المقهى في مصر تاريخ وحكايات لا يعرف أحد بالتحديد متى بدأ؟ هل بالمقهى بمفهوم أبي نواس الذي قال عنه إنه يلهي صاحبه عن باقي الطعام؟ أم هي قهوة الشيخ الإمام أبو الفضل الجيزاوي شيخ الأزهر والتي تعني «قهوة البن العثمانلي»؟ ومع ذلك تبرز القهوة «المكان» والذي بدأ بقوة في مصر بالأزبكية وبولاق مع قدوم الفرنساوية إلى مصر، ثم مع الإنجليز الذين بدلوا حال المصريين ونقلوهم من مدمنين للقهوة لمدمنين للشاي المشروب الرسمي للمصريين الآن، أما القهوة ذاتها فهي حكايات وتاريخ لم تنته بعد؛ خاصة في وسط البلد حيث برزت أسماء مثل: حافظ إبراهيم، ونجيب محفوظ، ومن قبلهما الأفغاني، وسعد زغلول، وعبد الله النديم، ومحمد عبده، ويعقوب صنوع، وبرزت أسماء مقاهٍ مثل: كتكوت، والعنبة، والقهوة البلغاري، واللواء، وعلي بابا، وريش، والندوة الثقافية، وزهرة البستان، ومن قبل كل ذلك متاتيا.

وعند العرب، كانت القهوة تلهي شاربها عن باقي الطعام ومن أمثالهم في ذلك: فلان عبد الشهوة وأسير القهوة، وعندهم أنهم كانوا يضربون المثل بقهوة أبي نواس الذي اشتهر بالخمر، واستمر المفهوم على حاله لفترة طويلة؛ فالقهوة كان تعني «الخمر» أما مكانها فهو غالبًا ما كان الحانة.

وجاء الشيخ أبو الفضل الجيزاوي شيخ الأزهر في أوائل القرن الماضي؛ ليضربوا به المثل فكانوا يقولون: قهوة الشيخ أبو الفضل يعني «قهوة البن المعروفة لا قهوة أبي نواس.

أما القهوة المشروب، فمن أين جاءت لمصر؟ لا أحد يعرف بالضبط، وإن كان هناك من يقولون إنها جاءت مع الوالي العثماني على مصر واسمه علي باشا الخادم، وكانت تجارة البن منتشرة وقتها وكان يطلق على تاجرها اسم «البنان»، ومن الاسم جاءت أماكن شربها والتي عرفها الناس بـ «المقاهي» أو «القهاوي»، وفيها وصلت لأوروبا محرفة باسم كافيه.

وفي تاريخ الجبرتي – كما يقول عبد المنعم شميس في كتابه القيم بعنوان «قهاوي الأدب والفن في القاهرة»؛ فقد حدث أن أراد أحد أئمة المساجد في باب الخلق بالقاهرة أن يحرم شرب القهوة، وثار الناس فانقسموا بين مؤيد ومعارض، ولكن بقيت القهوة وراح من أراد أن يمنعها، واستمرت نجم المقهى الأول في كل مشارب ومنازل القاهرة والمدن الأخرى إلى أن ظهر الشاي. أما كيف حدث ذلك؟ فهناك روايتان: الأولى تقول لك إن الشاي جاء مع دخول الإنجليز إلى مصر مع الاحتلال عام 1882؛ والثانية تعود إلى عرابي باشا قائد الثورة العرابية والذي نفوه إلى جزيرة سيلان، وهناك دعاه اللورد لنبرن إلى مزارعه الخاصة بالشاي؛ وهناك تذوق الشاي ربما للمرة الأولى.

هذا عن القهوة المشروب ولكن ماذا عن القهوة «المكان»؟ هناك حكايات مختلفة، يرجعها بعضهم لأيام الحكم العثمانلي لمصر وانتشار الخمارات والمقاود وأماكن التجمع خاصة حول ميناء بولاق الشهير، وداخل هذه الأماكن كانت تعزف الربابة وتروى السير الشعبية وتحفل بالغناء والشرب والرقص، أما في رمضان -كما قال الجبرتي في تاريخه- فقد كانت هذه الأماكن تغلق نهارًا، ولم يكن ذلك يعجب بعض المفطرين من الجنود العثمانلية الذين كانوا يقتحمونها نهارًا لشرب القهوة وتدخين الشيشة.

وجاء الفرنسيون مع حملتهم إلى مصر، ومعهم تغيرت أحوال وتبدلت ظروف وكان المقهى جزءًا منها؛ فقد حدث – كما يرصد إدوارد لين في كتابه عن القاهرة وكلوت بك والجبرتي في يومياتهما – أن شاهد الفرنساوية قصور المماليك في قنطرة الدكة بحي الأزبكية بوسط القاهرة؛ فكان أن أقام بعضهم ملهى التيفولي الذي يعتبرونه أول ملهى في تاريخ مصر الحديث، ومعه أقاموا العديد من المشارب والمقاهي يدخل إليها جنودهم وضباطهم بتذاكر خاصة، وعلى بابها كان يجلس رجل يدعونه بـ«الخلبوص» وهو أسم كانوا يطلقونه أيضًا على مصاحب الراقصة أو الغازية السيئة السمعة.

أما روادها فكانوا طوائف شتى؛ فمنهم كان شيوخ الأزهر والأفندية وطوائف من مهن المعمار وأصحاب الطرابيش والوراقين، وفى داخلها كنت تلحظ التبغ رفيق القهوة؛ وكثيرًا ما كان الأثرياء من رجال الحكومة أو التجار يستخدمون أجود أصنافه ثم يعطرونه بماء الورد وقطع العنبر، وعندما أنشأ محمد علي دواوين الحكومة بالقلعة سمح لموظفيه بكل ذلك، ولكن ليس داخل الدواوين ولكن في غرفة منفصلة يشربون ويدخنون داخلها ثم يعودون لأعمالهم بالدواوين.

أما شكل المقهى -فكما جاء في كتاب عبد المنعم شميس- فقد كان عبارة عن طابق واحد ذي طراز معماري إسلامي، وداخل مصاطب وحصير ومن حوله تكعيبات العنب، وكان الزبائن والرواد يجلسون ومن حولهم وسائل الترفيه التي تتراوح ما بين السير الشعبية وخيال الظل والغناء والأدباتية والمهرجين، ومن بين هؤلاء ظهر بعد عصور كل من: عبد الله النديم الأدباتي الشهير في مجلس المنشاوي في طنطا، ومن بعده جاء بيرم التونسي الذي حمل لواء فنون الأرغول أحد أهم الفنون الشعبية المتعمقة في الزجل والشعر الحلمنتيشي، ومعهم ظهرت فنون «القافية» يعني واحد يقف أمام آخر وتجري بينهما مبارزة كلامية، وفيها يكون الجمهور هو «الحكم الوحيد»، كما ظهرت فنون الآلاتية وطوائف العوالم والغوازي ورقصاتهن الشهيرة ومن يصاحبهن من «الخلابيص» وأغنياتهن ورقصاتهن، وأشهرها كانت النحلة ويقول مطلعها: «النحل يا هوه.. يا ناس حوشوه» وهي رقصة خليعة جدًّا، بلغت خلاعتها أن أمر محمد علي بمنعها فورًا من كل الملاهي، ومعاقبة كل من «ترقصها» مثلما حدث مع رقصة «الكان كان» الشهيرة في باريس؟

وهنا يعود بعض الكتّاب الذين كتبوا عن الفترة ذاتها ليؤكدوا لنا أن علية القوم -ربما لما سبق- كانوا لا يرتادون مثل هذه الأماكن، وإن كان ذلك لم يمنع من وجود مقاه أخرى أشهرها «البلدية» و«الأفرنكية»، ثم النوبية بعد ذلك، حتى إن علي مبارك رصد في الخطط التوفيقية نحو 1070 مقهى كانت تتركز في الأزبكية وبولاق وعابدين والجمالية، وكان ذلك حوالي عام 1880 ميلادية.

وكانت المقاهي تخصص في معظمها لطوائف وطبقات فمقاهي عماد الدين للفنانين وروض الفرج كذلك، أما بولاق فللتجار، وفي الأزهر للأفندية من ذوي الطرابيش ومعها مقاه كانت مخصصة لكل من لهم صلة بالكتب من «الوراقين الذين لم يكن لهم مكان ثابت».

ومع ذلك، انتشرت مقاه لمصارعة الديوك منعتها الحكومة بعد ذلك، وإن كانت سببًا في اطلاق اسم كتكوت على أحد أصحابها القدامى فسميت القهوة  كتكوت!

أما مقاهي الحسين فلها قصة مختلفة، فقد اشتهرت مقاهي الفيشاوي وشعبان وولي النعم ونجيب محفوظ بعد ذلك بروادها من الفنانين والأدباء، وكان أشهرها مقهى شعبان أمام مسجد الحسين، وكان أشهر روادها المطرب محمد الكحلاوي الذي كان يجلس هو ومريدوه أمام المسجد وفي مواجهة المقهى: الشناوي وعبد الحميد الديب وغيرهما من كبار الصحفيين ومعهم الراحل محمد زكي عبد القادر الذي كان يواظب على الحضور.

وفي رمضان، كان يفترش جنبات مقاهي الحسين العديد من المنشدين والمطربين وقراء القرآن الكريم، وكنت تسمع همسات من: نهج البردة والهمزية للبوصيري ودلائل الخيرات لبعض الصوفية والحكواتية والأدباتية ورواة السير الشعبية والربابة.

وفي مكان آخر قالوا عنه إنه «قصة ثورة لا قصة مقهى» كانت تدور حوارات ومناقشات في ميدان العتبة الخضراء وقرب البوسطة وربما أطلق الاسم على المقهى هناك «البوسطة» أو مقهى «متاتيا» الشهير، الذي شهد لقاءات الأفغاني مع مريديه وكان أشهرهم: محمد عبده، وسعد زغلول، ومحمود سامي البارودي، وإبراهيم المويلحي، ويعقوب صنوع «أبو نظارة»، ثم عبد الله النديم.

أما الآن، ومنذ نهايات ومنتصف القرن الماضي؛ فما زالت تلمع أسماء لمقاهٍ شهيرة احتضنت أهل الأدب والفن والمشاهير منها: مقهى على بابا بميدان التحرير وكازينو قصر النيل والإسكندرية، الذين شهدوا إبداعات نجيب محفوظ ولقاءاته الشهيرة مع مريديه ومع حرافيشه ومنهم: أحمد مظهر وتوفيق صالح وعادل كامل وصلاح أبو سيف، كما تلمح مقهى بالكيت كات احتضن إبداعات الأديب إبراهيم أصلان، وقهوة عبد الله بالجيزة وكان يجلس عليها محمود السعدني، ومن قبلهم كان الشاعر الراحل أمل دنقل من أشهر رواد المقاهي الثقافية، وهناك مقهى أم كلثوم الذي يستمع رواده لبعض الموسيقى ولأغانيها، كما تلمح -كما قال لنا الأديب إبراهيم عبد المجيد أحد رواد هذه المقاهي الآن- أشهر الأسماء وهي مقاهي: زهرة البستان والندوة الثقافية وريش والجريون بوسط القاهرة، ولكل مقهى منها ميزة فالبستان: لكل الأجيال ولكن الأدباء الشبان هم الغالبون، وريش للأدباء الكبار، وسوق الحميدية للكبار في الغالب ولبعض الشباب، أما الفيشاوي فهي موسمية وبالذات في رمضان وإن كانت لم تعد إلا مجرد ممر.

وأشهر رواد هذه المقاهي كان منهم:

بهاء طاهر وأسامة أنور عكاشة وصحافيون كبار وأدباء شباب، ومنهم أسماء دائمة التردد مثل مكاوي سعيد  وسعيد الكفراوي ونبيل عطية وفتحي عبد الله وحسن خضر وبعض الأديبات الشابات، أما قضاياهم فتدور عادة حول الأعمال والكتب والقضايا الأدبية المثارة على الساحة الثقافية، وفي أحيان أخرى تدور مناقشات غير منتظمة حول الكتابات الجديدة والتيارات الأدبية، وهي في أحيان ثالثة مركز من مراكز المعارضة لبعض المواقف، كما أنها مركز للتعبير عما يدور في مصر، ومواقف الأدباء من الأحداث.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المقاهي, قهوة, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد