دَفَعني إلى كِتابة هذا المَقال ما قرأته لزَميل دِراسة سابِق، قد سايَر الشُّبُهات ولازم أصحاب الأهواء، حَتَّى ضَل طَريق الحَق الَّذي كان عليه. فقد أورد كَلامًا مُفاده أنَّه مِن غير المَعقول – بل مِن الظُّلم[1]! – أن يُحاسِبنا الله على أفعالنا، وهو يَعلم مِن قَبل خَلْقنا وتَكْليفنا مَصيرَ كُل واحِد مِنَّا، وكأنَّه أراد بكَلامه هذا – عن قَصد مِنه أو غير قَصد – أن يَقول بمَذهب الجَبريَّة.

لم أشَأ التَّعقيب على كَلامه بَعد أن وَجدت مِنه في وَقت سابِق سَفْسَطة المُكابِر وفِراره، وقُلت: خَيرٌ مِن ذَلِك أن أكتُب إلى مَن أراد – بإخلاص – الوُصول إلى جَواب، وفَوق ذَلِك فقد كانت أفكاري حَول المَسألة مُبعثَرة هُنا وهُناك، وناقِصة بَعض الشَّيء، فأحبَبت تَرتيب المُبعثَر واِسْتِكمال النَّاقِص، ولم ألق عَناءً كَبيرًا في تَحقيق ذَلِك، فقد شاهدت لِقاءً قَديمًا مع الشَّيخ الشَّعراوي في بَرنامج «نور على نور»، تَحدَّث فيه عن مَوضوع «الجَبر والاِخْتيار» فأجاد، لذا فسَيَقتصر دَوري في السُّطور التَّالية على تَلخيص ما قاله وبَيَّنه مع إضافات يَسيرة.

بدايةً، لو وَجَد الإنسان أن كُل أفعاله مُجبَر عليها، لما نَشأت فِكْرَة «هل الإنسان مُخيَّر»، ولو أن أفعاله كُلَّها مُخيَّر فيها، لما نَشأت فِكْرَة «هل الإنسان مُسيَّر»، فالصَّحيح إذًا أن هُناك أُمورًا يَكون مُخيَّرًا فيها، وأُخرى يَكون مُجبَرًا عليها. ولَكِن يَبقى السُّؤال: أين تَقع الأفعال الَّتي هو مُحاسَب عليها؟

إن الأجناس على أربَع مَراتِب، فأدناها مَنزِلة الجَماد، ويَمتاز النَّبات عنه بالنُّمو، وفَوق النَّبات الحَيوان بما له مِن حِس وحَرَكة، وعلى رأس هؤلاء جَميعًا الإنسان بعَقله وفِكره.

ورَغم كَون الإنسان أعلى الأجناس، إلَّا أن فيه حَيَوانيَّة ونَبَاتيَّة وجَماديَّة، فما كان فيه مِن ذَلِك فهو مُسيَّر فيه. فالإنسان لا دَخل له في حِسه وحَرَكته، ولا دَخل له في نُموه، كَما أنَّه خاضِع لقَوانين الطَّبيعة مثله مثل الجَماد.

بَينما المَنطقة الَّتي يُعرَض فيها «الفِعل» على العَقل ليُفعَل أو لا يُفعَل هي مَنطقة الاِختيار، وهي مَنطقة التَّكليف مِن الله، ولذَلِك فالمَجنون لا يُكلَّف كَونه فاقِدًا لأداة الاِختيار بَين البَديلات، والأمر نَفسه مع غير ناضِج العَقل، فلو لم يكن الإنسان مُخيَّرًا لاسْتَوى أن يُكلَّف المَجنون وغير ناضِج العَقل.

والله – سُبحانه وتَعالى – كَما أنَّه الخالِق والفَعَّال لكُل شَيء، فهو العَدل، فمِن الخَطأ أن نأخُذ صِفة ونَترُك الأُخرى، أي لا يَصح أن يَقول قائِل «الله هو الَّذي جَعَلني أفعل كذا وكذا مِن الذُّنوب، فأنا إذًا لا أستحق العِقاب»، لأن في ذَلِك إغفالًا لصِفة العَدل.

ثُم لماذا نَقول أن القَدَر تَدخَّل عندما يَتعلَّق الأمر بأُمور التَّكليف، بَينما هو لا يَتَدخَّل في أُمور دُنيانا؟! فأنا نَجَحت لأنَّني ذاكرت واجتهدت، والغَرب تَقدَّم لأنَّه أخَذ بأسباب التَّقدُّم… إلخ، بَينما «دوكينز» ألحَد عن غير إرادة مِنه، و«بوش» قَتَل المَلايين لأن الله كَتَب ذَلِك في اللَّوح المَحفوظ وأجبَره على فِعْله… إلخ!

ولَكِن أليس الله هو مَن يَهدي ويُضِل {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ويَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}، فأين دَور الإنسان إذًا في اِخْتيار الهِداية أو الضَّلال؟

الله – سُبحانه وتَعالى – يَهدي الجَميع، بمَعنى أنَّه يَدُلهم على الطَّريق، فمَن آمن به أعانه، فهُناك هِداية تَدُل، وأُخرى تُعين. ولذَلِك يَقول تَعالى إلى رَسوله صَلَّى الله عليه وسَلَّم {إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}، ويَقول له في مَوضع آخَر {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}، فالهِداية الأُولى بمَعنى الدِّلالة، والثَّانية بمَعنى المَعونة. وتأكيدًا لهذا الفَهم يَقول – عَز وجَل – {وأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ العَذَابِ الهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}؛ أي أنَّه تَعالى دَلَّهم على الطَّريق فأبوا فأخَذهم بما كَسَبوا، بَينما في ذِكر أصحاب الكَهف قال {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْنَاهُمْ هُدًى}.

فالآيات الَّتي فيها الهِداية بمَعنى الدِّلالة تَكون عامَّة؛ لمَن آمن بالله ولمَن لا يؤمن، بَينما تلك الَّتي الهِداية فيها بمَعنى المَعونة تَكون مُقيَّدة؛ لمَن أقبَل على الله وآمن به.

ولَكِن ما دام الله قد كَتَب علينا الهِداية أو الضَّلال، فلا مَعنى للاِخْتيار ولا فائِدة مِن الاِخْتِبار؟!

أوَّلًا: ما كَتَبه الله على البَشَر مِن النَّعيم أو الشَّقاء في الآخِرَة راجِع إلى عِلمه المُطلَق، وكَون عِلم الله يَختلف عن عِلم البَشَر، فوُقوعه لا رَيب فيه، غير أن العِلْم صِفة كَشف لا جَبر. مِثال ذَلِك – ولله المَثَل الأعلى – أن يَقول أُستاذ على طالِبين لهما نَفس مُستوى الذَّكاء والقُدرة على الحِفظ وغير ذَلِك مِن العَوامِل أن هذا سَيَنجح وهذا سَيرسب، ونَجد أن ما قاله قد تَحقَّق، فهل أرغَم أحدهما على النَّجاح والآخر على الرُّسوب؟! كُل ما في الأمر أنَّه «عَلِم» بما رآه مِن مُواظَبة الأوَّل على الدَّرس والاِسْتِذكار أنَّه أقرب إلى النَّجاح، ومِن تَزويغ الثَّاني وكَثرة لَعبه واِسْتِهتاره أنَّه أقرب إلى الرُّسوب.

ثانيًا: لا يَعلم أحد ما كُتِب له في الآخِرَة، بدَليل أنَّه لا يوجد مَن كُل أفعاله خَير مَحض أو شَر مَحض، ولا أحد يَعلم كَيف سَتَكون خاتِمته أو خاتِمة غيره، فنَقول أنَّه مِن أهل الجَنَّة أو أهل النَّار، فبمُستطاع كُل إنسان الاِختيار وتَحمُّل النَّتائِج.

زِد على ذَلِك أنَّه مِن تَمام عَدل الله، وحَتَّى لا يأتي كافِر أو عاصٍ يَوم القيامة ويَقول: والله ما كُنت لأكفُر أو أعصي، لو أعطاني الله الفُرصة.
______________________________________________________________________________________________

[1] {سُبْحَانه وتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا}

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد