ما تكون أداة لإثارة الفتن، وزرع الخلافات، واختلاق الصراعات والحروب.

تلك الحقيقة التي لا بد أن يدركها ويتحسب لها كل من يفكر أو يتمنى أو يتفاءل بإعادة فتح السفارة وتعيين سفير.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السعودية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد