منذ أواخر القرن الماضي والمغرب يحاول مواكبة ركب الدول الرائدة في مجال حقوق الإنسان، حيث قام بتأسيس مجموعة من المؤسسات دستوريًا حتى تتوافق مع المعايير الدولية، ومن بين هذه المؤسسات المجلس الوطني لحقوق الإنسان والذي كان فيما مضى عبارة عن مجلس استشاري لحقوق الإنسان، فأول ظهور لهذه المؤسسة كان بعد إعلان الملك الراحل في خطاب له داخل قصر الضيافة بالرباط يوم 8 مايو (أيار) 1990م، حيث قال «إن إنشاء المجلس الاستشاري هو بمثابة استكمال لدولة القانون»، لكن مع التطورات التي عرفها المغرب بعد ذلك وخاصة بعد وفاة الملك الحسن الثاني تم تعديل هذه المؤسسة على المستوى الهيكلي سنة 2001، لأجل فاعلية أكثر ومواكبة التحولات التي عرفها المغرب.

نشأة المجلس الوطني لحقوق الإنسان

بعد التحولات التي عرفتها بلدان شمال أفريقيا منذ سنة 2010 إلى حدود اللحظة بخصوص الحراك الاجتماعي، الذي كانت أهم مؤشرات ظهوره بالدول العربية، هو الاضطهاد والقمع والظلم والجوع وكل ما يرتبط بالعيش الكريم ليصل هذا المؤشر إلى المغرب خاصة عند ظهور حركة 20 فبراير (شباط) التي بدورها كانت تطالب بالعيش الكريم ومحاربة الفساد، وفي ظل هذه التحولات الوطنية إضافة إلى أخرى دولية سيقوم المغرب بإنشاء المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي يعد مؤسسة وطنية تعددية ومستقلة، تتولى النظر في جميع القضايا المتعلقة بالدفاع عن حقوق الإنسان والحريات وحمايتها، إضافة إلى ضمان ممارستها الكاملة، والنهوض بها وبصيانة كرامة حقوق وحريات المواطنات والمواطنين، أفرادًا وجماعات وذلك في نطاق الحرص التام على احترام المرجعيات الوطنية والكونية في هذا المجال.

ودون شوفينية لا يمكن إنكار ما قدمته هذه المؤسسة الوطنية في بعض القضايا التي تهم حقوق الإنسان وذلك قد برز من خلال مجموعة من المعطيات أهمها الكم الهائل من الشكايات التي تلقتها وقامت بمعالجتها، كما أنه تجاوز المجال الوطني ليصبح عضوًا دوليًا في عدة أجهزة دولية بل إنه دخل ضمن زمرة المجموعة «أ» على الصعيد الدولي، لكن رغم كل هذا ،فإن هذه المؤسسة تظل قاصرة أمام التحولات والتطورات المجتمعية التي يعرفها المغرب خصوصًا في السنتين الفارطتين إلى حدود اللحظة، فبعد حضور مكثف في بداية عمله وتقليص الهفوة بين الدولة والمواطن بخصوص حقوق الإنسان، يلاحظ أن تراجع وظيفته أصبح في تلاشٍ، وهذا المعطى جد سلبي في الظرفية الراهنة خاصة بعد انطلاق مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية أو السياسية أو غير ذلك، دون مراعاة ظروف المواطن وحاجياته، الشيء الذي يمس بمجموعة من الحقوق المنصوص عليها في العهدين الدوليين أو المواثيق الدولية. وبالتالي في غياب موازنة هذه المؤسسة بين الدولة والمواطن يبقى الفضاء المغربي مفتوحًا أمام أي احتمالية.

بوادر فشل المجلس الوطني لحقوق الإنسان

إن المجلس الوطني لحقوق الإنسان لا يزال يشتغل في ظل آخر تعديل هيكلي أي منذ التعديل الذي طرأ على المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سنة 2001 في حين أن المجلس الوطني أسس له من خلال دستور 2011 وتم الإبقاء على الهياكل المنصوص عليها في تعديل 2001، رغم المصادقة البطيئة على مشروع القانون 76.15 المتعلق بإعادة هيكلة المجلس الوطني لحقوق الإنسان مؤخرًا، وبالتالي تبقى هياكله غير مواكبة للاختصاصات المسندة له من أجل فاعلية أكثر وحتى يتماشى مع الوعي الحقوقي الذي ظهر في الآونة الأخيرة بالمغرب حيث كثرت الحركات الاحتجاجية حول الحقوق المنتهكة.

ومن أهم الأحداث التي برز فيها هذا الضعف لدى المجلس الوطني لحقوق الإنسان هي أحداث الريف الأخيرة والتي غاب في بدايتها المجلس، وأحداث مدينة جرادة التي تعيش كل المآسي حيث ينعدم فيها مفهوم العيش الكريم إلى حدود اللحظة وما تعرفه من تخويف وترهيب من طرف السلطات دون حضوره، إضافة إلى قمع الحريات العامة المنصوص عليها دستوريًا خاصة لدى فئة الصحفيين أو غيرهم. ورغم الاختصاصات الموكلة للمجلس بخصوص مثل هذه الحالات، التدخل بكيفية استباقية وعاجلة كلما تعلق الأمر بحالة من حالات التوتر التي قد تفضي إلى انتهاك حق من حقوق الإنسان بصفة فردية أو جماعية، في إطار المهام المسندة إليه، وبتنسيق مع السلطات العمومية المعنية.

كما أن إحياء وزارة الدولة لحقوق الإنسان في ظل الحكومة الجديدة بقيادة الوزير الذي كان بالأمس ظالمًا، فكيف سينصر المظلوم الآن وخاصة حقوق الإنسان التي كثيرًا ما دهس عليها بسياسته في ما مضى، وبالتالي فبعد هذه التحولات شلت حركة المجلس الوطني لحقوق الإنسان وهذا ما يتعارض مع مجموعة من المبادئ الدولية كمبادئ باريس وغيرها، بل حتى مع المبادئ الإنسانية وبالتالي يبقى التساؤل القائم، هل المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمغرب في طريقه نحو التفكك؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد