هيحزموك زى الجنيه في الأستك، هيسيبولك الفُتات ويبيعولك الأمل في الإعلانات، والهجرة لبلاد البلاستيك  “مصطفي ابراهيم”

ليس غريبًا أن يكون مؤلف رواية اللجنة رجل غرق في ميوله الاشتراكية حتى عنقه، معاديًا كل ما هو رأسمالي، وعادةً ما يعلن الحرب عليه، رجلٌ لو كانت نشأته في بلادٍ غير بلادنا لظهرت تلك الروايات أيضًا، ولكن من خلف أسوار المعتقلات السياسية. لحسن حظه أنه من مصر، فلا يعى حاكميها على مر السنين معنى الأدب ولا الرمزية ولا دلالات النصوص ولا تمظهرات الكلمة، هم حُكّام لا يعرفون الأدب، سواء الأدب بمعنى القصة والرواية والشعر، أو الأدب بالمعنى الآخر.

صُنع الله ابراهيم، ذلك المؤلف الذي يمتلك قدرًا كبيرًا من النباهة التي تجعله يربط بين أتفه الأمور وأعمقها قادر على صنع مُفارقات حياتيه بكلماته، أديب يري بدقة تفاصيل المجتمع التى لا يراها المواطن العادي أو المثقف إذا جاز اعتبار المثقف مواطنًا غير عادى .. لا تندهش نحن في مصر.

اللجنة

تدور أحداث الرواية التى كُتبت في 1981 حول بطل مجهول يقف أمام لجنة مجهولة؛ لتختبر فيه حجم ثقافته ومساحتها في عقله وفكره وطول وعرض معارفه الحياتية؛ فيسألونه عن كثير من المسكوتات السياسية والأخلاقية، وذلك شريطة أن ينضم، إلى أي شيء ينضم ؟.. لا تدري، فإذا قابلت صنع الله صدفة عليك أن تسأله.

الرحلة

يتسلح البطل بكل معارفه في الحياة ويسترجعها ويُهيئ نفسه لأى سؤال يُلقىَ عليه خِشية ألا يستطيع الإجابة ومهما تسلّح واستعد كانت اللجنة تفاجئه بما لا يتوقعه فطلبت منه أن يتعري تمامًا كاشفًا عورته ويتحدث عن قضايا اقتصادية غاية في الجدية والأهمية ومنجزات القرن وهو عاري، وطلبت منه أن يرقص وحدثوه عن تفاصيل علاقات جنسية قديمه أقامها الأمر الذي يعكس مدى مخابراتية اللجنة.

تتركه اللجنة بعد المقابلة الأولى يأكل في نفسه لا يعرف رأسه من قدمه لترسل له بعد حين طلبًا بتقديم دراسة عن ألمع شخصية عربية، فيبدأ هو في رحلة بحث لا متانهية حتى بعد عثوره على هذه الشخصية، ففي رحلة البحث تتسع دائرة الاهتمامات المعرفية مثله مثل أي باحث يجد في رحلته أطرافًا كثيرة لخيوط طويلة لو ترك ذاته لها لما انتهي طيلة حياته من شقاء البحث وعناءه.

يكتشف في رحلته مجموعة أسرار ما عرفها لولا بحثه هذا فهو كان يُنقّب كالباحث عن الذهب في بحرٍ من الطين، فيجد في طريقه معلومات عن حفل راقص أقيم عشية العدوان الإسرائيلي في إحدى القواعد الجوية المصرية، ويجد شائعات بشأن تسليم الجولان، وأمور عدة عن حرب الاستنزاف، ويعرف أكثر عن العلاقة بين القوة والحكم وبين الثراء والجريمة، ويعرف طبيعة المعونة الأمريكية التى تجسدت وقتذاك في أتوبيس كارتر الذي يأتى لامعًا برّاقًا وسرعان ما يتخلخل ويقال إن السبب طبيعة الأرض في مصر، فضلًا عن سوء الاستخدام، وأدرك البطل أن الظواهر كثيرة بلا حصر، فأينما تطلعت ستجد ما تشاء من ظواهر.

الكوكا كولا (المرأة ذات الثوب الضيق)

توجه اللجنه سؤالها الفاصل الذي تكشف الإجابة عنه جزء كبير من غاية الرواية، إن القرن الذي نعيش فيه هو بلا شك أعظم عصور التاريخ، سواء من حيث ضخامة وقائعه وعددها، أو من حيث الآفاق التى تنتظره. فبأى شيء من هذه الوقائع، كالحروب والثورات والابتكارات، سيذكر قرننا في المستقبل؟

تأتى الإجابة عاكسة لمدى العمق الفكري فيقول من الممكن أن نذكر مارلين مونرو حيث أن هذه الفاتنة الأمريكية كانت حدثًا عالميًا حضاريًا بمعنى الكلمة، لكنه حدث عابر ولى أمره فمقاييس الجمال متغيرة، وذلك يدفعنا إلى تجاهل البترول العربي لأنه سينضب، ويمكن أن نذكر غزو الفضاء، بالرغم من أنه لم يتمخض بعد عن شئ ذي قيمة. فبنفس المعيار سنستبعد الكثير من الثورات وهذا يقودنا للبحث في اتجاه أخر طويل مزدحم كالطريق المؤدي إلى المطار بلافتات كثيرة تحمل أسماء شديدة التنوع مثل فليبس ، توشيبا ، جيليت ، ميشيلان ، شل ، كوداك ، وستنجهاوس ، فورد ، نسله ، مالبورو. العالم كله يستخدم الابتكارات التى تحمل هذا الأسماء والشركات التى تنتجها تستخدم العالم إلى أن تحول العمال إلى آلات، والمستهلكين إلى أرقام، والأوطان إلى أسواق.

يتحول العمال إلى آلات، والمستهلكين إلى أرقام، والأوطان إلى أسواق

يتابع قائلًا هى [كوكا .. كولا] فهى تجسد حضارة هذا القرن ومنجزاته، بل آفاقه، فهي إحدى أول ثمار حرب تحريرية تخوضها الولايات المتحدة خارج حدودها وتعددت أشكالها حتى استقرت على الشكل الشهير المعروف بـ (المرأة ذات الثوب الضيق)، وحطمت المفهوم القديم للدعاية الذي قد كان قاصرًا على مجرد بيان بمواصفات السلعة واضعة بذلك حجر الأساس فن الدعاية عن طريق قضائها على الوهم السائد بشأن العلاقة بين العطش ودرجة الحرارة، فروجت لشعار [العطش لا يعرف فصلًا] ثم استقرت فوق قمة المجتمع الاستهلاكي.

يستخدم المؤلف أبسط الأشياء ليعبر بها عن نظام اقتصادي يجتاح العالم بجبروت، يكشف للقارئ أنه كم كان مفعولًا به في الحياة! وكم كان يُلعب بعقله ويُسرق منه ماله بإرادته! فالرواية وليدة الزمن التي كُتبت فيه المسمى في الأدبيات: انفتاح السادات، يكتشف القارئ الوجود بمعطياته القديمة، ولكن بمنظورٍ جديد فيشعر أنه كان مُغفّلًا.

لو كان بإمكاني لأعطيت الرواية أوسكار أخبث رمزية حيث السرد المتألق الذي يحرك صورًا داخل أذهاننا، فننسي أننا بصدد عمل أدبي ويخطفنا إلى التفاصيل والتدقيق فيها كأنه عمل فنى أو سينمائي بالتحديد، ويدفعنا إلى رؤية ما نراه يوميًا من زوايا مُغايرة للطبيعي، فإذا كان هذا فقط وحده غرض الأدب وهذه هي غاية الأديب، فكفى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد